الحديث الثاني :
828 - ثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث ، عن خالد ، عن سعيد ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء - ح .
وثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، أنه كان جالسا في نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرنا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو حميد الساعدي : أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه ، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ، ثم هصر ظهره ، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه ، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما ، واستقبل بأطراف رجليه القبلة ، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى ، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى ، وقعد على مقعدته .
[5/155] وسمع الليث يزيد بن أبي حبيب ، ويزيد من محمد بن حلحلة ، وابن حلحلة من ابن عطاء .
وقال أبو صالح ، عن الليث : كل فقار .
وقال ابن المبارك ، عن يحيى بن أيوب ، حدثني يزيد بن أبي حبيب ، أن محمد بن عمرو بن حلحلة حدثه : كل فقار
.

مقصود البخاري بما ذكره : اتصال إسناد هذا الحديث ، وأن الليث سمع من يزيد بن أبي حبيب ، وأن يزيد سمع من محمد بن عمرو بن حلحلة ، وأن ابن حلحلة سمع من محمد بن عمرو بن عطاء .
وفي رواية يحيى بن أيوب التي علقها : التصريح بسماع يزيد من محمد بن عمرو بن حلحلة .
وأما سماع محمد بن عطاء من أبي حميد والنفر من الصحابة الذين معه ، ففي هذه الرواية أنه كان جالسا معهم ، وهذا تصريح بالسماع من أبي حميد .
وقد صرح البخاري في تاريخه بسماع محمد بن عمرو بن عطاء من أبي حميد كذلك .
وقد روى هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر : حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال : سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم : أبو قتادة بن ربعي - فذكر الحديث ، وفي آخره : قالوا : صدقت ، هكذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .
[5/156] وقال الترمذي : حسن صحيح .
وسماع محمد بن عمرو بن عطاء من أبي قتادة قد أثبته البخاري والبيهقي ، ورد على الطحاوي في إنكاره له وبين ذلك بيانا شافيا
.
وأنكر آخرون سماع محمد بن عمرو بن عطاء لهذا الحديث من أبي حميد - أيضا - وقالوا : بينهما رجل ، وممن قال ذلك : أبو حاتم الرازي والطحاوي وغيرهما . ولعل مسلما لم يخرج في صحيحه الحديث لذلك .
واستدلوا لذلك بأن عطاف بن خالد روى هذا الحديث عن محمد بن عمرو بن عطاء ، حدثنا رجل ، أنه وجد عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - جلوسا ، فذكر الحديث .
وروى الحسن بن الحر الحديث بطوله ، عن عبد الله بن عيسى بن مالك ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن عباس - أو عياش - بن سهل الساعدي ، أنه كان في مجلس فيهم أبوه ، وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي المجلس أبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدي - فذكر الحديث .
خرجه أبو داود مختصرا .
وخرجه - أيضا - مختصرا من رواية بقية بن الوليد : حدثني عتبة بن أبي حكيم ، حدثني عبد الله بن عيسى ، عن العباس بن سهل ، عن أبي حميد الساعدي ، فذكره .
[5/157] وكذلك رواه إسماعيل بن عياش عن عتبة أيضا .
خرجه من طريقه بقي بن مخلد في مسنده .
وقال إسماعيل : عن عتبة عن عيسى بن عبد الله ، وهو أصح .
ورواه ابن المبارك ، عن عتبة ، عن عباس بغير واسطة .
وخرجه أبو داود - أيضا - من رواية فليح بن سليمان : حدثني عباس بن سهل ، قال : اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة ، فذكروا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو حميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث .
وخرج بعضه ابن ماجه والترمذي وصححه .

قال أبو داود : ورواه ابن المبارك : أخبرنا فليح ، قال : سمعت عباس بن سهل يحدث ، فلم أحفظه ، فحدثنيه أراه عيسى بن عبد الله ، أنه سمعه من عباس بن سهل قال : حضرت أبا حميد الساعدي ، فذكره .
وخرجه الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق : حدثني عباس بن سهل بن سعد ، قال : جلست بسوق المدينة الضحى مع أبي أسيد وأبي حميد وأبي قتادة ، فذكر الحديث .
قال أبو حاتم الرازي : هذا الحديث إنما يعرف من رواية عباس بن سهل ، وهو صحيح من حديثه ؛ كذا رواه فليح وغيره .
فيتوجه أن يكون محمد بن عمرو إنما أخذه عن عباس فتصير رواية [5/158] عبد الحميد بن جعفر مرسلة ، وكذا رواية ابن حلحلة التي خرجها البخاري هاهنا .
ويجاب عن ذلك : بأن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي قد روى هذا الحديث عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه سمع أبا حميد يحدثه ، فكيف يعارض ذلك برواية عطاف بن خالد ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، وعطاف لا يقاوم ابن حلحلة ولا يقاربه .
