[5/87] 128 - باب
يهوي بالتكبير حين يسجد
وقال نافع : كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه
.

بوب على أن التكبير للسجود يكون في حال الهوي إلى الأرض بالسجود . وذكر فيه أحكاما أخرى من أحكام السجود .
فأما التكبير في حال الهوي ، فروي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة .
وكان عبد الله بن يزيد الخطمي يهوي بالتكبير ، فكأنه في أرجوحة حتى يسجد .
وقال النخعي : كبر وأنت تهوي ، وأنت تركع .
يشير إلى أن التكبير للركوع يكون - أيضا - في حال الهوي إليه كالسجود .
والهوي : هو السقوط والانخفاض ، وهو بتشديد الياء ، وأما الهاء فمضمومة . وقيل : بفتحها : ثم قيل : هما لغتان . وقيل : بل هو بالضم الصعود ، وبالفتح النزول .
وقال بعض أصحابنا : يكون تكبير الخفض والرفع والنهوض ابتداؤه مع ابتداء الانتقال ، وانتهاؤه مع انتهائه ، فإن كمله في جزء من الانتقال ، ولم يستوعبه به أجزأه ؛ لأنه لم يخرج به عن محله ، وإن شرع فيه قبله أو كمله بعده ، فوقع بعضه خارجا منه ، فهو كتركه ، لأنه لم يكمله في محله ، فهو كمن تمم قراءته في الركوع .
[5/88] قال : هذا هو قياس المذهب .
قال : ويحتمل أن يعفى عن ذلك ؛ لأن التحرز منه يعسر ، والسهو به يكثر ، ففي إبطال الصلاة بعمده ، وإيجاب السجود لسهوه مشقة .
وقال أصحاب الشافعي : يبتدئ تكبير الركوع قائما ، ويمده إلى أن يصل إلى حد الراكع .
قالوا : هذا هو الذي نص عليه الشافعي في " الأم " . وقطع به العراقيون .
وحكى الخراسانيون قولين : أحدهما : هذا . قالوا : وهو الجديد .
والثاني - وهو القديم - : لا يديم التكبير بل يسرع به .
قالوا : والقولان جاريان في جميع تكبيرات الانتقالات : هل تحذف ، أم تمد حتى يصل إلى الذكر الذي بعدها ؟ والصحيح : المد .
وقالوا في تكبير السجود : إنه يشرع به من حين يشرع في الهوي ، ولم يقولوا : إنه يبتدئه قائما ، كما قالوا في تكبير الركوع ، وهو خلاف نص الشافعي ؛ فإنه حكوا عنه أنه قال في " الأم " : أحب أن يبتدئ التكبير قائما وينحط مكانه ساجدا . قال : وإن أخر التكبير عن ذلك - يعني : عن الانحطاط - أو كبر معتدلا ، أو ترك التكبير كرهت ذلك . انتهى .
وهذا يدل على أن تأخير التكبير عن الانحطاط وتقديمه عليه كتركه .
وممن رأى التكبير في الهوي للسجود وغيره : مالك والثوري وأحمد وغيرهم .
وأما ما ذكره البخاري ، عن نافع - تعليقا - قال : كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه .
[5/89] فخرج ابن خزيمة في " صحيحه " والدارقطني من رواية أصبغ بن الفرج ، عن الدراوردي ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، إنه كان يضع يديه قبل ركبتيه ، وقال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك .
وخرجه الحاكم والبيهقي من رواية محرز بن سلمة ، عن الدراوردي ، به .
وقال البيهقي : ما أراه إلا وهما - يعني : رفعه .
وقد رواه ابن أخي ابن وهب ، عن عمه ، عن الدراوردي كذلك .
وقيل : إن أشهب رواه عن الدراوردي كذلك .
ورواه أبو نعيم الحلبي ، عن الدراوردي ، فوقفه على ابن عمر .
قال الدارقطني : وهو الصواب
.
وروي عن ابن عمر خلاف ذلك ؛ روى ابن أبي ليلى ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه ، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه .
خرجه ابن أبي شيبة .
وروى شريك ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن وائل بن حجر ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه ، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه .
خرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي ، وقال : حديث حسن .
[5/90] وخرجه الحاكم ، وصححه .
وهو مما تفرد به شريك ، وليس بالقوي .
وخرجه أبو داود من طريق همام ، عن محمد بن جحادة ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
قال همام : ونا عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله .
فهذا الثاني مرسل ، والأول منقطع ؛ لأن عبد الجبار بن وائل لم يدرك أباه
.
وفي الباب أحاديث أخر مرفوعة ، لا تخلو من ضعف .
وروي في عكس هذا من حديث أبي هريرة ، ولا يثبت - أيضا - وأجود طرقه : من رواية محمد بن عبد الله بن حسن ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ، وليضع يديه قبل ركبتيه " .
خرجه أبو داود والنسائي والترمذي مختصرا . وقال : غريب .
وقال حمزة الكناني : هو منكر .
ومحمد راويه ، ذكره البخاري في " الضعفاء " ، وقال : يقال : ابن حسن ، ولا يتابع عليه ، ولا أدري سمع من أبي الزناد ، أم لا ؟ فكأنه توقف في كونه محمد بن عبد الله بن حسين بن حسن الذي خرج بالمدينة على المنصور ، ثم قتله المنصور بها .
وزعم حمزة الكناني ، أنه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان الذي يقال له : الديباج ، وهو بعيد .

[5/91] واختلف العلماء في الساجد : هل يضع ركبتيه قبل يديه ، أم يديه قبل ركبتيه ؟ فقال الأكثرون : يضع ركبتيه قبل يديه .
قال الترمذي : وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله .
وهو قول مسلم بن يسار ، وأبي قلابة ، وابن سيرين ، والنخعي والثوري ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .
وقال حجاج ، عن أبي إسحاق : كان أصحاب عبد الله إذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم .
وكره النخعي أن يضع يديه قبل ركبتيه ، وقال : هل يفعله إلا مجنون ؟
وقالت طائفة : يبدأ بيديه قبل ركبتيه ، وهو مروي عن الحسن ، وقد روي عن ابن عمر كما تقدم ، وحكي رواية عن أحمد .
ومن أصحابنا من خصها بالشيخ الكبير والضعيف خاصة ، وهو أصح .
وقال الأوزاعي : أدركت الناس يصنعونه .
وهو قول مالك . وروي عنه ، أنهما سواء .
وقال قتادة : فيضع أهون ذلك عليه .