[5/204] 152 - باب التسليم
837 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا إبراهيم بن سعد ، ثنا الزهري ، عن هند بنت الحارث ، أن أم سلمة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه ، ومكث يسيرا قبل أن يقوم .
قال ابن شهاب : فأرى - والله أعلم - أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم
.

المقصود من هذا الحديث : ذكر تسليم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة ، وتسليمه من الصلاة مذكور في أحاديث كثيرة جدا ، قد سبق بعضها ، ويأتي بعضها ، كمثل حديث ابن بحينة في قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - من الثنتين ولم يجلس ، ومثل حديث عمران بن حصين حين صلى خلف علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - ومثل حديث أبي هريرة في سلام النبي - صلى الله عليه وسلم - من اثنتين ، وكلام ذي اليدين له ، وحديث ابن مسعود في سجود السهو - أيضا .
والأحاديث في ذلك كثيرة جدا .
ولعله ذكر هاهنا هذا الحديث لما ذكر فيه من قيام النساء حين يقضي تسليمه ؛ فإن هذا الكلام يشعر بأنه كان يسلم تسليمتين ، فإذا قضاهما قام النساء ، فإنه لا يقال : " قضى ذلك " بمعنى الفراغ منه إلا فيما له أجزاء متعددة [5/205] تنقضي شيئا فشيئا ، كما قال تعالى : فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ ، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ، فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشيطان وهربه من الأذان والتثويب به : " فإذا قضي الأذان - وإذا قضي التثويب - أقبل " .
ولا يكاد يقال لمن سلم على قوم مرة : قضى سلامه ، بمعنى فرغ ، ولا لمن كبر للإحرام : قضى تكبيره ، ولا لمن عطس فحمد الله : قضى حمده .
ولم يخرج البخاري الأحاديث المصرحة بتسليم النبي - صلى الله عليه وسلم - تسليمتين عن يمينه وشماله في الصلاة شيئا ، ولعله كان يميل إلى قول من يقول بالتسليمة الواحدة ، وقد كان شيخه ابن المديني يميل إلى ذلك ، متابعة لشيوخه البصريين .
وخرج مسلم في " صحيحه " من أحاديث التسليمتين عدة أحاديث :
منها : حديث مجاهد ، عن أبي معمر ، أن أميرا كان يسلم تسليمتين بمكة ، فقال - يعني : ابن مسعود - : أنى علقها ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله .
وقد اختلف في رفعه ووقفه ، وخرجه مسلم بالوجهين .
وخرج - أيضا - من حديث سعد بن أبي وقاص ، قال : كنت أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم عن يمينه وعن يساره ، حتى أرى بياض خده .
وهو من رواية عبد الله بن جعفر المخرمي ، ولم يخرج له البخاري .
وخرج - أيضا - من حديث عبيد الله بن القبطية ، عن جابر بن سمرة ، [5/206] عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله " .
وروى أبو إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم عن يمينه وعن يساره : " السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله " .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .
وفي رواية لهم : حتى يرى بياض خده .
وخرجه الترمذي بدون ذلك ، وصححه .
وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما " والحاكم وصححه .
وصححه العقيلي ، وقال : الأحاديث صحاح ثابتة من حديث ابن مسعود في تسليمتين .
وفي رواية للنسائي : ورأيت أبا بكر وعمر يفعلان ذلك .
قد اختلف في إسناده على أبي إسحاق على أقوال كثيرة ، وفي رفعه ووقفه ، وكان شعبة ينكر أن يكون مرفوعا
.
وروى عمرو بن يحيى المازني ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع بن حبان ، أنه سأل ابن عمر ، عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - : كيف كانت ؟ قال : " الله أكبر " ، كلما وضع ورفع ، ثم يقول : " السلام عليكم ورحمة الله " عن يمينه ، " السلام عليكم ورحمة الله " عن يساره .
[5/207] خرجه الإمام أحمد والنسائي .
