الحديث السادس :
869 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : لو أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء [بعده] لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل .
قُلْتُ لِعَمْرَةَ : أَوَمُنِعْنَ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ
.

تشير عائشة - رضي الله عنها - إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرخص في بعض ما يرخص فيه حيث لم يكن في زمنه فساد ، ثم يطرأ الفساد ويحدث بعده ، فلو أدرك ما حدث بعده لما استمر على الرخصة ، بل نهى عنه ؛ فإنه إنما يأمر بالصلاح ، وينهى عن الفساد .
[5/309] وشبيه بهذا : ما كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر وعمر من خروج الإماء إلى الأسواق بغير خمار ، حتى كان عمر يضرب الأمة إذا رآها منتقبة أو مستترة ، وذلك لغلبة السلامة في ذلك الزمان ، ثم زال ذلك وظهر الفساد وانتشر ، فلا يرخص حينئذ فيما كانوا يرخصون فيه .
فقد اختلف العلماء في حضور النساء مساجد الجماعات للصلاة مع الرجال : فمنهم من كرهه بكل حال ، وهو ظاهر المروي عن عائشة - رضي الله عنها - وقد استدلت بأن الرخصة كانت لهن حيث لم يظهر منهن ما ظهر ، فكانت لمعنى وقد زال ذلك المعنى .
قال الإمام أحمد : أكره خروجهن في هذا الزمان ؛ لِأَنَّهُنَّ فِتْنَةٌ .
وعن أبي حنيفة رواية : لا يخرجن إلا للعيدين خاصة .
وروى أبو إِسْحَاقَ ، عن الحارث ، عن علي ، قال : حق على كل ذات نطاق أن تخرج للعيدين . ولم يكن يرخص لهن في شيء من الخروج إلا في الْعِيدَيْنِ .
ومنهم من رخص فيه للعجائز دون الشواب ، وهو قول مَالِكٍ - في رواية - والشافعي وأبي يُوسُفَ ومحمد ، وطائفة من أصحابنا أو أكثرهم .
حكاه ابن عبد البر ، عن العلماء ، وحكاه ، عن مالك من رواية أَشْهَبَ : أن العجوز تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد ، وأن الشابة تخرج مرة بعد مرة .
وقال ابن مَسْعُودٍ : مَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ صَلَاةً أَفْضَلَ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا ، إِلَّا أَنْ تُصَلِّيَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، إِلَّا عَجُوزًا فِي مَنْقَلِهَا .
خَرَّجَهُ وَكِيعٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ .
وقال : يعني : خفها .
[5/310] وخرجه البيهقي ، وعنده : إلا في مسجد الحرام ، أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم .
ومنهم من رخص فيه للجمع ، إذا أمنت الفتنة ، وهو قول مالك - في رواية ابن القاسم ، ولم يذكر في " المدونة " سواه - وقول طائفة من أصحابنا المتأخرين .
ثم اختلفوا : هل يرخص لهن في الليل والنهار ، أم في الليل خاصة ؟ على قولين .
أحدهما : يرخص لهن في كل الصلوات ، وهو المحكي عن مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد ، وقول أصحابنا .
واستدلوا بعموم الأحاديث المطلقة ، وبخروجهن في العيدين ، فأما المقيدة بالليل ، فقالوا : هو تنبيه على النهار من طريق الفحوى ؛ لأن تمكن الفساق من الخلوة بالنساء والتعرض لهن بالليل أظهر ، فإذا جاز لهن الخروج بالليل ففي النهار أولى .
وقالت طائفة : إنما يرخص لهن في الليل ، وتبويب البخاري يدل عليه ، وروي مثله عن أبي حنيفة ، لكنه خصه بالعجائز .
وكذا قال سفيان : يرخص لهن في العشاء والفجر . قال : وينهى عن حضورهن تراويح رمضان .
ومذهب إسحاق كأبي حنيفة والثوري في ذلك ، إلا أنه رخص لهن في حضور التراويح في رمضان .
وهؤلاء استدلوا بالأحاديث المقيدة بالليل ، وقالوا : النهار يكثر انتشار [5/311] الفساق فيه ، فأما الليل فظلمته مع الاستتار تمنع النظر غالبا ، فهو أستر .
وروي عن أحمد ما يدل على أنه يكره للمرأة أن تصلي خلف رجل صلاة جهرية .
وهذا عكس قول من رخص في خروج المرأة إلى المسجد بالليل دون النهار .
قال مهنا : قال أحمد : لا يعجبني أن يؤم الرجل النساء ، إلا أن يكون في بيته ، يؤم أهل بيته ، أكره أن تسمع المرأة صوت الرجل .
وهذه الرواية مبنية - والله أعلم - على قول أحمد : إن المرأة لا تنظر إلى الرجل الأجنبي ، فيكون سماعها صوته كنظرها إليه ، كما أن سماع الرجل صوت المرأة مكروه كنظره إليها ؛ لما يخشى في ذلك من الفتنة .
وإن صلى الرجل بنساء لا رجل معهن ، فإن كن محارم له أو بعضهن جاز ، وإن كن أجنبيات فإنه يكره .
وإنما يكره إذا كان في بيت ونحوه ، فأما في المسجد فلا يكره ؛ لا سيما إن كان فيه رجال لا يصلون معهم .
فقد روي أن عمر - رضي الله عنه - جعل للنساء في قيام رمضان إماما يقوم بهن على حدة ، كما جعل للرجال إماما .
وأما في بيت ونحوه فيكره ؛ لما فيه من الخلوة .
فإن كان امرأة واحدة ، فهو محرم ، وإن كان امرأتان فهل يمنع ذلك الخلوة ؟ فيه لأصحابنا وجهان .
[5/312] ومتى كثر النساء فلا يحرم ، بل يكره .
ومن أصحابنا من علل الكراهة بخشية مخالطة الوسواس له في صلاته .
ومذهب الشافعي : إن صلى بامرأتين أجنبيتين فصاعدا خاليا بهن فطريقان ، قطع جمهورهم بالجواز . والثاني : في تحريمه وجهان .
وقيل : أن الشافعي نص على تحريم أن يؤم الرجل نساء منفردات ، إلا أن يكون فيهن محرم له ، أو زوجة ، وإن خلا رجلان أو رجال ، فالمشهور عندهم تحريمه .
وقيل : إن كانوا ممن يبعد مواطأتهم على الفاحشة جاز .
فإن صلى بهن في حال يكره ، كرهت الصلاة وصحت ، وإن كان في حال تحريم ، فمن أصحابنا من جزم ببطلان صلاتهما .
وكره طائفة من السلف أن يصلي الرجل بالنساء الأجنبيات وليس خلفه صف من الرجال ، منهم : الجزري .
وكذلك قال الإمام أحمد - في رواية الميموني - : إذا كان خلفه صف رجال صلى خلفه النساء ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأنس واليتيم وأم سليم وراءهم . قيل له : فإن لم يكن رجال ، كانوا نساء ؟ قال : هذه مسألة مشتبهة . قيل له : فصلاتهم جائزة ؟ قال : أما صلاته فهي جائزة . قيل له : فصلاة النساء ؟ قال : هذه مسألة مشتبهة .
فتوقف في صحة صلاتهن دونه .