[1/3] 2 - كتاب الإيمان
[1/4] [1/5] فصل
قال البخاري :
الإيمان قول وفعل .


قال زين الدين ابن رجب - رحمه الله - :
وأكثر العلماء قالوا : هو قول وعمل . وهذا كله إجماع من السلف وعلماء أهل الحديث .
وقد حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين عليه ، وحكى أبو ثور الإجماع عليه أيضا .
وقال الأوزاعي : كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل . وحكاه غير واحد من سلف العلماء عن أهل السنة والجماعة .
وممن حكى ذلك عن أهل السنة والجماعة : الفضيل بن عياض ، ووكيع بن الجراح .
وممن روي عنه أن الإيمان قول وعمل : الحسن ، وسعيد بن جبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، والشعبي ، والنخعي ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، وأبي ثور وغيرهم .
حتى قال كثير منهم : إن الرقبة المؤمنة لا تجزئ في الكفارة حتى يوجد منها الإقرار وهو الصلاة والصيام ، منهم الشعبي ، والنخعي ، وأحمد في رواية .
وخالف في ذلك طوائف من علماء أهل الكوفة والبصرة وغيرهم ، وأخرجوا الأعمال من الإيمان وقالوا : الإيمان : المعرفة مع القول .
وحدث بعدهم من يقول : الإيمان : المعرفة خاصة ، ومن يقول : الإيمان : [1/6] القول خاصة .
والبخاري عبر عنه بأنه : قول وفعل .
والفعل من الناس من يقول : هو مرادف للعمل ، ومنهم من يقول : هو أعم من العمل .
فمن هؤلاء من قال : الفعل يدخل فيه القول وعمل الجوارح ، والعمل لا يدخل فيه القول عند الإطلاق .
ويشهد لهذا قول عبيد بن عمير : ليس الإيمان بالتمني ، ولكن الإيمان قول يفعل ، وعمل يعمل .
خرجه الخلال .
ومنهم من قال : العمل ما يحتاج إلى علاج ومشقة ، والفعل أعم من ذلك .
ومنهم من قال : العمل ما يحصل منه تأثير في المعمول كعمل الطين آجرا ، والفعل أعم من ذلك .
ومنهم من قال : العمل أشرف من الفعل ، فلا يطلق العمل إلا على ما فيه شرف ورفعة ، بخلاف الفعل ، فإن مقلوب " عمل " لمع ، ومعناه ظهر وأشرف .
وهذا فيه نظر ؛ فإن عمل السيئات يسمى أعمالا كما قال تعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وقال : مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا
ولو قيل عكس هذا لكان متوجها ؛ فإن الله تعالى إنما يضيف إلى نفسه الفعل كقوله تعالى : وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [1/7] إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ
وإنما أضاف العمل إلى يديه كما قال : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا
وليس المراد هنا الصفة الذاتية بغير إشكال وإلا استوى خلق الأنعام وخلق آدم عليه السلام .
واشتق سبحانه لنفسه اسما من الفعل دون العمل ، قال تعالى إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ
ثم قال البخاري رحمه الله :
ويزيد وينقص .
قال الله عز وجل : لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ، وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ، وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ، وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ، وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وقوله عز وجل : أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وقوله : فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وقوله : وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا


زيادة الإيمان ونقصانه قول جمهور العلماء .
وقد روي هذا الكلام عن طائفة من الصحابة كأبي الدرداء وأبي هريرة ، وابن عباس ، وغيرهم من الصحابة .
وروي معناه عن علي ، وابن مسعود أيضا .
وعن مجاهد ، وغيره من التابعين .
وتوقف بعضهم في نقصه ، فقال : يزيد ، ولا يقال : ينقص . وروي ذلك [1/8] عن مالك ، والمشهور عنه كقول الجماعة .
وعن ابن المبارك قال : الإيمان يتفاضل ، وهو معنى الزيادة والنقص .
