‎( ‎3 ) باب
الأمر بزكاة الفطر ، وعمن تخرج ،
ومماذا تخرج ، ومتى تخرج ؟
984 [853] عَنْ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ، أَوْ رَجُلٍ ، أَوِ امْرَأَةٍ ؛ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ .
وَفِي رِوَايَةٍ : فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ؛ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ


[3/19] ( 3 ) ومن باب: الأمر بزكاة الفطر
قوله : " فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر " ؛ جمهور أئمة الفتوى على أنها واجبة ، وهو المنصوص عن مالك ؛ محتجين بقوله: " فرض " فإن عرفه الشرعي أوجب . وبأنها داخلة في عموم قوله تعالى : وَآتُوا الزَّكَاةَ وذهب بعض أهل العراق وبعض أصحاب مالك : إلى أنها سنَّة ، ورأوا أن : " فَرَضَ " بمعنى : " قَدَّرَ " ، وهو أصله في اللغة ، كما قال تعالى : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ولم يروها داخلة في عموم ما ذكر . وقال أبو حنيفة : هي واجبة وليست بفريضة ؛ على مذهبه في الفرق بين الواجب والفرض .
وقوله : " زكاة الفطر من رمضان " ؛ إشارة إلى وقت وجوبها . وقد اختلف فيه :
فعندنا وعند الشافعي : تجب بغروب الشمس من آخر رمضان . وقيل عنهما : بطلوع الفجر من يوم الفطر .
وذهب بعض المتأخرين من أصحابنا : إلى أنها تجب بطلوع الشمس من يوم الفطر ، وسبب هذا الخلاف : أن الشرع قد أضاف هذه الزكاة للفطر ، وهل هو الفطر المعتاد في سائر الشهور ؟ فيكون الوجوب من وقت الغروب ، أو الفطر المعتاد في كل يوم ؟ فيكون من طلوع الشمس . أو المراد أول الفطر المأمور به يوم الفطر ؟ فيكون من طلوع الفجر .
وقال ابن قتيبة : معنى صدقة الفطر ؛ أي : صدقة النفوس ، والفطرة : أصل الخلقة ، وهذا بعيد ، بل مردود بقوله : [3/20] " صدقة الفطر من رمضان " ، والأول أظهر .
وقوله : " على كل نفس " ؛ يقتضي عموم النفوس أغنيائهم وفقرائهم . خلافًا لأصحاب الرأي في قولهم : لا تلزم من يحلّ له أخذها .
واختلف قول مالك وأصحابه في ذلك ، ومشهور مذهبه: أنها تجب على من فضل عن قوته يوم الفطر بقدرها . ويدخل في ذلك العموم: الحاضر والبادي ، خلافًا لليث ، وربيعة والزهري وعطاء في قصر وجوبها على أهل الحواضر والقرى ، دون أهل العمُود والخصوص .
وقوله : " من المسلمين " ؛ دليل على أنها لا تخرج عن العبد الكافر ، وهو قول الجمهور . وذهب الكوفيون وإسحاق وبعض السلف : إلى أنها تخرج عن العبيد الكفار .
وقد تأول الطحاوي قوله : " من المسلمين " : أنه عائدٌ إلى السادة المخرجين . وهذا لا يقتضيه مساق الحديث ، فتأمله .
قلت : وظاهر هذا الحديث : أنه إنما قصد فيه إلى بيان مقدارها ، ومن يقدر عليه ، ولم يتعرض فيه لبيان من يخرجها عن نفسه ممن يخرجها عن غيره ، بل [3/21] شمل الجميع ؛ إذ قد ذكر فيهم العبد والصغير .
فأما الصغير : فلا خلاف عند من يقول : إنها تخرج بسببه ؛ أنّ وليَّه هو الذي يخاطب بإخراجها ؛ إذ الصبي لم يجر عليه بَعْدُ قلم التكليف .
وأما العبد : فذهب الجمهور: إلى أنه ليس مخاطبًا بها ؛ لأنه لا شيء له . ولو كان له مالٌ فسيده قادر على انتزاعه ، خلافًا لداود ، فإنه أوجبها على العبد ؛ تمسكًا بلفظ العبد المذكور في الحديث هذا .
وقال : على السيد أن يتركه قبل الفطر فيكتسب ذلك القدر ، وليس له منعه من ذلك في تلك المدة ، كما لا يمنعه من صلاة الفرض .
ثم إذا تنزلنا على قول الجمهور في أنه لا يجب عليه شيء ، فهل يخاطب سيده بإخراجها عنه أم لا ؟ جمهورهم أيضًا: على أنه يجب ذلك عليه ؛ لأنه تلزمه نفقته ومؤونته ، وهذه من جملة المؤن ، فإن المخاطَب بإخراجها المكلَّف الواجدَ لها حين الوجوب ؛ عن نفسه وعن من تلزمه نفقته ؛ بدليل ما رواه الدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنه - قال : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزكاة الفطر عن الصغير والكبير ، والحر والعبد ، ممن تمونون .
والصحيح ما في الأصل من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر عن كل : صغير وكبير ، وحرٍّ أو مملوك ، فصرّح فيه بأنهم كانوا يخاطبون بإخراج زكاة الفطر عن غيرهم ؛ وذلك الغير لا بدّ أن يكون بينه وبين المأمور بالإخراج ملابسة ، وتلك الملابسة هي التي تكون مثل الملابسة التي تكون بين الصغير ووليه ، والعبد وسيده ، وهي القيام بما يحتاج إليه كل واحد منهما من المؤن .
وأما إخراجها عن الزوجة ، فمذهب الجمهور أن ذلك يجب على الزوج . وقال الكوفيون : لا يلزم الرجل إخراجها عن زوجته ، وإنما يلزمها هي أن تخرجها عن نفسها ، وسببه ما تقدّم .