[5/349] 4 - باب فضل الجمعة
881 - ثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ، ثم راح فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر "
.

قوله : " من اغتسل يوم الجمعة ، ثم راح " يدل على أن الغسل المستحب للجمعة أوله طلوع الفجر ، وآخره الرواح إلى الجمعة ، فإن اغتسل قبل دخول يوم الجمعة لم يأت بسنة الغسل ، كما لو اغتسل بعد صلاة الجمعة .
وممن قال : لا يصيب السنة بالغسل للجمعة قبل طلوع الفجر : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأكثر العلماء .
وروي معناه عن ابن عمر .
خرجه حرب الكرماني بإسناد فيه نظر .
وأجازه الأوزاعي ، وهذا الحديث حجة عليه ، وكذلك حديث أبي سعيد المتقدم : " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " .
وحكي عن أحمد ما يدل على صحته سحرا - أيضا .
وروي عن الشعبي ومجاهد ، وهو وجه للشافعية - أيضا - وقول يحيى بن [5/350] يحيى النيسابوري .
وقوله : " غسل الجنابة " في تأويله قولان :
أحدهما : أن المراد به : تعميم بدنه بالغسل ، كما يعمه بغسل الجنابة .
ويشهد لذلك : الحديث الآخر الذي فيه : " فيغسل رأسه وجسده " .
فيكون المعنى : اغتساله للجمعة كاغتساله للجنابة ، في المبالغة وتعميم البدن بالماء ، وهذا قول أكثر الفقهاء من الشافعية وغيرهم .
والثاني : أن المراد به : غسل الجنابة حقيقة ، وأنه يستحب لمن له زوجة أو أمة أن يطأها يوم الجمعة ، ثم يغتسل ، وهذا هو المنصوص عن أحمد ، وحكاه عن غير واحد من التابعين ، منهم : هلال بن يساف ، وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهما .
وروي عن عبد الرحمن بن الأسود ، قال : كان يعجبهم أن يواقعوا النساء يوم الجمعة ؛ لأنهم قد أمروا أن يغتسلوا ، وأن يغسلوا .
وقول طائفة من الشافعية ، وحملوا عليه - أيضا - حديث أوس بن أوس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من غسل يوم الجمعة واغتسل " - الحديث .
وقالوا : المراد : من اغتسل بنفسه وغسل من يطؤه من زوجة أو أمة .
فعلى هذا : يستدل بالحديث على أن من عليه غسل الجنابة ، فاغتسل للجنابة يوم الجمعة ، فإنه يجزئه عن غسل الجمعة ، وسواء نوى به الجمعة ، أو لم ينو .
أما إن نواهما بالغسل ، فإنه يحصل له رفع حدث الجنابة وسنة غسل الجمعة بغير خلاف بين العلماء ، روي ذلك عن ابن عمر ، وتبعه جمهور العلماء .
وللشافعية وجه ضعيف : لا يجزئه عنهما ، وقاله بعض الظاهرية .
[5/351] وحكي عن مالك ، وقيل : إنه لا يصح عنه ، إنما قاله بعض المتأخرين من أصحابه ، وقد ذكر ذلك للإمام أحمد عن مالك فأنكره .
وأما إن نوى بغسله الجنابة خاصة ، فإنه يرتفع حدثه من الجنابة .
وهل يحصل له سنة الاغتسال للجمعة ؟ على قولين : أشهرهما : لا يحصل له ، وروي عن أبي قتادة الأنصاري صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله صلى الله عليه وسلم : " الأعمال بالنيات ، وإنما لامرئ ما نوى " ، وهو المشهور عن مالك ، وروي نحوه عن الأوزاعي ، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي وأحمد ، ونص عليه أحمد في رواية الشالنجي .
