[5/275] 159 - باب
الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال
وكان أنس ينفتل عن يمينه وعن يساره ، ويعيب على من يتوخى - أو يعمد - الانفتال عن يمينه
.

الانفتال : هو الانحراف عن جهة القبلة إلى الجهة التي يجلس إليها الإمام بعد انحرافه ، كما سبق ذكره .
وحكمه : حكم الانصراف بالقيام من محل الصلاة .
وقد نص عليه إسحاق وغيره .
وقد ذكر البخاري ، عن أنس ، أنه كان ينفتل عن يمينه ويساره ، ويعيب على من يتوخى الانفتال عن يمينه - يعني : يتحراه ويقصده .
وفي " مسند الإمام أحمد " من رواية أبي الأوبر الحارثي ، عن أبي هريرة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينفتل عن يمينه وشماله .
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة .
وفي رواية للإمام أحمد : " ينصرف " بدل : " ينفتل " .
وخرج مسلم في هذا الباب حديث البراء بن عازب ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحببنا أن نكون عن يمينه فيقبل علينا بوجهه .
[5/276] وخرجه من رواية أخرى ليس فيها : " ثم يقبل علينا بوجهه " .
ولكن روي تفسير هذه اللفظة بالبداءة بالتفاته إلى جهة اليمين بالسلام .
خرجه الإسماعيلي في " حديث مسعر من جمعه " ، ولفظه : كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان يبدأ بالسلام عن يمينه .
وفي رواية أخرى له : أنه كان يبدأ بمن على يمينه ، فيسلم عليه .
قال أبو داود : كان أبو عبد الله - يعني : أحمد - ينحرف عن يمينه .
وقال ابن منصور : كان أحمد يقعد ناحية اليسرى ، ويتساند .
قال القاضي أبو يعلى : وهما متفقان ؛ لأنه إذا انحرف عن يمينه حصل جلوسه ناحية يساره .
قال : وقال ابن أبي حاتم : سمعت .. يقول : تدبرت الأحاديث التي رويت في استقبال النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس بوجهه ، فوجدت انحرافه عن يمينه أثبت .
وقال ابن بطة من أصحابنا : يجلس عن يسرة القبلة .
ونقل حرب ، عن إسحاق ، أنه كان يخير في ذلك كالانصراف .
وللشافعية وجهان : أحدهما : التخيير كقول إسحاق . والثاني : أن الانفتال عن يمينه أفضل .
ثم لهم في كيفيته وجهان :
أحدهما - وحكوه عن أبي حنيفة - : أنه يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس ، ويجلس على يمين المحراب .
والثاني - وهو أصح عند البغوي وغيره - : بالعكس .
[5/277] واستدلوا له بحديث البراء بن عازب الذي خرجه مسلم .
وأما الانصراف : فهو قيام المصلي وذهابه من موضع صلاته إلى حاجته ، فيذهب حيث كانت حاجته ، سواء كانت من جهة اليمين أو اليسار ، ولا يستحب له أن يقصد جهة اليمين مع حاجته إلى غيرها ، هذا قول جمهور العلماء ، وروي عن علي وابن مسعود وابن عمر والنخعي وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق .
وإنما كان أكثر انصراف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن يساره ؛ لأن بيوته كانت من جهة اليسار .
وقد خرجه الإمام أحمد مصرحا بذلك من رواية ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، أن ابن مسعود حدثه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عامة ما ينصرف من الصلاة على يساره إلى الحجرات .
فإن لم يكن له حاجة في جهة من الجهات ، فقال الشافعي وكثير من أصحابنا : انصرافه إلى اليمين أفضل ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه التيمن في شأنه كله .
وحمل بعضهم على ذلك حديث السدي ، قال : سألت أنسا : كيف أنصرف إذا صليت عن يميني أو عن يساري ؟ فقال : أما أنا فأكثر ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينصرف عن يمينه .
خرجه مسلم .
والسدي ، هو : إسماعيل بن عبد الرحمن ، وقد تكلم فيه غير واحد ، [5/278] ووثقه أحمد وغيره . وعن يحيى فيه روايتان .
ولم يخرج له البخاري ، وأظنه ذكر هاهنا الأثر الذي علقه عن أنس ليعلل به هذا الذي رواه عنه السدي
. والله أعلم .
وحكى ابن عبد البر ، عن الحسن وطائفة من العلماء : أن الانصراف عن اليمين أفضل .
وقد حكاه ابن عمر عن فلان ، وأنكره عليه ، ولعله يريد به ابن عباس - رضي الله عنهما .
وسئل عطاء : أيهما يستحب ؟ قال : سواء ، ولم يفرق بين أن يكون له حاجة ، أو لا .
وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينصرف عن يمينه وشماله .
وهو من رواية بقية ، عن الزبيدي ، أن مكحولا حدثه ، إن مسروق بن الأجدع حدثه ، عن عائشة .
وهذا إسناد جيد .
لكن رواه عبد الله بن سالم الحمصي - وهو ثقة ثبت - عن الزبيدي ، عن سليمان بن موسى ، عن مكحول بهذا الإسناد .
قال الدارقطني : وقوله أشبه بالصواب .
وسليمان بن موسى ، مختلف في أمره
.
وروى قبيصة بن الهلب ، عن أبيه ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤمنا ، [5/279] فينصرف على جانبيه جميعا ، عن يمينه وشماله .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي .
وقال : حديث حسن ، وعليه العمل عند أهل العلم .
قال : وصح الأمران ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم
- .