الحديث الثالث :
879 - ثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم "
.

وهذا الحديث إنما يدل على تخصيص المحتلمين بوجوب الغسل ، كما سبق ذكره في " باب : وضوء الصبيان وطهارتهم " .
وقد تقدم ما يدل على أن المأمورين بالغسل هم الآتون للجمعة ، فيستدل بذلك على اختصاص الإتيان للجمعة بمن بلغ الحلم ، دون من لم يبلغ .
وقد خرج النسائي من رواية عياش بن عباس ، عن بكير بن الأشج ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن حفصة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " رواح الجمعة واجب على كل محتلم " .
وهذا صريح بأن الرواح إنما يجب على المحتلم ، فيفهم منه أنه لا يجب على من لم يحتلم .
وخرجه أبو داود وابن حبان في " صحيحه " ، ولفظ أبي داود : " على كل محتلم رواح الجمعة ، وعلى كل من راح إلى الجمعة الغسل " .
وقد أعل ، بأن مخرمة بن بكير رواه عن أبيه ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير ذكر حفصة .
وهو أصح عند الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما ؛ فإن ابن عمر صرح بأنه سمع حديث الغسل من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن هل حديث مخرمة موافق لحديث [5/341] عياش في لفظه ، أم لا ؟

وقد سبق القول في وجوب الجمعة على من لم يحتلم من الصبيان في " باب : وضوء الصبيان " .
وحديث عمر وابن عمر فيهما التصريح بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغسل للجمعة ، وحديث أبي سعيد فيه التصريح بوجوبه .
وقد اختلف العلماء في غسل الجمعة : هل هو واجب - بمعنى : أنه يأثم بتركه مع القدرة عليه بغير ضرر - أم هو مستحب - فلا يأثم بتركه بحال - ؟ ولم يختلفوا أنه ليس بشرط لصحة صلاة الجمعة ، وأنها تصح بدونه ، ولهذا أقر عمر والصحابة من شهد الجمعة ولم يغتسل ، ولم يأمروه بالخروج للغسل .
وقد استدل - أيضا - بذلك الشافعي وغيره على أنه غير واجب ؛ لأنه لو كان واجبا لأمروه بالخروج له .
وأجاب بعضهم عن ذلك : بأنهم قد يكونوا خافوا عليه فوات الصلاة لضيق الوقت .
وأكثر العلماء على أنه يستحب ، وليس بواجب .
وذكر الترمذي في " كتابه " أن العمل على ذلك عند أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم .
وهذا الكلام يقتضي حكاية الإجماع على ذلك .
وقد حكي عن عمر وعثمان ، ومستند من حكاه عنهما : قصة عمر مع الداخل إلى المسجد ؛ فإنه قد وقع في رواية أنه كان عثمان ، وسنذكرها - إن شاء الله تعالى .
وممن قال : هو سنة : ابن مسعود .
وروي عن ابن عباس ، أنه غير واجب ، وعن عائشة وغيرهم من الصحابة ، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار : الثوري ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، [5/342] وأحمد - في ظاهر مذهبه - وإسحاق .
ورواه ابن وهب ، عن مالك ، وأنه قيل له : في الحديث : " هو واجب " ؟ قال ليس كل ما في الحديث : " هو واجب " يكون كذلك .
وهو اختيار عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره من أصحابه .
واستدل من قال : ليس بواجب : بما روي عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل " .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وحسنه .
وقد اختلف في سماع الحسن من سمرة
.
وخرجه ابن ماجه من حديث يزيد الرقاشي ، عن أنس - مرفوعا - أيضا .
ويزيد ، ضعيف الحديث
.
وفي " صحيح مسلم " ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ، وزيادة ثلاثة أيام " .
وهذا يدل على أن الوضوء كاف ، وأن المقتصر عليه غير آثم ولا عاص ، وأما الأمر بالغسل فمحمول على الاستحباب .
