‎( 71 ) باب
المحافظة على الصبح والعصر
( 632 ) [517] - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الفجر وَصَلاةِ الْعَصْرِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ - : كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟ فَيَقُولُونَ : تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ .


[2/260] ( 71 ) ومن باب : المحافظة على الصبح والعصر
قوله : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " ، وهذه الواو في يتعاقبون فيكم علامة للفاعل المذكر المجموع ، وهي لغة بني الحارث ؛ وهي أنهم يلحقون علامة للفاعل المثنى والمجموع ، وهم القائلون : أكلوني البراغيث ، وهي لغة معروفة فاشية ، وعليه حمل الأخفش قوله تعالى : وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ومن هذا قول الشاعر :
ولكن دِيَافِيٌّ أبوه وأمُّه
بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُه

[2/261] وقد تعسَّف بعض النحويين في تأويلها وردّوها للبدل ، وهو تكلف مستغنى عنه ، مع أن تلك اللغة مشهورة ، لها وجه من القياس واضح يعرف في موضعه . ومعنى التعاقب : إتيان طائفة بعد أخرى ، فكأن الثانية تأتي عقيب الأولى. وهؤلاء الملائكة : إن كانوا هم الحفظة ، فسؤال الله لهم بقوله : " كيف تركتم عبادي ؟ " إنما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكَتْبِهم إياها عليهم . وعلى أنهم هم الحفظة ؛ مذهب الجمهور ، وإن كانوا غيرهم - وهو الأظهر عندي - ، فسؤاله تعالى لهم : إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وإظهارًا لما سبق في معلومه إذ قال لهم : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ وهذه حكمة اجتماعهم في صلاة الفجر والعصر ، والله تعالى أعلم . أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادتهم لهم ؛ ولذلك قالوا : أتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون . وهذا من خفي لطفه تبارك وتعالى ، وجميل ستره ؛ إذ أطلعهم بكرمه عليهم حالة عباداتهم ، ولم يطلعهم عليهم ولا جمعهم لهم في حال خلواتهم بلذاتهم وانهماكهم في معاصيهم وشهواتهم ، فسبحانه من حليم كريم جليل ؛ إذ ستر القبيح وأظهر الجميل . وقد تقدم الكلام على رؤية الله تعالى ، وعلى قوله : لا تضامُّون .