وهذا إسناد جيد .
قال ابن عبد البر : هو إسناد مدني صحيح ، إلا أنه يعلل بأن ابن عمر كان يسلم تسليمة واحدة ، فكيف يروي هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يخالفه ؟
وقد ذكر البيهقي أنه اختلف في إسناده ، لكنه رجح صحته .
ورواه - أيضا - بقية ، عن الزبيدي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر - مرفوعا - أيضا .
قال أبو حاتم : هو منكر .
وقال الدارقطني : اختلف على بقية في لفظه : روي أنه كان يسلم تسليمتين ، وروي تسليمة واحدة ، وكلها غير محفوظة .
وقال الأثرم : هو حديث واه ، وابن عمر كان يسلم واحدة ، قد عرف ذلك عنه من وجوه ، والزهري كان ينكر حديث التسليمتين ، ويقول : ما سمعنا بهذا .

وروي - أيضا - من حديث حميد الساعدي ، أنه لما وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم عن يمينه وشماله .
[5/208] خرجه أبو داود من رواية الحسن بن الحر : حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن عباس بن سهل ، عنه .
وقد سبق الكلام على هذا الإسناد .
وفي الباب أحاديث كثيرة ، لا تخلو أسانيد غالبها من كلام .
وقد قال الإمام أحمد - في رواية ابنه عبد الله - : ثبت عندنا ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه ، أنه كان يسلم عن يمينه وعن شماله ، حتى يرى بياض خده .
وقال العقيلي : الأحاديث الصحاح ، عن ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وغيرهما في تسليمتين .
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسلم تسليمة واحدة من وجوه لا يصح منها شيء - : قاله ابن المديني والأثرم والعقيلي وغيرهم .
وقال الإمام أحمد : لا نعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التسليمة الواحدة إلا حديثا مرسلا لابن شهاب الزهري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . انتهى .
ومراسيل ابن شهاب من أوهى المراسيل وأضعفها .
ومن أشهرها : حديث زهير بن محمد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه ، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئا .
خرجه الترمذي من رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي ، عن زهير ، به .
[5/209] وقال : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه . قال محمد بن إسماعيل : زهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير ، ورواية أهل العراق عنه أشبه .
وخرجه ابن ماجه من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني ، عن زهير ، به ، مختصرا .
وخرجه الحاكم ، وقال : صحيح على شرطهما .
وأخطأ فيما قال ؛ فإن روايات الشاميين ، عن زهير مناكير عند أحمد ويحيى بن معين والبخاري وغيرهم .
قال أحمد - في رواية الأثرم - : أحاديث التنيسي ، عن زهير بواطيل . قال : وأظنه قال : موضوعة . قال : فذكرت له هذا الحديث في التسليمة الواحدة . فقال : مثل هذا .
وذكر ابن عبد البر : أن يحيى بن معين سئل عن هذا الحديث ، فضعفه .
وقال أبو حاتم الرازي : هو منكر ، إنما هو عن عائشة - موقوف .
وكذا رواه وهيب بن خالد ، عن هشام .
وكذا رواه الوليد بن مسلم ، عن زهير بن محمد ، عن هشام ، عن أبيه - موقوفا .
قال الوليد : فقلت لزهير : فهل بلغك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه شيء ؟ قال : نعم ، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلم تسليمة واحدة .
قال العقيلي : حديث الوليد أولى .
يعني : من حديث عمرو بن أبي سلمة .
[5/210] قال : وعمرو في حديثه وهم .
قال الدارقطني : الصحيح وقفه ، ومن رفعه فقد وهم
.
وخرج النسائي من حديث سعد بن هشام ، عن عائشة في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل ، أنه كان يسلم تسليمة يسمعنا .
وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : يسلم تسليمة واحدة : " السلام عليكم " يرفع بها صوته ، حتى يوقظنا .
وقد حمله الإمام أحمد على أنه كان يجهر بالواحدة ، ويسر الثانية .
