‎( 66 ) باب
الإبراد بالظهر في شدة الحر
( 615 ) ( 180 ) [502] - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : إِذَا كان الحر - وفي رواية - إذا اشْتَدَّ الْحَرُّ - فَأَبْرِدُوا عن الصَّلاةِ ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ .
وَذَكَرَ : أَنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّهَا ، فَأَذِنَ لَهَا فِي كُلِّ عَامٍ بِنَفَسَيْنِ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ .
وَفِي رِوايَةٍ : فَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ حَرٍّ أَوْ حَرُورٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ ، وَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ بَرْدٍ أَوْ زَمْهَرِيرٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ .


( 66 ) ومن باب : الإبراد في شدة الحر
قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة " أي : أخروها عن ذلك الوقت ، وادخلوا بها في وقت البرد ، وهو الزمن الذي يتبين فيه انكسار شدة الحر وتوجد فيه برودة ما . يقال : أبرد الرجل ؛ أي : صار في برد النهار. و" عن " في [2/244] قوله : " عن الصلاة " : بمعنى الباء ، كما قد روي في بعض طرقه : " أبردوا بالصلاة " . و "عن " تأتي بمعنى الباء ، كما يقال : رميت عن القوس ؛ أي : به . كما تأتي الباء بمعنى : عن ، كما قال الشاعر :
فإن تسألوني بالنساء فإنني
بصير بأدواء النساء طبيب

أي : عن النساء . وكما قيل في قوله تعالى : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا أي : عنه ، وقيل : إن " عن " هنا زائدة ؛ أي : أبردوا الصلاة ، يقال : أبرد الرجل كذا : إذا فعله في برد النهار . " وفيح جهنم " : شدة حرها ، وشدة غليانها . يقال : فاحت القدر ، تفيح : إذا هاجت ، وغلت . والنفس : التنفس . [ فإذا تنفست في الصيف قوَّى لهيبُها حرَّ الشمس ، فزاد حرها وتضاعف ]، وإذا تنفست في البرد دفع حرها شدة البرد إلى الأرض ، وهو الزمهرير الذي ذكره . واختُلف في معنى هذا الحديث ؛ فمن العلماء من حمله على ظاهره ، وقال : هو لسان مقال محقق ، وشكوى محققة ، وتنفس محقق ؛ إذ هو إخبار من الصادق بأمر جائز ، فلا يُحتاج إلى تأويله . وقيل : إن هذا الحديث خرج مخرج التشبيه والتقريب ؛ أي : كأنه نار جهنم في الحر ، وقد تكون هذه الشكوى وهذه المقالة لسان حال ، كما قال :
شكا إليَّ جملي طول السُّرى
صبر جميل فكلانا مُبْتَلى

والأول أولى ؛ لأنه حمل اللفظ على حقيقته ، ولا إحالة في شيء من ذلك .
[2/245] وفيه دليل : على أن النار قد خلقت ، وأنها موجودة ، خلافًا لما قالته المعتزلة وغيرهم من أهل البدع : أنها ستخلق في القيامة .
وقوله : " فما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم " . " أو " هذه يحتمل أن تكون شكًّا من الراوي ، فيكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أحدهما ، فشك فيه الراوي ، فجمعهما بـ أو . ويحتمل : أن يكون ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - اللفظين ، فتكون " أو " للتقسيم والتنويع . والحرور : اشتداد الحر ، وفيحُه بالليل والنهار . فأما السموم فلا يكون إلا بالليل . والزمهرير : شدة البرد . وبتأخير الظهر في شدة الحر ، قال مالك وأهل الرأي : ورأوا : أنها في ذلك الوقت أفضل . وقَدَّرَ أصحابنا هذا الوقت بزيادة على ربع القامة إلى وسط الوقت ، وهذا في الجماعة عند أصحابنا . وقد اختلفوا في المنفرد : هل يُبرد أم لا ؟ وقال الشافعي : تقديم الصلوات كلها للفذ والجماعة أفضل في الشتاء والصيف إلا للإمام الذي ينتاب إليه الناس من بعيد ، فيبرد بالظهر في الصيف دون غيره . ولم يقل أحد بالإبراد في غير الظهر إلا أشهب ، فقال به في العصر ، وقال : يؤخر ربع القامة . ورأى أحمد بن حنبل تأخير العشاء الآخرة في الصيف بالليل كما يؤخر الظهر ، وعكسه ابن حبيب ، فرأى تأخيرها في الشتاء ؛ لطول الليل ، وتعجيلها في الصيف ؛ لقصره .