[5/403] 15 - باب
من أين تؤتى الجمعة ، وعلى من تجب ؟
لقول الله عَزَّ وَجَلَّ : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله .
وقال عطاء : إذا كنت في قرية جامعة ، فنودي بالصلاة من يوم الجمعة ، فحق عليك أن تشهدها ، سمعت النداء أو لم تسمعه .
وكان أنس بن مالك في قصره ، أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع ، وهو بالزاوية على فرسخين
.

تضمن هذا الذي ذكره مسألتين :
إحداهما : أن من هو في قرية تقام فيها الجمعة ، فإنه إذا نودي فيها بالصلاة للجمعة وجب عليه السعي إلى الجمعة ، وشهودها ، سواء سمع النداء أو لم يسمعه ، وقد حكاه عن عطاء .
وهذا الذي في القرية ، إن كان من أهلها المستوطنين بها ، فلا خلاف في لزوم السعي إلى الجمعة له ، وسواء سمع النداء أو لم يسمع ، وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد ، ونقل بعضهم الاتفاق عليه .
وإن كان من غير أهلها ، فإن كان مسافرا يباح له القصر ، فأكثر العلماء على أنه لا يلزمه الجمعة مع أهل القرية ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن المسافر لا جمعة عليه .
وحكي عن الزهري والنخعي ، أنه يلزمه تبعا لأهل القرية .
وروي عن عطاء - أيضا - أنه يلزمه .
وكذا قال الأوزاعي : إن أدركه الأذان قبل أن يرتحل فليجب .
[5/404] وإن كان المسافر قد نوى إقامة بالقرية تمنعه من قصر الصلاة ، فهل يلزمه الجمعة ؟ فيه وجهان لأصحابنا .
وأوجب عليه الجمعة في هذه الحال : مالك وأبو حنيفة ، ولم يوجبها عليه الشافعي وأصحابه .
المسألة الثانية :
أن من كان خارج القرية أو المصر الذي تقام فيه الجمعة ، هل تلزمه الجمعة مع أهل القرية أو المصر ، أم لا ؟ هذا مما اختلف فيه العلماء :
فقالت طائفة : لا تلزم من كان خارج المصر أو القرية الجمعة مع أهله بحال ، إذا كان بينهم وبين المصر فرجة ، ولو كانوا من ربض المصر .
وهذا قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه ، إلحاقا لهم بأهل القرى ، فإن الجمعة لا تقام عندهم في القرى .
وقال أكثر أهل العلم : تلزمهم الجمعة مع أهل المصر أو القرية ، مع القرب دون البعد .
ثم اختلفوا في حد ذلك : فقالت طائفة : المعتبر : إمكان سماع النداء ، فمن كان من موضع الجمعة بحيث يمكنه سماع النداء لزمه ، وإلا فلا . هذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق .
واستدلوا بظاهر قول الله تعالى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ
وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وعمرو بن شعيب .
وروي عن أبي أمامة الباهلي - معناه .
[5/405] وخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " الجمعة على من سمع النداء " .
وروي موقوفا ، وهو أشبه
.
وروى إسماعيل ، عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن عبيد الله بن كعب بن مالك ، عن أبيه - يرفعه - قال : " لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ، ثم لا يشهدونها ، أو ليطبعن الله على قلوبهم ، وليكونن من الغافلين ، أو ليكونن من أهل النار " .
عبد العزيز هذا ، شامي تكلموا فيه
.
وقالت طائفة : تجب الجمعة على من بينه وبين الجمعة فرسخ ، وهو ثلاثة أميال ، وهو قول ابن المسيب والليث ومالك ومحمد بن الحسن ، وهو رواية عن أحمد .
ومن أصحابنا من قال : لا فرق بين هذا القول والذي قبله ، لأن الفرسخ هو منتهى ما يسمع فيه النداء - غالبا - فإن أحمد قال : الجمعة على من سمع النداء ، والنداء يسمع من فرسخ ، وكذلك رواه جماعة عن مالك ، فيكون هذا القول والذي قبله واحدا .
وخرج الخلال من رواية مندل ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " عسى أحدكم أن يتخذ الصبة على رأس ميلين أو ثلاثة ، تأتي عليه الجمعة لا يشهدها ، ثم تأتي الجمعة لا يشهدها [5/406] - ثلاثا - فيطبع على قلبه " .
مندل ، فيه ضعف .
وخرج الطبراني نحوه من حديث ابن عمر - مرفوعا .
وفي إسناده : إبراهيم بن يزيد الخوزي ، وهو ضعيف .