والثاني : يحصل له غسل الجمعة بذلك ، وهو أحد قولي الشافعي ، وقول أشهب المالكي ، وهو نص الشافعي ، وقول أبي حنيفة وإسحاق ، مع كون أبي حنيفة يعتبر النية لنقل الطهارة ، وحكاه ابن عبد البر ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والشافعي والليث بن سعد والطبري ، وهو أحد الوجهين لأصحابنا .
وأما إن نوى الجنب غسل الجمعة ، ولم ينو غسل الجنابة ، فهل يرتفع حدث الجنابة بذلك ؟ فيه قولان للشافعي ، وروايتان عن أحمد .
ومن أصحابنا من رجح : أنه لا يرتفع ، لأن غسل الجنابة ليس سببه الحدث ؛ ولهذا يشرع للطاهر .
وعلى هذا : فهل يحصل له به سنة غسل الجمعة مع بقاء غسل الجنابة عليه ؟ فيه وجهان لأصحابنا والشافعية ، أصحهما : أنه يحصل له ذلك .
واختلف أصحاب مالك : هل يرتفع حدثه بنية غسل الجمعة ؟
فقال ابن القاسم : لا يجزئه ، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك .
وقال أشهب وابن وهب والأكثرون منهم : يجزئه : وهو قول المزني .
[5/352] وقوله : " ثم راح " يدل على أنه لا تحصل سنة الاغتسال للجمعة إلا قبل صلاة الجمعة ، وأنه لو اغتسل بعد الصلاة في بقية اليوم لم يكن آتيا بفضيلة الغسل المأمور به ، وقد حكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك .
وأظن بعض الظاهرية يخالف فيه ، ويزعم أن الغسل لليوم لا للصلاة ، ولا يعبأ بقوله في ذلك .
ويدل على أنه يحصل المقصود بالغسل ، وإن اغتسل أول نهار الجمعة إذا كان الرواح متعقبا له .
فإن لم يتعقبه الرواح ، بل أخر الرواح إلى بعده ، فقال أكثر العلماء : تحصل له - أيضا - سنة الغسل ، وقالوا : " ثم " تقتضي التراخي ، فيصدق ذلك بأن يؤخر الرواح إلى الزوال .
وتأخير الغسل إلى حين الرواح أفضل ، نص عليه أحمد وغيره .
وذهب طائفة إلى أنه لا تحصل له فضيلة الغسل إلا بأن يتعقبه الرواح ، وهو قول مالك ، وحكاه الطحاوي ، عن الأوزاعي ، وهو يخالف قوله المشهور عنه : أن الغسل للجمعة يجزئ من الليل ، كما تقدم .
ومذهب مالك في ذلك ، أنه لا يجزئ الغسل إلا متصلا بالرواح ، فإن اغتسل وراح ، ثم أحدث أو خرج من المسجد إلى موضع قريب ، لم ينتقض غسله ، وإن تباعد أو تغدى أو نام انتقض غسله وأعاده ، ذكره في " تهذيب المدونة " .
واستدلوا بقوله : " إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل " .
ويجاب عنه : بأن هذا كقوله تعالى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الآية ، المراد : أنه يتضيق الوجوب على القائم للصلاة ، فكذلك يتضيق وقت الغسل على الآتي إلى الجمعة .
فأما إن كان قد فعله قبل ذلك فإنه يجزئه ، ولا إعادة عليه عند قيامه ورواحه ، [5/353] كمن أدى الدين الواجب عليه قبل تضايق وقت أدائه ، فإنه لا يؤمر بأدائه مرة أخرى بعد ذلك .
ولو اغتسل للجمعة ثم انتفض وضوؤه ، فهل يستحب له إعادته ، أم يكفيه الوضوء ؟ فيه قولان :
أحدهما : يكفيه الوضوء ، وهو قول عبد الرحمن بن أبزى والحسن ومجاهد ومالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد .
والثاني : أنه يعيد غسله ، وهو قول طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير .
وروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن إبراهيم التيمي ، قال : كانوا يحبون لمن اغتسل يوم الجمعة أن لا يكون بينه وبين الجمعة حدث . قال : وكانوا يقولون : إذا أحدث بعد الغسل عاد إلى حاله التي كان عليها قبل أن يغتسل .
وعن أبي يوسف ، أنه بنى هذا الاختلاف على أن الغسل هل هو لليوم أو للصلاة ، فمن قال : إنه لليوم قال : يجزئه غسله ، ومن قال : إنه للصلاة قال : يعيده ؛ لأنه إذا توضأ فإنما شهد الصلاة بوضوء لا بغسل .
وخالف الأكثرون في ذلك ، وقالوا : بل شهد الصلاة بغسل ، لأن الحدث الموجب للوضوء ليس منافيا للغسل ، وحصول النظافة به .
ولو أحدث حدثا موجبا للغسل ، مثل أن أجنب ، فحكي عن الأوزاعي ، أنه يعيد غسل الجمعة - أيضا - ؛ لأنه قد أتى بما يبطل الغسل .
وعن الجمهور خلافه ؛ لأنه إنما أتى بما يوجب غسل الجنابة ، فيكتفى به ، ولا حاجة إلى إعادته لغسل الجمعة .
وقوله : " ثم راح فكأنما قرب بدنة " المراد : راح في الساعة الأولى ؛ بدليل [5/354] قوله : " ومن راح في الساعة الثانية " .
وقد خرجه مالك في " الموطأ " ، عن سمي بهذا الإسناد ، وفيه التصريح بذكر الساعة الأولى .
وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الساعات : هل هي من أول النهار ، أو بعد زوال الشمس ؟ على قولين :
أحدهما : أن المراد بها آخر الساعة التي بعد زوال الشمس ؛ لأن حقيقة الرواح إنما تكون بعد الزوال ، والغدو يكون قبله ، كما قال تعالى : غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ
واستدلوا - أيضا - بالحديث الآخر : " المهجر إلى الجمعة كالذي يهدي بدنة " ، فجعل البدنة بالتهجر ، والتهجير إنما هو الإتيان بالهاجرة ، وإنما يكون ذلك بعد الزوال .
هذا تأويل مالك وأكثر أصحابه ، ووافقهم طائفة من الشافعية على ذلك .
والقول الثاني : أن المراد بالساعات من أول النهار ، وهو قول الأكثرين .
ثم اختلفوا : هل أولها من طلوع الفجر ، أو من طلوع الشمس ؟
فقالت طائفة : أولها من طلوع الفجر ، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد .
واستدلوا بقوله : " إذا كان يوم الجمعة ، كان على أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس الأول فالأول " - الحديث ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى .
وظاهره : أن ذلك يكون بعد طلوع الفجر .
وقالت طائفة : أولها من طلوع الشمس ، وحكي عن الثوري وأبي حنيفة [5/355] ومحمد بن إبراهيم البوشنجي ، ورجحه الخطابي وغيره ، لأن ما قبله وقت للسعي إلى صلاة الفجر .
ورجح هذا القول عبد الملك بن حبيب المالكي .
وهؤلاء حملوا الساعات على ساعات النهار المعهودة ، وهو الظاهر المتبادر إلى الفهم .
وأما ذكر الرواح ، فعنه جوابان :
أحدهما : أنه لما كان آخر الساعات بعد الزوال ، وهو رواح حقيقي ، سميت كلها رواحا ، كما يسمى الخارج للحج والجهاد حاجا وغازيا قبل تلبسه بالحج والغزو ؛ لأن أمره ينتهي إلى ذلك .
والثاني : أن الرواح هنا أريد به القصد والذهاب ، مع قطع النظر عن كونه قبل الزوال أو بعده .
قال الأزهري وغيره : الرواح والغدو عند العرب يستعملان في السير ، أي وقت كان من ليل أو نهار ، يقال : راح في أول النهار وآخره ، وغدا بمعناه .
وأما التهجير ، فيجاب عنه ، بأنه استعمل في هذا المعنى بمعنى التبكير - أيضا - لا بمعنى الخروج في الهاجرة .