وقد تلا البخاري الآيات التي فيها ذكر زيادة الإيمان ، وقد استدل بها على زيادة الإيمان أئمة السلف قديما ، منهم عطاء بن أبي رباح ، فمن بعده .
وتلا البخاري - أيضا - الآيات التي ذكر فيها زيادة الهدى ؛ فإن المراد بالهدى هنا فعل الطاعات ، كما قال تعالى بعد وصف المتقين بالإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم ، وبالإيمان بما أنزل إلى محمد وإلى من قبله ، وباليقين بالآخرة ، ثم قال : أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ فسمى ذلك كله هدى ، فمن زادت طاعته فقد زاد هداه .
ولما كان الإيمان يدخل فيه المعرفة بالقلب ، والقول والعمل كله كانت زيادته بزيادة الأعمال ، ونقصانه بنقصانها .
وقد صرح بذلك كثير من السلف فقالوا : يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية .
فأما زيادة الإيمان بزيادة القول ونقصانه بنقصانه فهو كالعمل بالجوارح أيضا ؛ فإن من زاد ذكره لله وتلاوته لكتابه زاد إيمانه ، ومن ترك الذكر الواجب بلسانه نقص إيمانه .
وأما المعرفة بالقلب فهل تزيد وتنقص ؟ على قولين :
أحدهما : أنها لا تزيد ولا تنقص .
قال يعقوب بن بختان : سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن المعرفة والقول ، يزيد وينقص ؟ قال : لا ؛ قد جئنا بالقول والمعرفة ، وبقي العمل .
[1/9] ذكره أبو الخلال في كتاب " السنة " .
ومراده بالقول : التلفظ بالشهادتين خاصة .
وهذا قول طوائف من الفقهاء والمتكلمين .
والقول الثاني : أن المعرفة تزيد وتنقص .
قال المروذي : قلت لأحمد : في معرفة الله بالقلب يتفاضل فيه ؟ قال : نعم . قلت : ويزيد ؟ قال : نعم .
ذكره الخلال عنه ، وأبو بكر عبد العزيز في كتاب " السنة " أيضا عنه .
وهو الذي ذكره القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتاب " الإيمان ، وكذلك ذكره أبو عبد الله ابن حامد .
وحكى القاضي في " المعتمد " ، وابن عقيل في المسألة روايتان عن أحمد ، وتأولا رواية أنه لا يزيد ولا ينقص .
وتفسر زيادة المعرفة بمعنيين :
أحدهما : زيادة المعرفة بتفاصيل أسماء الله وصفاته وأفعاله ، وأسماء الملائكة ، والنبيين وصفاتهم والكتب المنزلة عليهم ، وتفاصيل اليوم الآخر . وهذا ظاهر لا يقبل نزاعا .
والثاني : زيادة المعرفة بالوحدانية بزيادة معرفة أدلتها ؛ فإن أدلتها لا تحصر ؛ إذ كل ذرة من الكون فيها دلالة على وجود الخالق ووحدانيته ؛ فمن كثرت معرفته بهذه الأدلة زادت معرفته على من ليس كذلك .
وكذلك المعرفة بالنبوات واليوم الآخر والقدر وغير ذلك من الغيب الذي [1/10] يجب الإيمان به .
ومن هنا فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين مقام الإيمان ومقام الإحسان ، وجعل مقام الإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه ، والمراد أن ينور قلبه بنور الإيمان حتى يصير الغيب عنده مشهودا بقلبه كالعيان .
وقد ذكر محمد بن نصر المروزي في " كتابه " أن التصديق يتفاوت ، وحكاه عن الحسن والعلماء ، وهذا يشعر بأنه إجماع عنده .
ومما يدل على ذلك أيضا ما روى ابن وهب ، أنا عبد الرحمن بن ميسرة ، عن أبي هانئ الخولاني ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق ، فسلوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم " .
خرجه الحاكم ، وقال : صحيح الإسناد
.