وقد تابع ابن حلحلة على ذكر سماع ابن عمرو له من أبي حميد : عبد الحميد بن جعفر ، وهو ثقة جليل مقدم على عطاف وأمثاله .
وأما رواية عيسى بن عبد الله عن محمد بن عمرو ، فعيسى ليس بذلك المشهور فلا يقضى بروايته على رواية الثقات الأثبات ؛ فإن رواية عيسى كثيرة الاضطراب ، والأكثرون رووه عن عيسى ، عن عباس بغير واسطة منهم : عتبة بن أبي حكيم وفليح بن سليمان .
واختلف فيه عن الحسن بن الحر :
فروي عنه ، عن عيسى بن عبد الله ، عن محمد بن عمرو بن عطاء : أخبرني مالك عن عباس - أو عياش - بن سهل أنه كان في مجلس فيه أبوه .
ففي هذه الرواية بين محمد بن عمرو وبين أبي حميد رجلان .
وقد خرجه البيهقي كذلك ، ثم قال : روي - أيضا - عن الحسن بن الحر ، عن عيسى ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، حدثني مالك ، عن عباس .
وقوله : عباس أو عياش يدل على عدم ضبطه لهذا الاسم ، وإنما هو عباس بغير شك .
[5/159] وفي حديث الحسن بن الحر وهم في هذا الحديث ، وهو أنه ذكر أنه تورك في جلوسه بين السجدتين دون التشهد ، وهذا مما لا شك أنه خطأ ، فتبين أنه لم يحفظ متن هذا الحديث ولا إسناده .
والصحيح في اسم هذا الرجل أنه عيسى بن عبد الله بن مالك الدار ، وجده مولى عمر بن الخطاب .
ومن قال فيه : عبد الله بن عيسى - كما وقع في روايتين لأبي داود - فقد وهم .
وزعم الطبراني أنه : عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وهو وهم - أيضا - وإنما هو : عيسى بن عبد الله بن مالك الدار - قاله البخاري في تاريخه وأبو حاتم الرازي وغيرهما من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين .
وقال ابن المديني فيه : هو مجهول ، وحينئذ فلا يعتمد على روايته مع كثرة اضطرابها ، وتعلل بها روايات الحفاظ الأثبات .
فظهر بهذا : أن أصح روايات هذا الحديث : رواية ابن حلحلة ، عن محمد بن عمرو التي اعتمد عليها البخاري ، ورواية عبد الحميد المتابعة لها ، ورواية فليح وغيره ، عن عباس بن سهل ، مع أن فليحا ذكر أنه سمعه من عباس ولم يحفظه عنه ، إنما حفظه عن عيسى عنه
.
وأما ما تضمنه حديث أبي حميد من الفقه في أحكام الصلاة ، فقد سبق ذكر عامة ما فيه من الفوائد مفرقا في مواضع متعددة ، وبقي ذكر صفة جلوسه للتشهد ، وهو مقصود البخاري في هذا الباب .
وقد دل الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس في التشهد الأول مفترشا ، وفي التشهد الثاني متوركا .
[5/160] خرجه أبو داود من رواية ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب بإسناده ، ولفظه : فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى ، فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض ، وأخرج قدميه من ناحية واحدة .
ولم يذكر أحد من رواة حديث أبي حميد التشهدين في حديثه سوى ابن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، وقد ذكر غيره من الرواة التشهد الأول خاصة وبعضهم ذكر الأخير خاصة .
ففي رواية فليح ، عن عباس بن سهل ، عن أبي حميد ، فذكر الحديث ، وفيه : ثم جلس فافترش رجله اليسرى ، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته ، ووضع كفه اليمن على ركبته اليمنى ، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى ، وأشار بإصبعه .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه
.
ورواه - أيضا - عتبة بن أبي حكيم ، عن عيسى ، أو ابن عيسى ، عن العباس - بمعناه - أيضا .
ففي هذه الرواية : ذكر التشهد الأول خاصة .
وأما ذكر التشهد الأخير ، ففي رواية عبد الحميد بن جعفر ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي حميد ، فذكر الحديث وفيه : حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجله اليسرى ، وقعد متوركا على شقه الأيسر .
[5/161] خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه ، وصححه الترمذي .

وقد خرجه الجوزجاني في كتابه المترجم ، عن أبي عاصم ، عن [. . . أنه كان في] الثنتين يثني رجله اليسرى فيقعد عليها معتدلا حتى يقر كل عظم منه موضعه ، ثم ذكر توركه في تشهده الأخير ، وهذه زيادة غريبة .
وقد خرج أبو داود وابن ماجه الحديث من رواية أبي عاصم ، وخرجه الإمام أحمد ، عن أبي عاصم ، ولم يذكروا صفة جلوسه في الركعتين ، إنما ذكروا ذلك في جلوسه بين السجدتين .
وفي حديث عبد الحميد : زيادة ذكر رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول ، وكذلك في حديث عتبة بن أبي حكيم أيضا .
