الحديث الثاني :
843 - حدثنا محمد بن أبي بكر ، ثنا المعتمر ، عن عبيد الله ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : جاء الفقراء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم ، يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ، ويجاهدون ويتصدقون ، قال : " ألا أحدثكم بما إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ، ولم يدركم أحد بعدكم ، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم ، إلا من عمل مثله ، تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين " .
فاختلفنا بيننا ، فقال بعضنا : نسبح ثلاثا وثلاثين ، ونحمد ثلاثا وثلاثين ، ونكبر [5/241] أربعا وثلاثين . فرجعت إليه ، فقال : تقول : سبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر ، حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون
.

ذكر الخطابي : أن لفظ هذه الرواية : " ذهب أهل الدور " ، وقال : والصواب " الدثور " .
وذكر غيره : أن هذه رواية المروزي ، وأنها تصحيف ، والرواية المشهورة : " أهل الدثور " على الصواب
.
و" الدثور " : جمع دثر ، بفتح الدال ، وهو : المال الكثير .
وفي الحديث : دليل على قوة رغبة الصحابة - رضي الله عنهم - في الأعمال الصالحة الموجبة للدرجات العلى والنعيم المقيم ، فكانوا يحزنون على العجز عن شيء مما يقدر عليه غيرهم من ذلك .
وقد وصفهم الله في كتابه بذلك ، بقوله : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ
ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا حسد إلا في اثنتين " ، فذكر منهما : " رجل [5/242] آتاه الله مالا ، فهو ينفقه في وجهه ، فيقول رجل : لو أن لي مالا ، لفعلت فيه كما فعل ذلك " .
فلذلك كان الفقراء إذا رأوا أصحاب الأموال يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون وينفقون حزنوا على عجزهم عن ذلك ، وتأسفوا على امتناعهم من مشاركتهم فيه ، وشكوا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمل ، إن أخذوا به أدركوا من سبقهم ، ولم يدركهم أحد بعدهم ، وكانوا خير من هم بين ظهرانيهم ، إلا من عمل مثله ، وهو التسبيح والتحميد والتكبير خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين .
وهذا يدل على أن الذكر أفضل الأعمال ، وأنه أفضل من الجهاد والصدقة والعتق وغير ذلك .
وقد روي هذا المعنى صريحا عن جماعة كثيرة من الصحابة ، منهم : أبو الدرداء ومعاذ وغيرهما .
وروي مرفوعا من وجوه متعددة - أيضا .
ولا يعارض هذا حديث الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عما يعدل الجهاد ، فقال : " هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر ، وتقوم فلا تفتر " - الحديث [5/243] المشهور ، لأن هذا السائل سأل عن عمل يعمله في مدة جهاد المجاهد من حين خروجه من بيته إلى قدومه . فليس يعدل ذلك شيء غير ما ذكره ، والفقراء دلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمل يستصحبونه في مدة عمرهم ، وهو ذكر الله الكثير في أدبار الصلوات ، وهذا أفضل من جهاد يقع في بعض الأحيان ، ينفق صاحبه فيه ماله .
فالناس منقسمون ثلاثة أقسام ، أهل ذكر يدومون عليه إلى انقضاء أجلهم ، وأهل جهاد يجاهدون وليس لهم مثل ذلك الذكر . فالأولون أفضل من هؤلاء .
وقوم يجمعون بين الذكر والجهاد ، فهؤلاء أفضل الناس .
ولهذا لما سمع الأغنياء الذين كانوا يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون بما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - الفقراء من ذلك عملوا به ، فصاروا أفضل من الفقراء حينئذ ؛ ولهذا لما سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، قال : " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " .
ومن زعم من الصوفية أنه أراد أن الفقر فضل الله ، فقد أخطأ ، وقال ما لا يعلم .
وقد دل الحديث على فضل التسبيح والتحميد والتكبير خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين .
وخرجه مسلم من طريق ابن عجلان ، عن سمي ، وذكر فيه : أن المختلفين هم سمي وبعض أهله ، وأن القائل له هو أبوه أبو صالح السمان ، وأن ابن عجلان قال : حدثت بهذا الحديث رجاء بن حيوة ، فحدثني بمثله ، عن أبي صالح .
وخرجه البخاري في أواخر كتابه " الصحيح " - أيضا - من طريق ورقاء ، عن سمي بهذا الإسناد ، بنحوه ، ولكن قال فيه : " تسبحون في دبر كل صلاة [5/244] عشرا ، وتحمدون عشرا ، وتكبرون عشرا " .
وقال : تابعه عبيد الله بن عمر ، عن سمي . قال : ورواه ابن عجلان ، عن سمي ورجاء بن حيوة . ورواه جرير ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي صالح ، عن أبي الدرداء . ورواه سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . انتهى .