وروى معدي بن سليمان ، عن ابن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين ، فيتعذر عليه الكلأ ، فيرتفع ، ثم تجيء الجمعة ، فلا يجيء ولا يشهدها ، وتجيء الجمعة ، فلا يشهدها ، وتجيء الجمعة ، فلا يشهدها حتى يطبع على قلبه " .
خرجه ابن ماجه .
وخرجه أبو بكر النجاد وابن عبد البر ، وفي روايتهما : " ميلين أو ثلاثة " .
ومعدي هذا ، تكلم فيه أبو زرعة وغيره ، وقال أبو حاتم : شيخ .

وقالت طائفة : تجب الجمعة على من بينه وبينها أربعة أميال ، وروي عن ابن المنكدر والزهري وعكرمة وربيعة .
وروي عن الزهري - أيضا - تحديده بستة أميال ، وهي فرسخان .
وروي عن أبي هريرة ، قال : تؤتى الجمعة من فرسخين .
خرجه ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف .

وروى عبد الرزاق بإسناد منقطع ، عن معاذ ، أنه كان يقوم على منبره ، فيقول لقوم بينهم وبين دمشق أربع فراسخ وخمس فراسخ : إن الجمعة لزمتكم ، [5/407] وأن لا جمعة إلا معنا .
وبإسناد منقطع ، عن معاوية ، أنه كان يأمر بشهود الجمعة من بينه وبين دمشق أربعة عشر ميلا .
وقال بقية : عن محمد بن زياد : أدركت الناس بحمص تبعث الخيل نهار الخميس إلى جوسية وحماة والرستن يجلبون الناس إلى الجمعة ، ولم يكن يجمع إلا بحمص .
وعن عطاء ، أنه سئل : من كم تؤتى الجمعة ؟ قال : من سبعة أميال .
وعنه ، قال : يقال : من عشرة أميال إلى بريد .
وعن النخعي ، قال : تؤتى الجمعة من فرسخين .
وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، أنه أمر أهل قباء ، وأهل ذي الحليفة ، وأهل القرى الصغار حوله : لا يجمعوا ، وأن يشهدوا الجمعة بالمدينة .
وعن ربيعة - أيضا - أنه قال : تجب الجمعة على من إذا نودي بصلاة الجمعة خرج من بيته ماشيا أدرك الجمعة .
وقالت طائفة : تجب الجمعة على من آواه الليل إلى منزله .
قال ابن المنذر : روي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس والحسن ونافع مولى ابن عمر ، وكذلك قال عكرمة والحكم وعطاء والأوزاعي وأبو ثور . انتهى .
وهو قول أبي خيثمة زهر بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي .
وحكى إسماعيل بن سعيد الشالنجي ، عن أحمد نحوه ، واختاره الجوزجاني .
وفيه حديث مرفوع ، من حديث أبي هريرة .
[5/408] وقد ذكره الترمذي ، وبين ضعف إسناده ، وأن أحمد أنكره أشد الإنكار
.
وفيه - أيضا - عن عائشة ، وإسناده ضعيف .
وفيه - أيضا - من مراسيل أبي قلابة ، وفي إسناده ضعف .
وقالت طائفة : تؤتى الجمعة من فرسخين ، قاله النخعي وإسحاق ، نقله عنه حرب .
لكنهما لم يصرحا بوجوب ذلك ، وقد تقدم نحوه عن غير واحد .
وخرج حرب من طريق ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أنه كان يجمع من الزاوية ، وهي فرسخان .
وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ثابت ، عن أنس ، أنه كان يكون بينه وبين البصرة ثلاثة أميال ، فيشهد الجمعة بالبصرة .
وقد ذكر البخاري عنه ، أنه كان أحيانا لا يجمع .
وكذلك روي عن أبي هريرة ، أنه كان بالشجرة - وهي ذو الحليفة - فكان أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع .
وقد روي عنه الأمران جميعا .
وكذلك سعد بن أبي وقاص ، كان في قصره بالعقيق ، فكان أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع ، وكان بينه وبين المدينة سبعة أميال أو ثمانية . وكذلك روي عن عائشة بنت سعد ، أن أباها كان يفعل .