وقد روي من حديث عائشة وابن عباس ما يدل على ذلك ، وسيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى .
وأما رواية الوجوب ، فالوجوب نوعان : وجوب حتم ، ووجوب سنة وفضل .
وذهبت طائفة إلى وجوب الغسل ، وروي عن أبي هريرة ، والحسن ، وروي - أيضا - عن سعد ، وعمار ، وابن عباس - في رواية أخرى عنه - وعن عبد الرحمن [5/343] بن يزيد بن الأسود ، وعطاء بن السائب ، وعمرو بن سليم وغيرهم من المتقدمين .
وحكي رواية عن أحمد ، قال أحمد - في رواية حرب وغيره - : أخاف أن يكون واجبا ، إلا أن يكون برد شديد .
وهذا لا يدل على الوجوب جزما .
وهو رواية عن مالك ، ولم يذكر في " تهذيب المدونة " سواها .
وذكر ابن عبد البر : أنه لا يعلم أحدا قال : إنه يأثم بتركه ، غير أهل الظاهر ، وأن من أوجبه ، قال : لا يأثم بتركه .
وحكى - أيضا - الإجماع على أنه ليس بفرض واجب .
وذكر عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : غسل الجمعة واجب ؟ قال : نعم ، من تركه فليس بآثم .
قال عبد الرزاق : وهو أحب القولين إلى سفيان ، يقول : هو واجب .
يعني : وجوب سنة .
وذكر ابن عبد البر قولين للعلماء ، وذكر أنه أشهر الروايتين ، عن مالك .
والثاني : أنه مستحب وليس بسنة ، بل هو كالطيب والسواك ، وحكاه رواية عن مالك .
وحكى عن بعضهم : أن الطيب يغني عنه ، حكاه عن عطاء الخراساني ، وعن عبد الكريم بن الحارث المصري ، وعن موسى بن صهيب ، قال : كانوا يقولون ذلك .
وعن النخعي ، قال : ما كانوا يرون غسلا واجبا إلا غسل الجنابة ، وكانوا يستحبون غسل الجمعة .
[5/344] فابن عبد البر لم يثبت في وجوب غسل الجمعة - بمعنى كونه فرضا يأثم بتركه - اختلافا بين العلماء المعتبرين ، وإنما خص الخلاف في ذلك بأهل الظاهر .
والأكثرون : أطلقوا حكاية الخلاف في وجوب غسل الجمعة ، وحكوا القول بوجوبه عن طائفة من السلف ، كما حكاه ابن المنذر ، عن أبي هريرة وعمار ، وعن مالك - أيضا .
والذي ذكره ابن عبد البر هو التحقيق في ذلك - والله أعلم - وأن من أطلق وجوبه إنما تبع في ذلك ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من إطلاق اسم " الواجب " عليه ، وقد صرح طائفة منهم بأن وجوبه لا يقتضي الإثم بتركه ، كما حمل أكثر العلماء كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على مثل ذلك - أيضا .
وممن صرح بهذا : عطاء ، كما سبق ذكره عنه ، ومنهم : يحيى بن يحيى النيسابوري ، والجوزجاني .
وقد تبين بهذا أن لفظ " الواجب " ليس نصا في الإلزام بالشيء والعقاب على تركه ، بل قد يراد به ذلك - وهو الأكثر - وقد يراد به تأكد الاستحباب والطلب .
ولهذا قال إسحاق : إن كل ما في الصلاة فهو واجب ، وإن كانت الصلاة تعاد من ترك بعضه ، كما سبق ذكره عنه .
وسبق - أيضا - عن الشافعي وأحمد في لفظ : " الفرض " ما يدل على نحو ذلك ، فالواجب أولى ؛ لأنه دون الفرض .
ونص الشافعي - في رواية البويطي - على أن صلاة الكسوف ليست بنفل ، ولكنها واجبة وجوب السنة .
وهذا تصريح منه بأن السنة المتأكدة تسمى " واجبا " . والله أعلم .