[5/60] 123 - باب الدعاء في الركوع
794 - حدثنا حفص بن عمر ، ثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه وسجوده : " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي " .


في هذا الحديث : دليل على الجمع بين التسبيح والتحميد والاستغفار في الركوع والسجود .
وخرج الإمام أحمد من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، قال : لما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول : " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ، إنك أنت التواب الرحيم " ثلاثا .
وأبو عبيدة ، لم يسمع من أبيه ، لكن رواياته عنه صحيحة
.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي ، من حديث عون بن عبد الله ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات : سبحان ربي العظيم ، وذلك أدناه ، وإذا سجد فليقل : سبحان ربي الأعلى ثلاثا ، وذلك أدناه " .
وهو مرسل ، يعني : أن عون بن عبد الله لم يسمع من ابن مسعود - : قاله الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم .
وقد روي بهذا الإسناد موقوفا .
[5/61] وقد روي من وجوه أخر عن ابن مسعود مرفوعا - أيضا - ولا تخلو من مقال
.
وفي " صحيح مسلم " من حديث حذيفة ، قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فافتتح البقرة - وذكر الحديث ، إلى أن قال : ثم ركع فجعل يقول : " سبحان ربي العظيم " ، وكان ركوعه نحوا من قيامه ، ثم قال : " سمع الله لمن حمده " ، ثم قام قياما طويلا قريبا مما ركع ، ثم سجد فقال : " سبحان ربي الأعلى " ، فكان سجوده قريبا من قيامه .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في " صحيحه " والحاكم من حديث موسى بن أيوب الغافقي : حدثني عمي إياس بن عامر ، قال : سمعت عقبة بن عامر الجهني ، قال : لما نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اجعلوها في ركوعكم " ، فلما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اجعلوها في سجودكم " .
موسى ، وثقه ابن معين وأبو داود وغيرهما ، لكن ضعف ابن معين رواياته عن عمه المرفوعة خاصة
.
وفي " صحيح مسلم " عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في ركوعه وسجوده : " سبوح قدوس ، رب الملائكة والروح " .
وفيه - أيضا - : عن علي ، أنه وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : وإذا ركع قال : " اللهم لك ركعت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، خشع لك سمعي [5/62] وبصري ومخي وعظمي وعصبي " وذكر بقية الحديث .
وخرجه الترمذي بمعناه ، وعنده : أن ذلك كان يقوله في المكتوبة .
وفي إسناد الترمذي لين .
ولكن خرج البيهقي هذه اللفظة بإسناد جيد .
وخرج النسائي نحو حديث علي من حديث جابر ومحمد بن مسلمة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي حديث محمد بن مسلمة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ذلك في صلاة التطوع .
وخرج - أيضا - هو وأبو داود من حديث عوف بن مالك ، قال : قمت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ، فلما ركع مكث قدر سورة البقرة ، يقول في ركوعه : " سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة " .
وفي الباب أحاديث أخر متعددة يطول ذكرها .
والكلام هاهنا في حكم التسبيح في الركوع ، وفي الدعاء فيه .
فأما التسبيح في الركوع : فمشروع عند جمهور العلماء .
قال جابر : كنا نسبح ركوعا وسجودا ، وندعو قياما وقعودا .
خرجه البيهقي .
[5/63] وقال أصحاب مالك : لا بأس به . هكذا في " تهذيب المدونة " ، قال : ولا حد له .
وأما الجمهور ، فأدنى الكمال عندهم ثلاث تسبيحات ، وتجزئ واحدة .
وروي عن الحسن وإبراهيم أن المجزئ ثلاث .
وقد يتأول على أنهما أرادا المجزئ من الكمال ، كما تأول الشافعي وغيره حديث ابن مسعود المرفوع الذي فيه : " وذلك أدناه " على أدنى الكمال .
وروي عن عمر ، أنه كان يقول في ركوعه وسجوده قدر خمس تسبيحات .
وعن الحسن ، قال : التام من ذلك قدر سبع تسبيحات .
وعنه ، قال : سبع أفضل من ثلاث ، وخمس وسط بين ذلك .
وكذا قال إسحاق : يسبح من ثلاث إلى سبع .
وقالت طائفة ، يستحب للإمام أن يسبح خمسا ليدرك من خلفه ثلاثا ، هكذا قال ابن المبارك وسفيان الثوري وإسحاق وبعض أصحابنا .
ومنهم من قال : يسبح من خمس إلى عشر .
وقال بعض أصحابنا : يكره للإمام أن ينقص عن أدنى الكمال في الركوع والسجود ، ولا يكره للمنفرد ؛ ليتمكن المأموم من سنة المتابعة .
ولأصحابنا وجه : أنه لا يزيد على ثلاث .