وقيل : إنه ليس من الهاجرة ، بل من الهجرة ، والمراد بها : هجر الأعمال الدنيوية للسعي إلى الجمعة .
وقد دل على استحباب التبكير من أول النهار حديث أوس بن أوس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من اغتسل يوم الجمعة وغسل ، وبكر وابتكر ، ودنا واستمع ، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها " .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان [5/356] في " صحيحه " .
وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ .

وله طرق متعددة ، قد ذكرناها في " شرح الترمذي " .
وفي رواية للنسائي : " وغدا وابتكر " .
وفي بعض رواياته : " ومشى ولم يركب " .
وظاهر الحديث : يدل على تقسيم يوم الجمعة إلى اثنتي عشرة ساعة ، وأن الخطبة والصلاة يقعان في السادسة منها .
ومتى خرج الخطيب طوت الملائكة صحفها ، ولم يكتب لأحد فضل التبكير ، وهذا يدل على أنه بعد الزوال لا يكتب لأحد شيء من فضل التبكير إلى الجمعة بالكلية .
وظاهر الحديث : يدل على تقسيم نهار الجمعة إلى اثنتي عشرة ساعة مع طول النهار وقصره ، فلا يكون المراد به الساعات المعروفة من تقسيم الليل والنهار إلى أربعة وعشرين ساعة ؛ فإن ذلك يختلف باختلاف طول النهار وقصره .
ويدل على هذا : حديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة ، لا يوجد مسلم يسأل الله شيئا إلا آتاه إياه ، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر " .
خرجه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقات
.
وظاهره يدل على أن ساعة الإجابة جزء من هذه الأجزاء الاثني عشر المتساوية في جميع فصول السنة .
وزعم بعض الشافعية : أنه ليس المراد بالساعات في التبكير الأربع والعشرون ، بل ترتيب الدرجات ، وفضل السابق على الذي يليه ، لئلا [5/357] يستوي في الفضيلة رجلان جاءا في طرفي ساعة .
ورد ذلك آخرون منهم ، وقالوا : من جاء في أول ساعة من هذه الساعات وآخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو الكبش مثلا ، ولكن بدنة الأول أو بقرته أكمل مما للذي جاء في آخرها ، وبدنة المتوسط متوسطة .
وهذا هو الأقرب ، وعليه يحمل الحديث الذي خرجه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا كان يوم الجمعة فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة ، ثم غدا في أول ساعة ، فله من الأجر مثل الجزور ، وأول الساعة وآخرها سواء " - وذكر مثل ذلك في الثانية ، والثالثة ، والرابعة ، يقول : " أولها وآخرها سواء " ، وزاد في آخر الحديث : " ثم غفر له إذا استمع وأنصت ما بين الجمعتين ، وزيادة ثلاثة أيام " .
وفي هذه الرواية : ذكر الغدو إلى الجمعة ، والغدو يكون من أول النهار .
وقوله : " فكأنما قرب بدنة ، فكأنما قرب بقرة " - إلى آخره - يدل على أن أفضل ما يتقرب به من الهدايا البدن ، ثم البقر ، ثم الغنم ، وهو قول الجمهور ، خلافا لمالك ، ويذكر في موضع آخر مستوفى - إن شاء الله تعالى .
ويدل - أيضا - على أن الجمعة فيها شبه من الحج ، وقد روي في حديث ضعيف : " الجمعة حج المساكين " .
قال ابن المسيب : شهود الجمعة أحب إلي من حجة نافلة .
وخرج البيهقي من حديث سهل بن سعد - مرفوعا - : " إن لكم في كل جمعة حجة وعمرة ، فالحجة التهجير للجمعة ، والعمرة انتظار العصر بعد الجمعة " .
[5/358] وقال : هو ضعيف
.
