[5/117] 134 - باب السجود على الأنف
812 - حدثنا معلى بن أسد ، ثنا وهيب ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة " - وأشار بيده على أنفه - " واليدين ، والركبتين ، وأطراف القدمين ، ولا نكفت الثياب والشعر "
.

معنى " نكفت " أي : نضم ونجمع ، ومنه قوله تعالى : أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتًا أي : نكفتهم ونضمهم ونجمعهم وهم أحياء على ظهرها ، وإذا ماتوا ففي بطنها .
وفي هذه الرواية : أنه لما ذكر الجبهة أشار بيده إلى أنفه ، وقد خرجه مسلم من حديث وهيب ، وخرجه - أيضا - من طريق ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أمرت أن أسجد على سبع ، ولا أكفت الشعر ولا الثياب : الجبهة والأنف ، واليدين ، والركبتين ، والقدمين " .
واستدل بهذا من يقول : إنه يجب السجود على الأنف مع الجبهة ، وهو قول مالك وأحمد - في رواية عنهما - وإسحاق ، واختار هذه الرواية عن أحمد أبو بكر عبد العزيز وغيره من أصحابنا - وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة .
وحكي قولا للشافعي ، رجحه بعض المتأخرين من أصحابه ، إلا أنه خصه بحال الذكر .
[5/118] وروي معناه عن طاوس والنخعي وسعيد بن جبير .
وروي عن ابن عمر ، قال : السجود على الأنف تحقيق السجود .
وسئل طاوس : الأنف من الجبين ؟ قال : هو خيره .
وروى عاصم ، عن عكرمة ، قال : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي لا يمس أنفه الأرض ، قال : " لا تقبل صلاة لا يمس فيها الأنف ما يمس الجبين " .
وخرجه الدارقطني والحاكم - موصولا - عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وصحح الحاكم وصله ، وصحح الأكثرون إرساله ، منهم : أبو داود في " مراسيله " والترمذي في " علله " والدارقطني وغيرهم .
وإلى ذلك يميل الإمام أحمد ، وهو مرسل حسن
.
ولو اقتصر على السجود على أنفه دون جبهته ، لم يجزئه عند أحد من العلماء ممن أوجب السجود على الأنف ، غير أبي حنيفة ، وهي رواية عن الثوري ، رواها عنه حسان بن إبراهيم .
وقال كثير من العلماء : السجود على الأنف مستحب غير واجب ، وروي عن الحسن والشعبي والقاسم وسالم ، وهو قول الشافعي وسفيان وأحمد - في [5/119] الرواية الثانية عنهما .
وحمل من قال بذلك حديث ابن عباس على الاستحباب دون الوجوب ، قالوا : لأنه عد الأعضاء المأمور بالسجود عليها سبعا ، ولو كان الأنف معها لكانت ثمانيا .
وهذا مردود ، فإن الأنف من الجبهة ، كما قال طاوس : هو خيرها . وروي عنه ، أنه كان يعد الأنف والجبهة واحدا .
فإن قيل : فالجبهة لا يجب السجود على جميعها بالإجماع ، ولو وجب السجود على الأنف لوجب استيعابها بالسجود عليها .
قيل : هذا الإجماع غير صحيح ، وقد سبق قول من قال بوجوب استيعابها بالسجود عليها .
ولكن ؛ قد قيل : إن ذكر الأنف منها إنما هو من كلام طاوس . قاله البيهقي وغيره .
وفي " سنن ابن ماجه " من رواية ابن عيينة ، عن ابن طاوس هذا الحديث ، وفيه : قال ابن طاوس : وكان أبي يقول : الركبتين واليدين والقدمين ، وكان يعد الجبهة والأنف واحدا .
كذا خرجه عن هشام بن عمار ، عن سفيان .
وخرجه النسائي من طريق سفيان - أيضا - وعنده : قال سفيان : قال لنا ابن طاوس : وضع يديه على جبهته ، وأمرها على أنفه ، وقال : هذا واحد .
ورواه - أيضا - الشافعي وابن المديني ، عن ابن عيينة ، عن ابن طاوس ، عن أبيه - بمعناه .
[5/120] خرجه البيهقي .
وقال : في حديث سفيان ما دل على أن ذكر الأنف في الحديث من تفسير طاوس .
وخرجه - أيضا - من طريق إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسجد منه على سبع ، قال ابن ميسرة : فقلت لطاوس : أرأيت الأنف ؟ قال : هو خيره .
وأيضا ؛ فقد قال : " سبعة أعظم " ، وطرف الأنف المسجود عليه ليس عظما ، فعلم أنه تابع لعظم الجبهة ، وليس عضوا مستقلا .
فلو تعذر السجود على الجبهة لعذر ، وقدر على السجود على أنفه ، فهل يلزمه عند من لا يوجب السجود عليه ؟ فيه قولان :
أحدهما : نعم ، وينتقل الفرض إليه ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه والشافعي .
والثاني : لا ينتقل الفرض إليه ، بل يومئ بجبهته ، ولا يلزمه السجود على أنفه ، وهو قول مالك وأصحابنا ، كما لا ينتقل فرض غسل اليدين والرجلين في الوضوء إلى موضع الحلية ، إذا قدر على غسله ، وعجز عن غسل اليدين والرجلين .