[4/484] 109 - باب
إذا أسمع الإمام الآية
778 - حدثنا محمد بن يوسف ، ثنا الأوزاعي ، حدثني يحيى بن أبي كثير ، حدثني عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بأم الكتاب وسورة معها ، في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر ، ويسمعنا الآية أحياناً ، وكان يطيل في الركعة الأولى .


قوله : ( كان يسمعنا الآية أحياناً ) ظاهره : أنه كان يقصد ذلك ، وقد يكون فعله ليعلمهم أنه يقرأ في الظهر والعصر ، فإنه حصل لبعضهم شك في ذلك كما تقدم .
وقد يكون فعله ليعلمهم هذه السورة المعينة ، كما روي ذلك عن أنس وغيره ؛ أو ليبين جواز الجهر في قراءة النهار ، وأن الصلاة لا تبطل به .
وقالت طائفة من العلماء : لم يكن إسماعهم الآية أحياناً عن قصد ، إنما كان يقع اتفاقاً عن غير قصد ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ لنفسه سراً ، فربما استغرق في تدبر ما يقرأه ، أو لعله كان يقصد تحقيق القراءة ، فيقع سماع قراءته للآية أحياناً لذلك من غير أن يتعمد إسماعهم ، أو أن يكون وقع الإسماع منه على وجه السهو ، وفي هذا نظر .
قال الشافعي : لا نرى بأسا أن يتعمد الرجل الجهر بالشيء من القرآن ليعلم من خلفه أنه يقرأ ، قال : وهم يكرهون هذا ، ويوجبون السهو على من فعله ، يشير إلى أهل الكوفة .
[4/485] واختلف كلام الإمام أحمد في ذلك :
فنقل عنه حنبل في قراءة النهار : ترى للرجل أن يسمع من يليه ؟ قال : الحرف ونحو ذلك ، ولا يغلط صاحبه ؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمعهم الآية أحياناً ، وقال : صلاة النهار عجماء لا يجهر فيها .
ونقل عنه إسماعيل بن سعيد الشالنجي في الإمام يسمع من يليه ، فكره ذلك في صلاة النهار ، وقال : لا أرى عليه سهوا في ذلك ، أي : سجود سهو .
وروى الشافعي بإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه سمع قراءة في الظهر والعصر .
قال الشافعي : وهذا عندنا لا يوجب سهواً ، يعني : سجوداً .
وروى وكيع في ( كتابه ) عن سيف المكي ، عن مجاهد ، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقرأ في الظهر بـ كهيعص .
وروى الجوزجاني بإسناده ، عن أبي عثمان النهدي ، قالَ : سمعت من ابن عمر نغمة من ق في صلاة الظهر .
وروى حماد بن سلمة ، عن حميد وثابت وقتادة والتيمي ، أن أنساً صلى بهم الظهر والعصر ، وكان يسمعهم النغمة أحياناً .
وروي عنه مرفوعاً .
ووقفه أصح ، قاله أبو حاتم والدارقطني وغيرهما
.
وروي عن خباب بن الأرت ، أنه قرأ بهم في الظهر بـ : إذا زلزلت [4/486] فسمع قراءته حتى تعلمها من خلفه .
وعنه : قرأ بهم في العصر إذا زلزلت فجهر بها .
وقال علقمة : صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود بالنهار ، فلم أدر أي شيء قرأ ، حتى سمعته يقول : رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا فظننته يقرأ طه .
وقال النخعي : كان بعضهم يسمعهم الآية في الظهر والعصر .
وخرج النسائي وابن ماجه من حديث البراء بن عازب ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا الظهر ، فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات .
واختلفوا فيمن جهر فيما يخافت فيه : هل يسجد للسهو ، أم لا ؟
فقالت طائفة : لا يسجد ، روي عن أنس وعلقمة والأسود ، أنهم فعلوه ولم يسجدوا .
وهو قول الأوزاعي والشافعي .
وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة : يسجد لذلك .
وعن أحمد فيه روايتان .
وقال مالك : إن تطاول ذلك سجد للسهو ، ولا أرى عليه في السر سهوا .
واستدل أحمد بأنه لا يجب السجود لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع منه نغمة في صلاة الظهر ، وبأن أنساً جهر فلم يسجد .
[4/487] قلت : المروي عن الصحابة قد تقدم أنه كان عمداً منهم فعلوه ؛ لتعليم من وراءهم سنة القراءة ، والعمد لا يسجد له .
وفيه رد على من قال : تبطل صلاته بتعمد الجهر فيما يسر فيه ، كما تقدم .
فقد حكي عن ابن أبي ليلى ، أنه تبطل الصلاة بتركه عمداً ونسياناً ، وهو بعيد جداً .