وروى عبد الوهاب الثقفي ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم تسليمة واحدة .
خرجه الطبراني والبيهقي .
ورفعه خطأ ، إنما هو موقوف ، كذا رواه أصحاب حميد ، عنه ، عن أنس ، من فعله
.
وروى جرير بن حازم ، عن أيوب ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة .
خرجه البزار في " مسنده " .
وأيوب ، رأى أنسا ، ولم يسمع منه - : قاله أبو حاتم .
وقال الأثرم : هذا حديث مرسل ، وهو منكر ، وسمعت أبا عبد الله يقول : جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب
.
وروى روح بن عطاء بن أبي ميمونة ، ثنا أبي ، عن الحسن ، عن سمرة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم في الصلاة تسليمة واحدة قبالة وجهه ، فإذا سلم عن [5/211] يمينه سلم عن يساره .
خرجه الدارقطني والعقيلي والبيهقي وغيرهم ، وخرجه بقي بن مخلد مختصرا .
وروح هذا ، ضعفه ابن معين وغيره ، وقال الأثرم : لا يحتج به
.
وفي الباب أحاديث أخر لا تقوم بها حجة ، لضعف أسانيدها .
وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك : فمنهم من كان يسلم ثنتين ، ومنهم من كان يسلم واحدة .
قال عمار بن أبي عمار : كان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين ، ومسجد المهاجرين يسلمون تسليمة واحدة .
وأكثر أهل العلم على التسليمتين .
وممن روي عنه ذلك من الصحابة : أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعمار وسهل بن سعد ونافع بن عبد الحارث .
وروي عن عطاء والشعبي وعلقمة ومسروق وعبد الرحمن بن [5/212] أبي ليلى وعمرو بن ميمون وأبي وائل وأبي عبد الرحمن السلمي .
وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور ، وحكي عن الأوزاعي .
وروي التسليمة الواحدة عن ابن عمر وأنس وعائشة وسلمة بن الأكوع ، وروي عن عثمان وعلي - أيضا - وعن الحسن وابن سيرين وعطاء - أيضا - وعمر بن عبد العزيز والزهري ، وهو قول مالك والأوزاعي والليث .
وهو قول قديم للشافعي .
وحكاه أحمد عن أهل المدينة ، وقال : ما كانوا يسلمون إلا واحدة . قال : وإنما حدثت التسليمتان في زمن بني هاشم .
يعني : في ولاية بني العباس .
[5/213] وقال الليث : أدركت الناس يسلمون تسليمة واحدة .
وقد اختلف على كثير من السلف في ذلك ، فروي عنهم التسليمتان ، وروي عنهم التسليمة الواحدة ، وهو دليل على أن ذلك كان عندهم سائغا ، وإن كان بعضه أفضل من بعض ، وكان الأغلب على أهل المدينة التسليمة الواحدة ، وعلى أهل العراق التسليمتان .
وحكي للشافعي قول ثالث قديم - أيضا - وقيل : إن الربيع نقله عنه ، فيكون حينئذ جديدا - : أنه إن كان المصلي منفردا أو في جماعة قليلة ولا لغط عندهم فتسليمة واحدة ، وإلا فتسليمتان .
والقائلون بالتسليمتين أكثرهم على أنه لو اقتصر على تسليمة واحدة أجزأه ، وصحت صلاته ، وذكره ابن المنذر إجماعا ممن يحفظ عنه من أهل العلم .
وذهب طائفة منهم إلى أنه لا يخرج من الصلاة إلا بالتسليمتين معا ، وهو قول الحسن بن حي وأحمد - في رواية عنه - وبعض المالكية وبعض أهل الظاهر .
واستدلوا بقوله عليه السلام : " تحليلها التسليم " ، وقالوا : التسليم إلى [5/214] ما عهد منه فعله ، وهو التسليمتان ، وبقوله : " صلوا كما رأيتموني أصلي " ، وقد كان يسلم تسليمتين .
