‎( 13 ) باب
حث الإمام الناس على الصدقة إذا عنت فاقة
1017 [884] عَنْ جَرِيرٍ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي صَدْرِ النَّهَارِ قَالَ : فَجَاءَ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلالاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ الآيَةِ - إِلَى قَوْلِه رَقِيبًا وَالآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ ، مِنْ دِرْهَمِهِ ، مِنْ ثَوْبِهِ ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - : وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا ، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ . قَالَ ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ) .


13 ) ومن باب: حث الإمام الناس على الصدقة
قوله : " مجتابي العباء " ؛ أي : مقطوعي أوساط النمار . والاجتباب : التقطيع والخرق ، ومنه قوله تعالى : الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ؛ أي : خرقوها . و " النمار " : جمع نمرة ، هي : ثياب من صوف فيها تنمير . و " العباء " : جمع عباءة ، وهي : أكسية غلاظ مخططة .
و( تمعر وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ؛ تَغَيَّر لما شق عليه من فاقتهم . و( كومين ) - بفتح الكاف - ، هي الرواية ؛ أي : صُبْرَتين ، وقد قيد " كومين " بضم الكاف .
قال أبو مروان بن سراج : هو بالضم اسم لما كُوَّم ، وبالفتح : المرة الواحدة . والكَوْمَة : الصبرة ، والكوم : العظيم من كل شيء ، والكوم : المكان المرتفع كالرابية ، والفتح هنا أولى ؛ لأنه إنما شبَّه ما اجتمع هناك بالكوم الذي هو الرابية .
و( المذهبة ) ، الرواية الصحيحة المشهورة فيه هكذا - بالذال المعجمة ، والباء المنقوطة بواحدة من [3/63] أسفل - من الذهب . ويحتمل أن يريد بها : كأنه فضة مذهبة . كما قال الشاعر :
كأنها فضة [قد] مسها ذهب
ويعني به: تشبيه إشراق وجهه وتنويره ، أو كأنه آلة مذهبة ، كما يذهب من الجلود والسروج والأقداح وغير ذلك ، ويجعل طرائق يتلو بعضها بعضا .
وقد وقع للحميدي في " الجمع بين الصحيحين " : " مدهنة " - بالدال المهملة والنون - . قال : والمدهن : نقرة في الجبل يستنقع فيها ماء المطر . والمدهن أيضًا : ما جعل فيه الدُّهن . والمدهنة من ذلك ، شبَّه صفاء وجهه بإشراق السرور بصفاء هذا الماء المستنقع في الحجر ، أو بصفاء الدهن .
وسروره - صلى الله عليه وسلم - بذلك فرح بما ظهر من فعل المسلمين ، ومن سهولة البذل عليهم ، ومبادرتهم لذلك ، وبما كشف الله من فاقات أولئك المحاويج .
وقوله : ( من سن في الإسلام سنّة حسنة ) ؛ أي : من فعل فعلاً جميلاً فاقتدي به فيه ، وكذلك إذا فعل قبيحًا فاقتدي به فيه .
ويفيد الترغيب في الخير المتكرر أجره ؛ بسبب الاقتداء والتحذير من الشر المتكرر إثمه بسبب الاقتداء .