وقد روي : " إن المؤمن يصبح يوم الجمعة كالمحرم ، فلا يأخذ من شعره ، ولا من أظفاره حتى يصلي " .
وقد حكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنهما كرها أن يجعل يوم الجمعة ميقاتا لأخذ الشعر والظفر ، واستدل لهما بهذا الحديث .
وقد روي من حديث علي - مرفوعا - : أن ذلك يكون يوم الخميس ، وإسناده لا يصح .
واستحب بعض أصحابنا فعله يوم الخميس ؛ لذلك .
والحديث الذي ذكر فيه الإحرام ، هو بإسناد مجهول ، عن أبي معشر ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا - : " يصبح الرجل محرما يوم الجمعة ، فلا يحل حتى يصلي ، فإذا جلس في مكانه حتى يصلي العصر رجع بحجة وعمرة " .
وهو منكر ، لا يصح
.
قال البيهقي : قد روي عن ابن عباس - مرفوعا - في " المؤمن يوم الجمعة كهيئة المحرم ، لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى تنقضي الصلاة " ، وعن ابن عمر - مرفوعا - : " المسلم يوم الجمعة محرم ، فإذا صلى فقد أحل " ، فإنما رويا عنهما بإسنادين ضعيفين ، لا يحتج بمثلهما .
قال : وفي الرواية الصحيحة عن ابن عمر من فعله دليل على ضعف ما خالفه .
وروي من طريق ابن وهب ، بإسناد صحيح ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يقلم أظفاره ويقص شاربه في كل جمعة .
[5/359] قال : وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ - مرسلا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستحب أن يأخذ من شاربه وأظفاره يوم الجمعة .
وروى بإسناده ، عن معاوية بن قرة قال : كان لي عمان قد شهدا الشجرة ، يأخذان من شواربهما وأظفارهما كل جمعة .
وخرج البزار في " مسنده " والطبراني من رواية إبراهيم بن قدامة ، عن الأغر ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة ، قبل أن يخرج إلى الصلاة .
قال البزار : لم يتابع إبراهيم بن قدامة عليه ، وهو إذا انفرد بحديث لم يكن حجة ؛ لأنه ليس بمشهور
.
قلت : وقد روي عنه ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
قال ابن أبي عاصم : أحسب هذا - يعني : عبد الله بن عمرو - رجلا من بني جمح ، أدخله يعقوب بن حميد بن كاسب في " مسند قريش " في الجمحيين .
يشير إلى أنه ليس ابن العاص .
وكذا ذكر ابن عبد البر ، وزاد أن في صحبته نظرا .
وفي الباب - أيضا - من حديث ابن عباس وعائشة وأنس ، أحاديث مرفوعة ، ولا تصح أسانيدها .
وقال راشد بن سعد : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون : من اغتسل يوم الجمعة واستاك وقلم أظفاره ، فقد أوجب .
خرجه حميد بن زنجويه .
وممن استحب ذلك : النخعي .
[5/360] قال مكحول : من قص شاربه وأظفاره يوم جمعة لم يمت من الماء الأصفر .
وقال حميد الحميري : من قص أظفاره يوم الجمعة أخرج الله منه الداء ، وأدخل فيه الشفاء .
وكان الإمام أحمد يفعله .
واستحبه أصحاب الشافعي وغيرهم ؛ فإنه من كمال التنظف والتطهر المشروع في يوم الجمعة ، فيكون مستحبا فيه ، كالطيب والدهن ، والمحرم بخلاف ذلك .
ويشهد لذلك : ما خرجه ابن حبان في " صحيحه " من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من فطرة الإسلام : الغسل يوم الجمعة ، والاستنان ، وأخذ الشارب ، وإعفاء اللحى ؛ فإن المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها ، فخالفوهم ، خذوا شواربكم وأعفوا لحاكم " .
فقرن أخذ الشارب بغسل يوم الجمعة والاستنان ، وقد صح الأمر بالاستنان في يوم الجمعة - أيضا .