وقد أخذ بهذا الحديث في التفريق بين الجلوس في التشهد الأول والآخر في الصلاة فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد وإسحاق . ثم اختلفوا : فقال الشافعي : يتورك في التشهد الذي يعقبه السلام بكل حال سواء [5/162] كانت الصلاة فيها تشهد واحد أو تشهدان ؛ لأن التشهد الذي يسلم فيه يطول بالدعاء فيه فيتورك فيه ؛ لأن التورك أهون من الافتراش .
وقال أحمد وإسحاق : إن كان فيها تشهدان تورك في الأخير منهما ، وإن كان فيها تشهد واحد لم يتورك فيه ، بل افترش .
فيكون التورك للفرق بين التشهدين ، ويكون فيه فائدتان : نفي السهو عن المصلي ، ومعرفة الداخل معه في التشهد : هل هو في الأول أو الثاني .
واتفقوا - أعني : هؤلاء الثلاثة - على أنه يفرش في التشهد الأول الذي لا يسلم فيه .
وقد خرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث وائل بن حجر أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، فلما جلس افترش . لكن اختلفت ألفاظ الروايات فيه :
ففي رواية الترمذي : " يعني للتشهد " وهذا تفسير من بعض الرواة .
وفي رواية للإمام أحمد : أن ذلك كان في جلوسه بين السجدتين .
وفي رواية للنسائي : أنه كان يفعل ذلك إذا جلس في الركعتين .
وهذه الرواية ، إنما تدل على افتراشه في جلوسه بعد الركعتين ، وأحمد وإسحاق يقولان بذلك .
وفي " صحيح مسلم " ، عن عائشة قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في كل ركعتين التحية ، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى .
[5/163] وهو محمول على صلاة الركعتين ، بدلالة سياق أول الكلام .
وخرج أبو داود من حديث رفاعة بن رافع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمسيء في صلاته : " إذا قعدت فاقعد على فخذك اليسرى " .
وفي رواية أخرى له - أيضا - : " فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى ، ثم تشهد " .
وهذه الرواية تدل على أنه إنما أمره بالافتراش في التشهد الأول خاصة .
وفي " المسند " من طريق ابن إسحاق : حدثني عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، قال : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها . فكنا نحفظ عن ابن مسعود ، حين أخبرنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه إياه ، فكان يقول : إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليسرى : " التحيات لله " إلى آخر التشهد .
والظاهر : أن قوله : " على وركه " يعود إلى قوله : " وفي آخرها " خاصة .
وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يفترش في جميع التشهدات ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والحسن بن صالح وابن المبارك ، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم .
وقال طائفة : يتورك في جميعها ، وهو قول مالك ، وكذا قال في الجلوس بين السجدتين .
[5/164] وجميع من سبق ذكره العلماء قالوا : أنه يفترش فيه .
وفي " صحيح مسلم " ، عن ابن الزبير ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ، وفرش قدمه اليمنى .
وقد فسره بالتورك حرب الكرماني وغيره .
وقد روي التورك في الجلوس في الصلاة عن ابن عمر ، ذكره مالك في الموطأ ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، أنه أراهم الجلوس في التشهد ، فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى ، وجلس على وركه الأيسر ، ولم يجلس على قدمه ، ثم قال : أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر ، وأخبرني أن أباه كان يفعل ذلك .
وخرجه أبو داود من طريقه .
وقال ابن جرير الطبري : كل ذلك جائز ؛ لأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيخير المصلي بينه ، فيفعل منه ما شاء . ومال إلى قوله ابن عبد البر .
وقد نص أحمد في رواية الأثرم على جواز التورك في التشهد الذي يسلم فيه من ركعتين ، مع قوله : إن الافتراش فيه أفضل .
وقد روي النهي عن التورك في الصلاة ، ولا يثبت ، وفيه حديثان :
أحدهما : من رواية يحيى بن إسحاق ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، [5/165] عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التورك والإقعاء في الصلاة .
خرجه أبو داود في " كتاب التفرد " . وقال : هذا الحديث ليس بالمعروف .
وخرجه البزار في " مسنده " . وقال : لا يروى عن أنس إلا من هذا الوجه ، وأظن يحيى أخطأ فيه .
وقال أبو بكر البرديجي في " كتاب معرفة أصول الحديث " له : هذا حديث لا يثبت ؛ لأن أصحاب حماد لم يجاوزوا به قتادة .
كأنه يشير إلى أن يحيى أخطأ في وصله بذكر أنس ، وإنما هو مرسل
.
وثانيهما : من رواية سعيد بن بشير ، عن الحسن ، عن سمرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التورك والإقعاء ، وأن لا نستوفز في صلاتنا .
خرجه البزار .
وقال : سعيد بن بشير ، لا يحتج به .
وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نعتدل في الجلوس ، وأن لا نستوفز
.