[5/439] 19 - باب
لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة
910 - ثنا عبدان ، أنا عبد الله ، أنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، [عن أبيه] ، عن ابن وديعة ، عن سلمان الفارسي ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من اغتسل يوم الجمعة ، وتطهر بما استطاع من طهر ، ثم ادهن أو مس من طيب ، ثم راح ولم يفرق بين اثنين ، فصلى ما كتب له ، ثم إذا خرج الإمام أنصت ، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى "
.

التفريق بين اثنين يدخل فيه شيئان :
أحدهما : أن يتخطاهما ويتجاوزهما إلى صف متقدم .
وقد خرج أبو داود نحو هذا الحديث من حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه : " ولم يتخط رقاب الناس " .
ومن حديث عبد الله بن عمرو - أيضا - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وخرجه الإمام أحمد من حديث أبي أيوب ، ومن حديث نبيشة الهذلي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي حديثهما : " ولم يؤذ أحدا " .
ومن حديث أبي الدرداء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي حديثه : " ولم يتخط [5/440] أحدا ، ولم يؤذه " .
وقد تقدم حديث عبد الله بن بسر ، قال : جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اجلس ، فقد آذيت " .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .
وخرجه ابن ماجه من حديث جابر .
وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث زبان بن فائد ، من حديث سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم " .
وزبان ، مختلف في أمره .
ورواه عنه ابن لهيعة ورشدين بن سعد .
وخرج الإمام أحمد من حديث أرقم بن الأرقم المخزومي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " الذي يتخطى الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه إلى النار " .
وفي إسناده : هشام بن زياد أبو المقدام ، ضعفوه ، وقد اختلف عليه في إسناده .

وأكثر العلماء على كراهة تخطي الناس يوم الجمعة ، سواء كان الإمام قد خرج أو لم يخرج بعد .
[5/441] وقالت طائفة : لا يكره التخطي إلا بعد خروجه ، كما دل عليه حديث الأرقم ، منهم : الثوري ، ومالك ، والأوزاعي - في رواية - ومحمد بن الحسن .
وذكر مَالِكٌ ، عن أبي هريرة ، قال : لأن يصلي أحدكم بظهرة الحرة خير له من أن يقعد حتى إذا قام الإمام يخطب جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة .
فإن وجد فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي ، ففيه قولان :
أحدهما : يجوز له التخطي حينئذ ، وهو قول الحسن ، وقتادة ، والأوزاعي والشافعي ، وكذا قال مالك في التخطي قبل خروج الإمام ، وكذا روى معمر ، عن الحسن وقتادة .
والثاني : أنه يكره ، وهو قول عطاء ، والثوري .
وعن أحمد روايتان في ذلك ، كالقولين .
وعنه رواية ثالثة : إن كان يتخطى واحدا أو اثنين جاز ، وإن كان أكثر كره .
وحمل بعض أصحابنا رواية الجواز عن أحمد على ما إذا كان الجالسون قد جلسوا في مؤخر الصفوف ، وتركوا مقدمها عمدا ، ورواية الكراهة على ما إذا لم يكن منهم تفريط .
وفي كلام الأوزاعي وغيره ما يدل على مثل هذا - أيضا - وكذلك قال الحسن ، قال : لا حرمة لهم .
ومتى احتاج إلى التخطي لحاجة لا بد منها من وضوء أو غيره ، أو لكونه لا يجد موضعا للصلاة بدونه ، أو كان إماما لا يمكنه الوصول إلى مكانه بدون التخطي ، لم يكره .
[5/442] وقد سبق حديث عقبة بن الحارث في قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - من صلاته مسرعا ، يتخطى رقاب الناس .
وكذا لو ضاق الموضع وآذتهم الشمس ، فلهم - إذا أقيمت الصلاة - أن يشقوا الصفوف ويدخلوا لأذى الشمس ، نص عليه أحمد في رواية الأثرم .
وحكى ابن المنذر ، عن أبي نضرة : جواز تخطيهم بإذنهم ، وعن قتادة : يتخطاهم إلى مجلسه .
ثم قال ابن المنذر : لا يجوز شيء من ذلك عندي ، لأن الأذى يحرم قليلة وكثيرة ، وهذا أذى ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اجلس ، فقد آذيت " .
فظاهر كلامه : تحريمه بكل حال ، والأكثرون جعلوا كراهته كراهة تنزيه .
ومتى كان بين الجالسين فرجة ، بحيث لا يتخطاهما ، جاز له أن يمشي بينهما ، فإن تماست ركبهما بحيث لا يمشي بينهما إلا بتخطي ركبهما كره له ذلك ، فإن كانا قائمين يصليان ، فمشى بينهما ولم يدفع أحدا ، ولم يؤذه ، ولم يضيق على أحد جاز ، وإلا فلا .
قال ذلك كله عطاء - : ذكره عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عنه .
الثاني - مما يدخل في التفريق بين اثنين - :
الجلوس بينهما إن كانا جالسين ، أو القيام بينهما أن كانا قائمين في صلاة .
فإن كان ذلك من غير تضييق عليهما ولا دفع ولا أذى ، مثل أن يكون بينهما فرجة ، فإنه يجوز ، بل يستحب ، لأنه مأمور بسد الخلل في الصف ، وإلا فهو منهي عنه ، إلا أن يأذنا في ذلك .
وروى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين ، إلا بإذنهما " .
[5/443] خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي .
وقال : حديث حسن .

فإن كان الجالسان بينهما قرابة ، أو كانا يتحدثان فيما يباح ، كان أشد كراهة .
وفي " مراسيل أبي داود " ، عن المطلب بن حنطب ، قال : سمعت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يفرق بين الرجل ووالده " .
وخرجه الطبراني من حديث سهل بن سعد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يجلس الرجل بين الرجل وأبيه في المجلس " .
وفي إسناده نظر .

وروي عن ابن عمر - مرفوعا ، وموقوفا - : " إذا كان اثنان يتناجيان فلا يدخل بينهما إلا بإذنهما " .
قال الإمام أحمد في الرجل ينتهي إلى الصف وقد تم فيدخل بين رجلين : إن علم أنه لا يشق عليهم .
قال القاضي أبو يعلى : إن شق عليهم لم يجز ؛ لأن فيه أذية لهم ، وشغلا لقلوبهم .