[5/145] 143 - باب
كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة
824 - حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا وهيب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : جاءنا مالك بن الحويرث ، فصلى بنا في مسجدنا هذا ، فقال : إني لأصلي بكم ولا أريد الصلاة ، لكني أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي .
قال أيوب : فقلت لأبي قلابة : وكيف كانت صلاته ؟ قال : مثل صلاة شيخنا هذا - يعني : عمرو بن سلمة .
قال أيوب : وكان ذلك الشيخ يتم التكبير ، وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ، ثم قام
.

هذه الرواية ليست صريحة في رفع الاعتماد على الأرض بخصوصه ؛ لأن فيها أن صلاة عمرو بن سلمة مثل صلاة مالك بن الحويرث ، وصلاة مالك مثل صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس ذلك تصريحا برفع جميع حركات الصلاة ، فإن المماثلة تطلق كثيرا ولا يراد بها التماثل من كل وجه ، بل يكتفى فيها بالمماثلة من بعض الوجوه ، أو أكثرها .
لكن رواية الثقفي ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة بنحوه ، وقال فيه : كان مالك إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأولى ، فاستوى قاعدا قام واعتمد على الأرض .
خرجه النسائي وغيره .
وقد اختلف العلماء في القائم إلى الركعة الثانية من صلاة : كيف يقوم ؟ [5/146] فقالت طائفة : يعتمد بيديه على الأرض ، كما في حديث مالك بن الحويرث هذا .
وروي عن عطاء ، وقال : يتواضع لله عز وجل .
وهو من رواية ابن لهيعة ، عنه .
وهو قول مالك والشافعي وإسحاق .
وروي عن أحمد ، أنه كان يفعله ، وتأوله القاضي أبو يعلى وغيره على أنه فعله لعجز وكبر .
وقد روي عن كثير من السلف ، أنه يعتمد على يديه في القيام إلى الركعة الثانية ، منهم : عمر وعبادة بن نسي وعمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري - وقال : هو سنة الصلاة - وهو قول الأوزاعي وغيره ، ورخص فيه قتادة .
وقالت طائفة : ينهض على صدور قدميه ، ولا يعتمد على يديه ، بل يضعهما على ركبتيه ، صح ذلك عن ابن مسعود ، وروي عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ، وأنه قال : هو من سنة الصلاة ، وعن ابن عمر - أيضا - وابن عباس وأبي سعيد الخدري وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة وأحمد .
وحكى ابن المنذر عن أحمد الاعتماد على يديه ، وهو خلاف مذهبه المعروف عنه .
والأكثرون على أنه لا تلازم بين الجلسة والاعتماد ، فقد كان من السلف من [5/147] يعتمد ولا يجلس للاستراحة ، منهم : عبادة بن نسي ، وحكاه عن أبي ريحانة الصحابي .
وهذا مذهب أصحاب الشافعي وأحمد ؛ فإن أصحاب الشافعي قالوا : يعتمد ، سواء قلنا : يجلس للاستراحة أو قلنا لا يجلس . وقال أصحاب أحمد : لا يعتمد ، سواء قلنا : يجلس ، أو قلنا : لا يجلس ، وحملوا حديث مالك بن الحويرث على أنه فعل الاعتماد لحاجته إليه ؛ لضعف أو كبر ونحو ذلك .
ولا يبعد إذا قلنا : إن جلسة الاستراحة فعلها تشريعا للأمة ، أن يكون الاعتماد فعله كذلك .
وكلام أحمد في رواية ابنه عبد الله وغيره من أصحابه يدل على تلازم الجلسة والاعتماد ، فيحتمل أن يقال : إن قلنا : يجلس للاستراحة اعتمد على الأرض ، لا سيما إن فعل ذلك لعجز أو كبر ، وإن نهض من غير جلوس نهض على صدور قدميه ، معتمدا على ركبتيه .
ويدل على ذلك : أن أحمد استدل على النهوض على صدور القدمين بحديث رفاعة بن رافع وحديث أبي حميد المتقدمين ، وفيهما : ذكر القيام بعد السجدتين ، من غير ذكر النهوض على صدور القدمين ، فدل على أنه يرى تلازم الأمرين ، وأنه يلزم من ترك جلسة الاستراحة النهوض على صدور القدمين .
وقد روى الهيثم ، عن عطية بن قيس بن ثعلبة ، عن الأزرق بن قيس ، [5/148] قال : رأيت ابن عمر وهو يعجن في الصلاة يعتمد على يديه إذا قام ، فقلت : ما هذا ؟ قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجن في الصلاة - يعني : يعتمد .
خرجه الطبراني في " أوسطه " .
والهيثم هذا غير معروف .
وقال بعضهم : العاجن ، هو الشيخ الكبير الذي يعتمد إذا قام ببطن يديه ، ليس هو عاجن العجين .
وفي النهوض على صدور القدمين أحاديث مرفوعة ، أسانيدها ليست قوية ، أجودها : حديث مرسل ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه .
وقد خرجه أبو داود بالشك في وصله وإرساله .
والصحيح : إرساله جزما
. والله سبحانه وتعالى أعلم .