وذكر القاضي أبو يعلى في " الأحكام السلطانية " : أن الإمام المولى إقامة الحج بالناس ليس له أن ينفر في النفر الأول ، بل عليه أن يلبث بمنى ، وينفر في اليوم الثالث ؛ ليستكمل الناس مناسكهم .
[5/64] وقال أصحاب الشافعي : لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات - ومنهم من قال : خمس - إلا أن يرضى المأمومون بالتطويل ، ويكونون محصورين لا يزيدون .
وهذا خلاف نص الشافعي في الإمام ، فإنه نص على أنه يسبح ثلاثا ، ويقول مع ذلك ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث علي الذي سبق ذكره . قال : وكل ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركوع أو سجود أحببت أن لا يقصر عنه ، إماما كان أو منفردا ، وهو تخفيف لا تثقيل .
واختلف أصحابنا في [. . .] الكمال في التسبيح : هل هو عشر تسبيحات ، أو سبع ؟ ولهم وجهان آخران في حق المنفرد : أحدهما : يسبح بقدر قيامه . والثاني : ما لم يخف سهوا .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أنس ، قال : ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشبه صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا الفتى - يعني : عمر بن عبد العزيز - قال : فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات ، وفي سجوده عشر تسبيحات .
ولو لم يسبح في ركوعه ولا سجوده ، فقال أكثر الفقهاء : تجزئ صلاته ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والثوري والشافعي وغيرهم .
وقال أحمد - في ظاهر مذهبه - وإسحاق : إن تركه عمدا بطلت صلاته ، [5/65] وإن تركه سهوا وجب عليه أن يجبره بسجدتي السهو .
وقالت طائفة : هو فرض لا يسقط في عمد ولا سهو ، وحكي رواية عن أحمد ، وهو قول داود ، ورجحه الخطابي ، وقد روى الحسن والنخعي ما يدل عليه ، وهو قول يحيى بن يحيى ، وعلي بن دينار من أئمة المالكية .
قال القرطبي : وقد تأوله المتأخرون بتأويلات بعيدة .
ويستدل له بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة : " إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " .
وكذلك سمى الله الصلاة تسبيحا ، كما سماها قرآنا ، فدل على أن الصلاة لا تخلو عن القرآن والتسبيح .
وعلى القول بالوجوب ، فقال أصحابنا : الواجب في الركوع : " سبحان ربي العظيم " ، وفي السجود : " سبحان ربي الأعلى " ، لا يجزئ غير ذلك ، لحديث ابن مسعود وعقبة ، وقد سبقا .
وقال إسحاق : يجزئ كل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من تسبيح وذكر ودعاء وثناء .
وهو قياس مذهبنا في جواز جميع أنواع الاستفتاحات والتشهدات الواردة في الصلاة .
وفي " المسند " وغيره ، عن أبي ذر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام ذات ليلة بآية يرددها ، بها يقوم ، وبها يركع ، وبها يسجد . والآية : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
قال أصحاب الشافعي : يستحب أن يأتي بالتسبيح ، ثم يقول بعده : " اللهم ، [5/66] لك ركعت " إلى آخره . كما رواه علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
قالوا : فإن أراد الاقتصار على أحدهما ، فالتسبيح أفضل .
قال بعضهم : والجمع بين التسبيح ثلاثا ، وهذا الذكر أفضل من الاقتصار على التسبيح ، وزيادته على الثلاث .
وأما الدعاء في الركوع ، فقد دل حديث عائشة الذي خرجه البخاري هاهنا على استحبابه ، وعلى ذلك بوب البخاري هاهنا ، وهو قول أكثر العلماء .
وروي عن ابن مسعود .
وقال مالك : يكره الدعاء في الركوع دون السجود ، واستدل بحديث علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أما الركوع ، فعظموا فيه الرب ، وأما السجود ، فاجتهدوا فيه في الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم " .
خرجه مسلم .
وروي عن أحمد رواية ، أنه قال : لا يعجبني الدعاء في الركوع والسجود في الفريضة .
قال بعض أصحابنا : وهي محمولة على الإمام إذا طول بدعائه على المأمومين أو نقص بدعائه التسبيح عن أدنى الكمال ، فأما في غير هاتين الحالتين فلا كراهة فيه .
وفي " صحيح مسلم " ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء " .
وفيه - أيضا - عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في [5/67] سجوده : " اللهم اغفر ذنبي كله ، دقه وجله ، أوله وآخره ، وعلانيته وسره " .
وخرج النسائي من حديث ابن عباس ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في سجوده : " اللهم اجعل في قلبي نورا ، وفي سمعي نورا " - وذكر الحديث بطوله .
وخرجه مسلم ، وعنده : أنه قال في صلاته ، أو في سجوده ، بالشك .
وفي " المسند " عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذات ليلة في سجوده : " رب اغفر لي ما أسررت وما أعلنت " .
وفيه : عنها - أيضا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذات ليلة في سجوده : " رب أعط نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها " .