|
1066 [935] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ ، الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : ( يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ ، وَلا صَلاتُكُمْ إِلَى صَلاتِهِمْ بِشَيْءٍ وَلا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ لا تُجَاوِزُ صَلاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ " لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ لاتَّكَلُوا عَلى الْعَمَلِ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلاً لَهُ عَضُدٌ وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ ، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ ، فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيِّكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَاللهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلاءِ الْقَوْمَ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ ، فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ . قَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ : فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلاً . حَتَّى قَالَ : مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ فَقَالَ لَهُمْ : أَلْقُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ ، فَرَجَعُوا فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ ، وَسَلُّوا السُّيُوفَ ، وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ . قَالَ : وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلا رَجُلانِ . فَقَالَ عَلِيٌّ : الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ . فَالْتَمَسُوهُ ، فَلَمْ يَجِدُوهُ ، فَقَامَ عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ . قَالَ : أَخِّرُوهُمْ فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الأَرْضَ ، فَكَبَّرَ ، ثُمَّ قَالَ : صَدَقَ اللهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ . قَالَ : فَقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، الله الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ لَسَمِعْتَ هَذَا الْحديث مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ: إِي وَاللهِ الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ ، حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلاثًا ، وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ . 1066 ( 157 ) [936] وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ الْحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَتْ وَهُوَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالُوا : لا حُكْمَ إِلا لِلَّهِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : " كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَصَفَ نَاسًا إِنِّي لأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هَؤُلاءِ ، يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لا يَجُوزُ هَذَا مِنْهُمْ - وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ - مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللهِ إِلَيْهِ مِنْهُمْ أَسْوَدُ ، إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ أَوْ حَلَمَةُ ثَدْيٍ " ، فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : انْظُرُوا ، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا . فَقَالَ : ارْجِعُوا . فَوَاللهِ مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا . ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ . فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ . قَالَ عُبَيْدُ اللهِ : وَأَنَا حَاضِرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَقَوْلِ عَلِيٍّ فِيهِمْ . 1067( 158 ) [937] وَمِنْ حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ : يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ ) .
وقوله : ( لا تجاوز صلاتُهم تراقيَهم ) ؛ هو كناية عن أنها لا تقبل ، ولا ينتفعون بها ، أو يعني بذلك : أن دعاءهم لا يسمع ، والله أعلم . وقوله : ( لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لاتَّكلوا على العمل ) ، " قضي " معناه : حكم به ، وأخبر عن ثوابه ، والعمل: يعني به : قتلهم ، والألف واللام في العمل للعهد ، فكأنه قال : لاتَّكلوا على ثواب ذلك العمل ، واعتَمدوا عليه في النجاة من النار ، والفوز بالجنة ، وإن كانت الأعمال [3/119] لا تُحصّل ذلك ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لن ينجي أحدًا منكم عمله ) ، لكن ذلك العمل الذي هو قتلهم عظيم ، وثوابه جسيم ، بحيث لو اطلع عليه صاحبه ؛ لاعتمد عليه ، وظن أنه هو الذي ينجيه . والرواية في ذلك اللفظ : " لاتَّكلوا " بلام ألف ، وبالتاء باثنتين ، من التوكُّل ، وقد صحّفه بعضهم فقال : " لنكلوا " بالنون من النكول عن العمل . أي : لا يعملون شيئًا ؛ اكتفاء بما حصل لهم من ثواب ذلك . وهذا معنى واضح لو ساعدته الرواية . و" العضد " : ما بين المنكب والمرفق . " وحلمة الثدي " : الأنبوبة التي يخرج منها اللبن ، وتسمى السعدانة . و " سرح الناس " : مواشيهم . وقول سلمة : " فنزلني زيد منزلاً " ؛ أي : أخبرني بالمواضع التي نزلها علي مع جيشه منزلا منزلاً واحدًا واحدًا ، وصوابه : " منزلاً منزلاً مرتين ؛ لأن معناه : أخبرني بالمنازل مفصَّلة ، فهو منصوب على الحال ، كما تقول العرب : علّمته الحساب بابًا بابًا . ولا يكتفى في هذا النوع بذكر مرة واحدة ؛ لأنه لا يفيد ذلك المعنى ، غير أنه وقع هنا " منزلاً " مرة واحدة ، لجميع رواة مسلم فيما أعلم . وقد جاء من كتاب النسائي : " منزلاً منزلاً ، وهو الصحيح . وقول زعيم الخوارج : " ألقُوا الرماح ، وسُلُّوا السيوف " ؛ كان في هذا الرأي فتح للمسلمين ، وصيانة لدمائهم ، وتمكين من الخوارج ؛ بحيث تُمُكّنَ منهم بالرماح ، فَطُعِنُوا ولم يكن لهم بما يطعنون أحدًا ، فَقُتِلوا عن بكرة أبيهم ، ولم يقتل من المسلمين سوى رجلين ، فنعوذ بالله من تدبير يقود إلى تدمير . [3/120] وقوله : " فوحَّشوا برماحهم " ؛ أي : صيروها كالوحش بعيدة منهم ، وقد جاء في حديث آخر : " فوحّشوا بأسنَّتِهم ، واعتنق بعضهم بعضًا " . وهو مُشَدَّد الحاء ، يقال : وحّش الرجل ، إذا رمى بثوبه وبسلاحه مخافة أن يلحق ، قال الشاعر :
| فإن أنتم لم تطلبوا بأخيكم | | فذروا السلاح ، ووحِّشوا بالأبرق | وقوله : " وشجرهم الناس برماحهم " ؛ أي : داخلوهم وطاعنوهم . قال ابن دريد : تشاجر القوم بالرماح ، إذا تطاعنوا بها ، ومنه : التشاجر في الخصومة . وعبيدة السلماني - بفتح العين وكسر بائه - ، والسلماني - بفتح اللام وسكونها معًا ، وبالسكون وحده - ؛ ذكره الجبّائي قال : هو منسوب إلى سلمان . وقوله : " آلله الذي لا إله إلا هو " ؛ بمد وهمزة ، فالهمزة عوض من باء [3/121] القسم ، وهو قسم أُقسم عليه به ؛ لتزيد طمأنينة قلبه ، لا ليدفع شكًّا عن نفسه .
|
|
|