ومراده : المتابعة على إسناده .
ورواية عبيد الله بن عمر ، هي التي خرجها في هذا الباب .
ورواية ابن عجلان ، هي التي خرجها مسلم ، كما ذكرناه .
ورواية سهيل ، خرجها مسلم - أيضا - بمثل حديث ابن عجلان ، عن سمي ، وزاد في الحديث : يقول سهيل : إحدى عشرة إحدى عشرة ، فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون .
وأما رواية جرير التي أشار إليها البخاري ، وقوله : عن أبي صالح ، عن أبي الدرداء ، فقد تابعه عليها - أيضا - أبو الأحوص سلام بن سليم ، عن عبد العزيز .
والظاهر : أنه وهم ، فإن أبا صالح إنما يرويه عن أبي هريرة ، لا عن أبي الدرداء ، كما رواه عنه سمي وسهيل ورجاء بن حيوة
.
وإنما رواه عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي عمر الصيني ، عن أبي الدرداء ، كذلك رواه الثوري ، عن عبد العزيز ، وهو أصح - : قاله أبو زرعة ، والدارقطني .
[5/245] وأما ألفاظ الحديث ، فهي مختلفة :
ففي رواية عبيد الله بن عمر التي خرجها البخاري هاهنا : " تسبحون وتحمدون وتكبرون ثلاثا وثلاثين " ، وفسره بأنه يقول : " سبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر " حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين .
وقد تبين أن المفسر لذلك هو أبو صالح ، وهذا يحتمل أمرين :
أحدهما : أنه يجمع بين هذه الكلمات الثلاث ، فيقولها ثلاثا وثلاثين مرة ، فيكون مجموع ذلك تسعا وتسعين .
والثاني : أنه يقولها إحدى عشرة مرة ، فيكون مجموع ذلك ثلاثا وثلاثين .
وهذا هو الذي فهمه سهيل ، وفسر الحديث به ، وهو ظاهر رواية سمي ، عن أبي صالح - أيضا .
ولكن ؛ قد روي حديث أبي هريرة من غير هذا الوجه صريحا بالمعنى الأول :
فخرج مسلم من حديث سهيل ، عن أبي عبيد المذحجي - وهو : مولى سليمان بن عبد الملك وحاجبه - عن عطاء بن يزيد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من سبح في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، وحمد الله ثلاثا وثلاثين ، وكبر الله ثلاثا وثلاثين ، فتلك تسعة وتسعون ، وقال تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، غفرت خطاياه ، وإن كانت مثل زبد البحر " .
وقد روي عن سهيل بهذا الإسناد - موقوفا على أبي هريرة .
[5/246] وكذا رواه مالك في " الموطأ " ، عن أبي عبيد - موقوفا .
وخرجه ابن حبان في " صحيحه " من طريق مالك - مرفوعا .
والموقوف عن مالك أصح
.
وخرجه النسائي في " اليوم والليلة " بنحو هذا اللفظ ، من رواية ابن عجلان ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - مرفوعا .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان في " صحيحه " من طريق الأوزاعي : حدثني حسان بن عطية ، حدثني محمد بن أبي عائشة ، حدثني أبو هريرة ، قال : قال أبو ذر : يا رسول الله ، ذهب أصحاب الدثور بالأجور - فذكر الحديث ، بمعناه ، وقال فيه : " تكبر الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، وتحمده ثلاثا وثلاثين ، وتسبحه ثلاثا وثلاثين ، تختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، غفرت له ذنوبه ، ولو كانت مثل زبد البحر " .
فهذا ما في حديث أبي هريرة من الاختلاف .
وقد روي عنه نوع آخر ، وهو : التسبيح مائة مرة ، والتكبير مائة مرة ، والتهليل مائة مرة ، والتحميد مائة مرة .
وخرجه النسائي في " كتاب اليوم والليلة " بإسناد فيه ضعف .
وروي موقوفا على أبي هريرة
.
[5/247] وخرجه النسائي في " السنن " بإسناد آخر ، عن أبي هريرة - مرفوعا - : " من سبح في دبر صلاة الغداة مائة تسبيحة ، وهلل مائة تهليلة ، غفر له ذنوبه ، ولو كانت مثل زبد البحر " .
وروي عن أبي هريرة - موقوفا عليه - : التسبيح عشر ، والتحميد عشر ، والتكبير عشر .
وقد تقدم أن البخاري خرجه في آخر " كتابه " عنه - مرفوعا .
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير حديث أبي هريرة في هذا الباب أنواع أخر من الذكر :
فمنها : التسبيح والتحميد والتكبير مائة ، فالتسبيح والتحميد كل منهما ثلاث وثلاثون ، والتكبير وحده أربع وثلاثون .
