|
باب الفهم في العلم
أي : هذا باب في بيان الفهم في العلم ، قال الكرماني : قال الجوهري فهمت الشيء أي علمته ، فالفهم والعلم بمعنى واحد ، فكيف يصح أن يقال " الفهم في العلم " ؟ ثم أجاب بقوله : المراد من العلم المعلوم ، فكأنه قال باب إدراك المعلومات . قلت : تفسير الفهم بالعلم غير صحيح ؛ لأن العلم عبارة عن الإدراك الكلي والفهم جودة الذهن ، والذهن قوة تقتنص الصور والمعاني وتشمل الإدراكات العقلية والحسية . وقال الليث : يقال فهمت الشيء أي عقلته وعرفته ، ويقال فهم وفهم بتسكين الهاء وفتحها ، وهذا قد فسر الفهم بالمعرفة وهو غير العلم . فإن قلت : ما وجه المناسبة بين البابين ؟ قلت : من حيث إن الفهم في العلم داخل في قوله عليه الصلاة والسلام " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " ، وقد مر أن الفقه هو الفهم ؛ فافهم ! 14 - حدثنا علي ، حدثنا سفيان قال : قال لي ابن أبي نجيح : عن مجاهد قال : صحبت ابن عمر إلى المدينة ، فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثا واحدا ؛ قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتي بجمار ، فقال : إن من الشجر شجرة مَثلها كمثل المسلم ! فأردت أن أقول هي النخلة ، فإذا أنا أصغر القوم ، فسكت ! قال النبي صلى الله عليه وسلم : هي النخلة .
مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن قول النبي صلى الله عليه وسلم " إن من الشجر ... " الحديث - كان على سبيل الاستعلام منهم ، [2/53] وأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فهم ذلك العلم ولكنه منعه عن الإبداء حياؤه وصغره . بيان رجاله : وهم خمسة ؛ الأول : علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح - بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء المهملة - السعدي مولاهم ، أبو الحسن المديني الإمام المبرز في هذا الشأن . وقال البخاري : ما استصغرت نفسي عند أحد قط إلا عند ابن المديني . وقال : علي خير من عشرة آلاف مثل الشاذكوني . وقال عبد الرحمن : علي أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خاصة . وقال السمعاني وغيره : كان أعلم أهل زمانه بحديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . وعنه قال : تركت من حديثي مائة ألف حديث ، منها ثلاثون ألفا لعباد بن صهيب . وقال الأعين : رأيت علي بن المديني مستلقيا وأحمد بن حنبل عن يمينه ويحيى بن معين عن يساره ، وهو يملي عليهما . روى عنه أحمد وإسماعيل القاضي والذهلي وأبو حاتم والبخاري وغيرهم ، وروى أبو داود والترمذي عن رجل عنه ، ولم يخرج له مسلم شيئا ، أخرج البخاري عنه عن ابن عيينة وابن علية وعن القطان ومروان بن معاوية وغيرهم ، ولد سنة إحدى وستين ومائة بسامرا ، وقال البخاري : مات بالعسكر لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائتين . الثاني : سفيان بن عيينة ، وقد تقدم . الثالث : عبد الله بن يسار ، وكنية يسار أبو نجيح مولى الأخنس بن شريق ، قال يحيى القطان : كان قدريا . وقال أبو زرعة : مكي ثقة ، يقال فيه يرى القدر ، صالح الحديث . وقال علي : سمعت يحيى يقول : ابن أبي نجيح من رؤساء الدعاة . أخرج البخاري في العلم والجنائز وفي غير موضع عن شعبة والثوري وابن عيينة وإبراهيم بن نافع وابن علية عنه عن عطاء ومجاهد وعبد الله بن كثير ، وعن أبيه عن مسلم ، ولم يخرج البخاري لأبيه شيئا ، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة . الرابع : مجاهد بن جبر - بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة ، وقيل جبير - أبو الحجاج المخزومي ، مولى عبد الله بن السائب ، من الطبقة الثانية من تابعي أهل مكة وفقهائها ، إمام متفق على جلالته وإمامته وتوثيقه ، وهو إمام في الفقه والتفسير والحديث ، روى عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة ، وأخرج له البخاري في باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم - عن الحسن بن عمر وعنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا : من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة . وهو مرسل كما قال الدارقطني ؛ مجاهد لم يسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص ، وإنما سمعه من جنادة بن أبي أمية عن ابن عمرو ، وكذلك رواه مروان عن الحسن بن عمرو عنه ، وأنكر شعبة وابن أبي حاتم سماعه من عائشة ، وكذا ابن معين ، لكن حديثه عنها في الصحيحين . وقال مجاهد : قال لي ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : وددت أن نافعا يحفظ كحفظك ! وقال يحيى القطان : مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء . وقال مجاهد : عرضت القرآن على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ثلاثين مرة . مات سنة مائة ، وقيل اثنتين ، وقيل ثلاث ، وقيل أربع - عن ثلاث وثمانين سنة ، وقد رأى هاروت وماروت وكاد يتلف ، وليس في الكتب الستة مجاهد بن جبر غير هذا ، وفي مسلم والأربعة مجاهد بن موسى الخوارزمي شيخ ابن عيينة ، وفي الأربعة مجاهد بن وردان عن عروة . الخامس : عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما . بيان الأنساب : السعدي في قبائل ؛ ففي قيس غيلان سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس غيلان ، وفي كنانة سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناف ، وفي أسد بن خزيمة سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد ، وفي مراد سعد بن غطيف بن عبد الله بن ناجية بن مراد ، وفي طَيِّئٍ سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيئ ، وفي تميم سعد بن زيد مناة بن تميم ، وفي خولان قضاعة سعد بن خولان ، وفي جذام سعد بن إياس بن حرام بن حزام ، وفي خثعم سعد بن مالك المديني بإثبات الياء آخر الحروف نسبة إلى المدينة وكان أصله من المدينة ونزل البصرة . وقال السمعاني : والأصل فيمن ينسب إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال فيه مدني بحذف الياء ، وإلى غيرها بإثبات الياء ، واستثنوا هذه فقالوا : المديني - بإثبات الياء . المخزومي نسبة إلى مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ، وهو في قريش ، وفي عبس أيضا مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ، ومنها أن رواته ما بين بصري ومكي وكوفي ، ومنها أن فيه سفيان قال " قال لي ابن أبي نجيح " ولم يقل حدثني ، وفي مسند الحميدي عن سفيان " حدثني ابن أبي نجيح " . وقال الكرماني : روى عن [2/54] مجاهد معنعنا وعن ابن أبي نجيح بلفظ " قال " ، والبخاري لا يذكر المعنعن إلا إذا ثبت السماع ، ولا يكتفي بمجرد إمكان السماع كما اكتفى به مسلم ، فالمعنعن إذا لم يكن من المدلس كان أعلى درجة من " قال " ؛ لأن " قال " إنما تذكر عند المجاورة لا على سبيل النقل والتحميل ، ثم في لفظة " لي " إشارة إلى أنه جاور معه وحده . وقال البخاري : كلما قلت قال لي فلان فهو عرض ومناولة - فما روَى عن سفيان يحتمل أن يكون عرضا لسفيان أيضا . وبقية ما فيه من الكلام من تعدد موضعه ومن أخرجه ولغاته وإعرابه ومعانيه قد مرت في أوائل كتاب العلم . قوله " صحبت ابن عمر رضي الله عنهما إلى المدينة " ، اللام فيها للعهد ؛ أي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر مبتدأ الصحبة ، قال الكرماني : والظاهر أنه من مكة ، وفيه الدلالة على أن ابن عمر كان متوقيا للحديث ، وقد كان علم قول أبيه : أقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قاله ابن بطال . وقال الشيخ قطب الدين : قد يكون تركه لغير هذا الوجه إما لعدم نشاط الاشتغال بمؤنة السفر وتعبه أو لعدم السؤال . قلت : يمكن التوفيق بينهما بأنه كان يتوقى الحديث ما لم يسأل ، فإذا سئل أجاب وأكثر الجواب عند كثرة السؤال ؛ فإنه كان من المكثرين في الحديث . قوله " يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " حال عن الضمير المنصوب في " لم أسمعه " . قوله " إلا حديثا " أراد به الحديث الذي بعده متصلا به . قوله " فأتي " بضم الهمزة . قوله " بجمار " بضم الجيم وتشديد الميم ، وهو شحم النخيل ، وهو الذي يؤكل منه ، وفي العباب : ويقال له الجامور أيضا . قوله " مثلها " بفتح الميم ؛ أي صفتها العجيبة ، والمثل وإن كان بحسب اللغة الصفة لكن لا تستعمل إلا عند الصفة العجيبة . قوله " فأردت أن أقول " ؛ أي في جواب الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قال " حدثوني ما هي " كما علم من سائر الروايات . قوله " فسكت " بضم التاء على صيغة المتكلم ، وسكوته كان استحياء وتعظيما للأكابر .
|