992 [858] وَعَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ ، فَبَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مَلأٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ ، أَخْشَنُ الْجَسَدِ ، أَخْشَنُ الْوَجْهِ ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفَيْهِ وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ يَتَزَلْزَلُ . قَالَ : فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُؤوسَهُمْ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا ، قَالَ : فَأَدْبَرَ وَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ ، فَقُلْتُ : مَا رَأَيْتُ هَؤُلاءِ إِلا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ ، فَقَالَ : إِنَّ هَؤُلاءِ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ، إِنَّ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ ، فَقَالَ : ( أَتَرَى أُحُدًا ؟ ) فَنَظَرْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمْسِ ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَبْعَثُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ ، فَقُلْتُ : أَرَاهُ ، فَقَالَ : ( مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلا ثَلاثَةَ دَنَانِيرَ ) ، ثُمَّ هَؤُلاءِ يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا ولا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ، قَالَ : قُلْتُ : مَا لك وَلإِخْوَتِكَ قُرَيْشٍ لا تَعْتَرِيهِمْ وَتُصِيبُ مِنْهُمْ ، قَالَ : لا وَرَبِّكَ ! لا أَسْأَلُهُمْ عَنْ دِينَارٍ وَلا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْحَقَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ .
وَفِي رِوَايَةٍ : بَشِّرِ الْكَنَّازِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ يَخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ ، وَبِكَيٍّ مِنْ قِبَلِ أَقــفَائِهِمْ يَخْرُجُ مِنْ جِبَاهِهِمْ ، قَالَ : ثُمَّ تَنَحَّى فَقَعَدَ ، قَالَ : قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا أَبُو ذَرٍّ ، قَالَ : فَقُمْتُ إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ : مَا شَيْءٌ سَمِعْتُكَ تَقُولُ قُبَيْلُ ؟ قَالَ : مَا قُلْتُ إِلا شَيْئًا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّهِمْ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : قُلْتُ : مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ ؟ قَالَ : خُذْهُ ؛ فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ .


وقول الأحنف بن قيس : " إذ جاء رجلٌ أخشن الثياب ، أخشن الجسد ، أخشن الوجه " ؛ كذا صح هنا من رواية الكرمي بالخاء والشين المعجمتين ، من الخشونة على وزن أفْعَل ، إلا أنه عند ابن الحذَّاء في الآخر : " حسن الوجه " . وقد [3/33] رواه القابسي في البخاري : " حسن الشعر والثياب والهيئة " من الحسن . ولغيره : " خشن " من الخشونة ، وهو الصواب إن شاء الله تعالى .
و" قام عليهم " : وقــف عليهم . و " الملأ " : الأشراف في أصله ، وقد يقال على الجماعة ، وهو مهموز مقصور .
وقوله : ( بشر الكنازين ) ؛ أي : الجمَّاعين ، ويروى : " الكانزين " ، وهو بالنون عن الكنز . ووقع عند الهروي : الكاثرين ، بالثاء المثلثة ، [من الكثرة] ، والأول أولى ؛ لأنه إنما يقال للكثير المال : مكثر ، لا كاثر . وأما الكاثر : فهو الشيء الكثير ، يقال : كثير وكاثر وكُثَار ، ومنه قول الشاعر :
. . . . . . . . . . . .
فإنما العزة للكاثر
والرضف " : الحجارة المحمّاة . و " الحلمة " : رأس الثدي للمرأة . والثندوة للرجل . و " نُغض الكتف " - بضم النون - : العظم الرقيق الذي في طرف الكتف ، وهو الناغض ، سمي بذلك لحركته ، من قولهم : أنغض رأسه ؛ أي : حرَّكه ، ومنه قوله تعالى : فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ؛ أي : يحركونها استهزاءً .
ويتزلزل " - بزائين معجمتين " ؛ أي : يتحرك ، يعني : الرضف يتزلزل من النغض إلى الحلمة . ووضع الناس رؤوسهم " : أطرقوا متخشِّعين ، أو مستثقلين ، يدل عليه قوله : " إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا " . و " لم يرجع " ؛ أي : لم يرد . و " أُحُد " : جبل [3/34] معروف بالمدينة . واستفهامه له عن رؤيته لتحقق رؤيته حتى يُشّبه له به ما أراد بقوله : ( ما يسرني أن لي مثله ذهبا ) .
وقوله : " إلا ثلاثة دنانير " ؛ يعني : دينارًا يرصده لدين ؛ أي : يؤخره . ودينارًا لأهله ، ودينارًا لإعتاق رقبة ، والله أعلم .
وقوله : " ثم هؤلاء " ظاهر احتجاج أبي ذر بهذا الحديث وشبهه : أن الكنز المتوعَّد عليه هو جمع ما فضل عن الحاجة ، وهكذا نقل من مذهبه ، وهو من شدائده - رضي الله عنه - ، ومما انفرد به . وقد روي عنه خلافُ ذلك ، وحمل إنكاره هذا على ما أخذه السلاطين لأنفسهم ، وجمعوه لهم من بيت المال وغيره ، ولذلك هجرهم ، وقال : " لا أسألهم دنيا ، ولا أستفتيهم عن دين " ، والله أعلم .
و" يعتريهم " : يزورهم ويأتيهم بطلب منهم ، ومنه قوله تعالى : وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ وهو الزائر ، يقال منه : أعروته واعتريته ؛ أي : أتيته أطلب منه حاجة .
وهذا الحديث يدل على تفضيل الفقر على الغنى ، وقد تقدمت المسألة .
والعطاء الذي سئل عنه أبو ذر ؛ هو ما يعطاه الرجل من بيت المال على وجهٍ [3/35] يستحقُّه ، وهو الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر : ( ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ، وما لا فلا تتبعه نفسك ) .
وقوله : " فإذا كان ثمنًا لدِينِك فدعه " ؛ أي : إذا كنت لا تتوصل إليه إلا بوجه غير جائز ، فلا تلتفت إليه ، فإن سلامة الدِّين أهمُّ من نيل الدنيا ، فكيف إذا انتهى الأمر ، إلا أن لا يسلم دِينٌ ولا تنال دنيا ؟ ! ومن أخسر صفقة ممن خسر الآخرة والأولى ؟ ! نعوذ بالله من سخطه .