خرجه مسلم من حديث كعب بن عجرة .
وخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث زيد بن ثابت .
وخرجه الإمام أحمد من حديث أبي ذر ، لكن عنده : أن التحميد هو الأربع .
وخرجه ابن ماجه ، وعنده : أن ابن عيينة قال : لا أدري أيتهن أربع .
ومنها : التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل مائة مرة ، من كل واحد [5/248] خمس وعشرون .
وخرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث زيد بن ثابت .
وخرجه النسائي من حديث ابن عمر .
ومنها : التسبيح ثلاثا وثلاثين ، والتحميد مثله ، والتكبير أربعا وثلاثين ، فذلك مائة ، ويزيد عليهن التهليل عشرا .
خرجه النسائي والترمذي من حديث ابن عباس .
ومنها : التسبيح عشر مرات ، والتحميد مثله ، والتكبير مثله ، فذلك ثلاثون .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص .
وخرجه النسائي في " اليوم والليلة " من حديث سعد .
ومنها : التكبير إحدى عشرة مرة ، والتحميد مثله ، والتهليل مثله ، والتسبيح مثله ، فذلك أربع وأربعون .
خرجه البزار من حديث ابن عمر .
وإسناده ضعيف ، فيه موسى بن عبيدة
.
ويجوز الأخذ بجميع ما ورد من أنواع الذكر عقب الصلوات ، والأفضل أن [5/249] لا ينقص عن مائة ، لأن أحاديثها أصح أحاديث الباب .
واختلف في تفضيل بعضها على بعض :
فقال أحمد - في رواية الفضل بن زياد - وسئل عن التسبيح بعد الصلاة ثلاثة وثلاثين أحب إليك ، أم خمسة وعشرين ؟ قال : كيف شئت .
قال القاضي أبو يعلى : وظاهر هذا : التخيير بينهما من غير ترجيح .
وقال - في رواية علي بن سعيد - : أذهب إلى حديث ثلاث وثلاثين .
وظاهر هذا : تفضيل هذا النوع على غيره .
وكذلك قال إسحاق : الأفضل أن تسبح ثلاثا وثلاثين ، وتحمد ثلاثا وثلاثين ، وتكبر ثلاثا وثلاثين ، وتختم المائة بالتهليل . قال : وهو في دبر صلاة الفجر آكد من سائر الصلوات ؛ لما ورد من فضيلة الذكر بعد الفجر إلى طلوع الشمس .
نقل ذلك عنه حرب الكرماني .
وهل الأفضل أن يجمع بين التسبيح والتحميد والتكبير في كل مرة ، فيقولهن ثلاثا وثلاثين مرة ، ثم يختم بالتهليل ، أم الأفضل أن يفرد التسبيح والتحميد والتكبير على حدة ؟
قال أحمد - في رواية محمد بن ماهان ، وسأله : هل يجمع بينهما ، أو يفرد ؟ قال : لا يضيق .
قال أبو يعلى : وظاهر هذا : أنه مخير بين الإفراد والجمع .
وقال أحمد - في رواية أبي داود - : يقول هكذا : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا يقطعه .
[5/250] وهذا ترجيح منه للجمع ، كما قاله أبو صالح ، لكن ذكر التهليل فيه غرابة .
وقد روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة - مرسلا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن يقولوا دبر كل صلاة : " لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وسبحان الله ، والحمد لله عشر مرات " .
وقال إسحاق : الأفضل أن يفرد كل واحد منها .
وهو اختيار القاضي أبي يعلى من أصحابنا ، قال : وهو ظاهر الأحاديث ؛ لوجهين :
أحدهما : أنه قال : " تسبحون وتحمدون وتكبرون " ، والواو قد قيل : إنها للترتيب ، فإن لم تقتض وجوبه أفادت استحبابه .
والثاني : أن هذا مثل نقل الصحابة - رضي الله عنهم - لوضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه تمضمض ثلاثا ، واستنشق ثلاثا ، وغسل وجهه ثلاثا ، وذراعيه ثلاثا ، ولا خلاف في المراد : أنه غسل كل عضو من ذلك بانفراده ثلاثا ثلاثا ، قبل شروعه في الذي بعده ، ولم يغسل المجموع مرة ، ثم أعاده مرة ثانية ، وثالثة .
قلت : هذا على رواية من روى التسبيح ثلاثا وثلاثين ، والتحميد ثلاثا وثلاثين ، والتكبير ثلاثا وثلاثين ظاهر ، وأما رواية من روى " تسبحون وتحمدون وتكبرون ثلاثا وثلاثين " فمحتملة ، ولذلك وقع الاختلاف في فهم المراد منها .