ومن ذهب إلى قول الجمهور ، قال : التسليم مصدر ، والمصدر يصدق على القليل والكثير ، ولا يقتضي عددا ، فيدخل فيه التسليمة الواحدة .
واستدلوا بأن الصحابة قد كان منهم من يسلم تسليمتين ، ومنهم من يسلم تسليمة واحدة ، ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء ، بل قد روي عن جماعة منهم التسليمتان والتسليمة الواحدة ، فدل على أنهم كانوا يفعلون أحيانا هذا وأحيانا هذا ، وهذا إجماع منهم على أن الواحدة تكفي .
قال أكثر أصحابنا : ومحل الخلاف ، عن أحمد في الصلاة المكتوبة ، فأما التطوع فيجزئ فيه تسليمة ، واستدلوا بحديث عائشة في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل ، وقد سبق ذكره .
وخرج الإمام أحمد من حديث إبراهيم الصائغ ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها .
وقد تأول حديث عائشة في هذا المعنى على أنه كان يسمعهم واحدة ويخفي الثانية ، وقد نص أحمد على ذلك ، وأن الأولى تكون أرفع من الثانية في الجهر .
وقد روى أبو رزين ، قال : سمعت عليا يسلم في الصلاة عن يمينه وعن شماله ، والتي عن شماله أخفض .
ومن أصحابنا من قال : يجهر بالثانية ويخفض بالأولى ، وهو قول النخعي .
[5/215] واختلفوا في صفة التسليم :
فقالت طائفة : صفة التسليم : " السلام عليكم ورحمة الله " ، وهذا مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ، وإليه ذهب أكثر العلماء .
ولو اقتصر على قوله " السلام عليكم " أجزأه عند جمهورهم ، ولأصحاب أحمد فيه وجهان .
وقالت طائفة : يزيد مع ذلك : " وبركاته " ، ومنهم : الأسود بن يزيد ، كان يقولها في التسليمة الأولى .
وقال النخعي : أقولها وأخفيها .
واستحبه طائفة من الشافعية .
وقد خرج أبو داود من حديث وائل بن حجر ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان يسلم عن يمينه : " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " ، وعن شماله : " السلام عليكم ورحمة الله " .
ومن أصحابنا من قال : إنما فعل ذلك مرة لبيان الجواز .
وكان من السلف من يقول في التسليمة الأولى : " السلام عليكم ورحمة الله " ، ويقتصر في الثانية على " السلام عليكم " ، وروي عن عمار وغيره .
وقد تقدم حديث ابن عمر المرفوع بموافقة ذلك .
وقالت طائفة : بل يقتصر على قوله : " السلام عليكم " بكل حال ، وهو قول مالك والليث بن سعد ، وروي عن علي وغيره .
وكذلك هو في بعض روايات حديث جابر بن سمرة المرفوع .
[5/216] وفي بعضها زيادة : " ورحمة الله " .
وقد خرجه مسلم بالوجهين .
وأكثر العلماء على أنه لا يخرج من الصلاة بدون التسليم ، واستدلوا بحديث : " تحليلها التسليم " .
وممن قال من الصحابة : تحليل الصلاة التسليم : ابن مسعود وابن عباس ، وحكاه الإمام أحمد إجماعا .
وذهب طائفة إلى أنه يخرج من الصلاة بفعل كل مناف لها ، من أكل أو شرب أو كلام أو حدث ، وهو قول الحكم وحماد والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي وإسحاق .
ولم يفرقوا بين أن يوجد المنافي باختيار المصلي أو بغير اختياره إلا أبا حنيفة ، فإنه قال : إن وجد باختياره خرج من الصلاة بذلك ، وإن وجد بغير اختياره بطلت صلاته ، وجعل الفرض الخروج منها بفعل المنافي باختيار المصلي لذلك .
وخالفه صاحباه في اشتراط ذلك .
وقد حكي عن طائفة من السلف : أن من أحدث بعد تشهده تمت صلاته ، منهم : الحسن وابن سيرين وعطاء - على خلاف عنه - والنخعي .
وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ، وقد أنكر صحته أحمد وأبو حاتم [5/217] الرازي وغيرهما .
وروي - أيضا - عن ابن مسعود من طريق منقطع
.
واستدل لهؤلاء بحديث ابن مسعود : " إذا قلت هذا وقضيت هذا فقد قضيت صلاتك ، فإن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد " .
وقد سبق ذكره ، والاختلاف في رفعه ووقفه على ابن مسعود .
واختلف في لفظه - أيضا - : فرواه بعضهم ، وقال : قال ابن مسعود : فإذا فرغت من صلاتك ، فإن شئت فاثبت ، وإن شئت فانصرف .
خرجه البيهقي
.
وهذه الرواية تدل على أنه إنما خيره إذا فرغ من صلاته ، وإنما يفرغ بالتسليم ؛ بدليل ما روى شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : مفتاح الصلاة التكبير ، وانقضاؤها التسليم ، إذا سلم الإمام فقم إن شئت .
قال البيهقي : وهذا أثر صحيح .

وقال : ويكون مراد ابن مسعود : الإنكار على من زعم أن المأموم لا يقوم حتى يقوم إمامه .
وحمل أبو حنيفة وإسحاق حديث : " تحليلها التسليم " على التشهد ، وقالوا : يسمى التشهد تسليما ؛ لما فيه من التسليم على النبي والصالحين .
وهذا بعيد جدا .
واستدلوا - أيضا - بما روى عبد الرحمن بن زياد الأفريقي ، أن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة أخبراه ، عن عبد الله بن عمرو ، عن [5/218] النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا أحدث وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم جازت صلاته " .
خرجه الترمذي .
وقال : إسناده ليس بالقوي ، وقد اضطربوا في إسناده ، والأفريقي ضعفه القطان وأحمد بن حنبل .
وخرجه أبو داود بمعناه .
وخرجه الدارقطني ، ولفظه : " إذا أحدث بعدما يرفع رأسه من آخر سجدة واستوى جالسا تمت صلاته " .
وقد روي بهذا المعنى ، عن الأفريقي ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو - مرفوعا .
وهذا اضطراب منه في إسناده ، كما أشار إليه الترمذي ، ورفعه منكر جدا ، ولعله موقوف ، والأفريقي لا يعتمد على ما ينفرد به .
قال حرب : ذكرت هذا الحديث لأحمد ، فرده ، ولم يصححه .
وقال الجوزجاني : هذا الحديث لا يبلغ القوة أن يدفع أحاديث : " تحليلها التسليم "
.
وأجاب بعضهم عن هذا ، وعن حديث ابن مسعود - على تقدير صحتهما - بالنسخ ، واستدل بما روى عمر بن ذر ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في آخر صلاته قدر التشهد أقبل على الناس بوجهه ، وذلك قبل أن ينزل التسليم .
[5/219] خرجه البيهقي .
وخرجه وكيع في " كتابه " ، عن عمر بن ذر ، عن عطاء - بمعناه - وقال : حتى نزل التسليم .
وقد ذكرنا - فيما تقدم في أول " كتاب الصلاة " - حديثا ، عن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في أول الإسلام ركعتين ، ثم أمر أن يصلي أربعا ، فكان يسلم بين كل ركعتين ، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل ، يرى أنه قد أتم الصلاة ، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى ، ويعلن بالثانية ، فافعلوا ذلك .
خرجه الإسماعيلي .
وإسناده ضعيف
.
ولم يقل بذلك أحد من علماء المسلمين : إن الصلاة الرباعية المكتوبة يسلم فيها مرتين : مرة في التشهد الأول ، ومرة في الثاني ، ولكن الإمام يسر السلام الأول ، ويعلن بالثاني ، والأحاديث كلها تدل على أنه لم يكن يسلم فيها إلا مرة واحدة ، في التشهد الثاني خاصة .