|
وأما حديث جابر ، فمن طريقين : أحدهما : 854 - حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا أبو عاصم ، أنا ابن جريج : أخبرني عطاء ، قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من أكل من هذه الشجرة - يريد : الثوم - فلا يغشانا في مساجدنا " . قلت : ما يعني به ؟ قال : ما أراه يعني إلا نيئه . وقال مخلد بن يزيد ، عن ابن جريج : إلا نتنه .
وهذه الرواية - أيضا - صريحة بعموم المساجد ، والمسئول والمجيب لعله عطاء .. وفي أبي عاصم . " نيئه " ، بالهمز ، ويقال بالتشديد بدون همزة ، والمراد به : ما ليس بمطبوخ ، فإنه قد ورد في المطبوخ رخصة ، لزوال بعض ريحه بالطبخ . [5/282] وقد قال عمر - رضي الله عنه - في خطبته - : إنكم تأكلون شجرتين ، لا أراهما إلا خبيثتين ، هذا البصل والثوم ، لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد ريحها من الرجل في المسجد أمر به وأخرج إلى البقيع ، فمن أكلهما فليمتهما طبخا . خرجه مسلم . وخرج أبو داود والنسائي من حديث معاوية بن قرة ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هاتين الشجرتين ، وقال : " من أكلهما فلا يقربن مسجدنا " وقال : " إن كنتم لا بد آكلوهما ، فأميتوهما طبخا " . قال : يعني : البصل والثوم . وقال البخاري - فيما نقله عنه الترمذي في " علله " - : حديث حسن . وخرج الطبراني معناه من حديث أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال فيه : " فإن كنتم لا بد آكلوهما فاقتلوهما بالنار قتلا " . وخرج أبو داود من حديث علي ، قال : نهي عن أكل الثوم إلا مطبوخا . خرجه الترمذي . ثم خرجه - موقوفا - عن علي ، أنه كره أكله إلا مطبوخا . [5/283] وخرج ابن ماجه من حديث عقبة بن عامر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه : " لا تأكلوا البصل " ، ثم قال كلمة خفية : " النيء " . وأما رواية مخلد بن يزيد الحراني ، عن ابن جريج ، التي ذكرها البخاري - تعليقا - فمعناها : نتن ريحه ، ولأجلها كره دخول المسجد لآكله . وخرج مسلم حديث جابر هذا من رواية يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، ولفظه : " من أكل من هذه البقلة : الثوم " - وقال مرة - : " من أكل من البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم " . وخرج معناه من حديث أبي الزبير ، عن جابر - أيضا . وخرج مسلم - أيضا - من حديث الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا ، ولا يؤذينا بريح الثوم " . فدل هذا الحديث - مع الذي قبله - على أن علة المنع من قربان المسجد تأذي من يشهده من المؤمنين والملائكة بالرائحة الكريهة . وفي عامة هذه الأحاديث : تسمية الثوم شجرة . قال الخطابي : فيه أنه جعل الثوم من جملة الشجر ، والعامة إنما يسمون الشجر ما كان له ساق يحمل أغصانه دون غيره . [5/284] وعند العرب : أن كل ما بقيت له أرومة في الأرض تخلف ما قطع فهو شجر ، وما لا أرومة له فهو نجم ، فالقطن شجر ، يبقى في كثير من البلدان سنين ، وكذلك الباذنجان ، فأما اليقطين والريحان ونحوهما فليس بشجر ، فلو حلف رجل على شيء من الأشجار فالاعتبار من جهة الاسم والحقيقة على ما ذكرت ، وفي العرف ما تعارفه الناس . انتهى . وأما قوله تعالى : وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ فلا يرد على ما ذكره ؛ فإنها شجرة مقيدة بكونها من يقطين ، وكلامه إنما هو في إطلاق اسم الشجر . وقد اختلف أصحابنا الفقهاء فيما يتكرر حمله من أصول الخضروات ونحوها : هل هو ملتحق بالشجر ، أو بالزرع ؟ وفيه وجهان ، ينبني عليهما مسائل متعددة ، قد ذكرناها في " كتاب القواعد في الفقه " .
|