[5/533] 39 - باب
الصلاة بعد الجمعة وقبلها
937 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين ، وبعد المغرب ركعتين في بيته ، وبعد العشاء ركعتين ، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين
.

وقد خرجه في " أبواب صلاة التطوع " من طرق أخرى عن نافع ، ومن طريق سالم ، عن أبيه ، والمعنى متقارب .
وقد دل هذا الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي بعد الجمعة في المسجد شيئا ، وأنه كان ينصرف إلى بيته ، فيصلي ركعتين .
فتضمن ذلك : استحباب شيئين : أحدهما : صلاة ركعتين بعد الجمعة . والثاني : أن تكون في البيت .
وقد كان ابن عمر يفعله بالمدينة ، يرجع إلى بيته فيصلي ركعتين ، وكان ينهى عن صلاتهما في المسجد ، ويقول لمن يفعله : صلى الجمعة أربعا ، وكان إذا كان بمكة يتقدم من موضع صلاته ، فيصلي ركعتين ، ثم ينتقل عنه فيصلي أربعا .
وفي " صحيح مسلم " عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا " .
[5/534] وفي رواية له : قال سهيل : فإن عجل بك شيء فصل ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت .
وقد وقع في غير مسلم هذا الكلام عن سهيل من قوله .
وقد اختلف العلماء في الجمع بين حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة .
فقالت طائفة : هو مخير بين أن يصلي ركعتين وأربعا ، عملا بكل واحد من الحديثين ، وهو قول أحمد - في رواية عنه .
وظاهره : أنه لا فضل لأحدهما على الآخر .
وروي عنه ، أنه قال : يصلي ركعتين ولا يعيب على من صلى أربعا ؛ لحديث أبي هريرة .
وظاهره : أن الأفضل الأخذ بحديث ابن عمر ؛ لأنه أثبت إسنادا .
وقالت طائفة : يجمع بينهما ، فيصلي ستا ، نقله إبراهيم الحربي ، عن أحمد ، وقال : يجمع بينهما على وجه ، بين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله .
ونقل عنه ابن هانئ ، قال : يصلي ستا ؛ لأمر علي بن أبي طالب بذلك .
وهذا مأخذ آخر .
وقالت طائفة : يجمع بينهما على وجه آخر ، فإن صلى في المسجد صلى أربعا ، وإن صلى في بيته صلى ركعتين ، وهو قول إسحاق ، واستدل - أيضا - بقول عمر وابن مسعود . ولا يصلي ركعتين بعد مكتوبة مثلها .
قال : فإذا صلى في المسجد ركعتين ، فقد صلى بعد المكتوبة مثلها ، فيصلي أربعا ، وأما إذا صلى في بيته ركعتين ؛ فإن المشي إلى بيته فاصل بين المكتوبة وغيرها .
وقالت طائفة : يجمع بينهما على وجه آخر ، وهو أن الإمام يصلي في بيته [5/535] ركعتين ، والمأموم يصلي أربعا في المسجد ، وهذا قول أبي خيثمة زهير بن حرب وأبي إسحاق الجوزجاني . وتبويب النسائي يدل عليه أيضا .
وكان علي بن أبي طالب يأمر بصلاة ست ركعات بعد الجمعة .
وكان ابن مسعود يأمر بأربع .
قال عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي : علمنا عبد الله بن مسعود أن نصلي بعد الجمعة أربعا ، ثم جاء علي بن أبي طالب ، فعلمنا أن نصلي ستا .
وكان عمران بن حصين يصلي بعد الجمعة أربعا .
وروي عن علي من وجه آخر منقطع
.
وعن أبي موسى الأشعري ، أنه كان يصلي ستا .
وكان الحسن يصلي ركعتين ، ومسروق يصلي ركعتين ، ثم أربعا .
ونص الشافعي في " الأم " ، أنه يصلي بعد الجمعة أربعا .
وحكى الترمذي ، عنه ، أنه يصلي ركعتين .
وقد تقدم عن ابن عمر ، أنه كان يصلي في بيته ركعتين ، وفي المسجد ستا : ركعتين ، ثم أربعا ، يفصل بينهما .
وقال ابن عيينة : يصلي ركعتين ، يسلم فيهما ، ثم يصلي أربعا ، لا يسلم إلا في آخرهن .
وقال أحمد - في رواية عنه - : إن شاء صلى أربعا ، وإن شاء صلى ستا .
ولا يكره ترك الصلاة بعد الجمعة أحيانا ، نص عليه أحمد ، واستدل بأن عمران بن حصين تركها مرة ، حيث كان يصلي أربعا بعد صلاة الجمعة خلف [5/536] زياد ، فقيل عنه : إنه لا يعتد بصلاته خلف زياد ، فأنكر ذلك ، ثم صلى الجمعة الثانية ، ولم يصل شيئا حتى صلى العصر .
وأما مكان الصلاة بعد الجمعة ، فالأفضل أن يكون في البيت لمن له بيت يرجع إليه ، كما كان ابن عمر يفعله ويأمر به .
فإن صلى في المسجد ، فهل يكره ، أم لا ؟
ذهب الأكثرون إلى أنه لا يكره ، ولكن يؤمر بالفصل بينها وبين صلاة الجمعة .
وقد سبق حديث السائب بن يزيد ، عن معاوية في ذلك .
وقال عكرمة : إذا صليت الجمعة ، فلا تصلها بركعتين حتى تفصل بينهما بتحول أو كلام .
وقال قتادة : رأى ابن عمر رجلا يصلي في مقامه الذي صلى فيه الجمعة ، فنهاه عنه ، وقال : ألا أراك تصلي في مقامك ؟ قال : نعم . قال قتادة : فذكرت ذلك لابن المسيب ، فقال : إنما يكره ذلك للإمام يوم الجمعة .
ومذهب مالك : أنه يكره للإمام أن يصلي بعد الجمعة في المسجد ، ولا يكره للمأموم إذا انتقل من موضع مصلاه ، وقد روي عن ابن عمر .
قال عبد الرزاق : أخبرني ابن جريج ، أخبرني عطاء ، أن عمرو بن سعيد صلى الجمعة ، ثم ركع على إثرها ركعتين في المسجد ، فنهاه ابن عمر عن ذلك ، وقال : أما الإمام فلا ، إذا صليت فانقلب فصل في بيتك ما بدا لك ، إلا أن تطوف ، وأما الناس ، فإنهم يصلون في المسجد .
[5/537] وفي صلاة الإمام في الجامع بعد الجمعة حديث ، من رواية عاصم بن سويد ، عن محمد بن موسى بن الحارث ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله ، قال : أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني عمرو بن عوف يوم الأربعاء ، فقال : " لو أنكم إذا جئتم عيدكم هذا صليتم حتى تسمعوا من قولي " . قالوا : نعم ، بأبينا أنت يا رسول الله وأمهاتنا . قال : فلما حضروا الجمعة صلى لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعة ، ثم صلى ركعتين بعد الجمعة في المسجد ، ولم ير يصلي بعد الجمعة في المسجد ، وكان ينصرف إلى بيته قبل ذلك اليوم .
خرجه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم .
وقال : صحيح الإسناد .
وقال بعض المتأخرين : محمد بن موسى بن الحارث لا يعرف .
وخرجه البزار في " مسنده " ، وعنده : عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبيه ، عن جابر .
فإن كان ذلك محفوظا ، فهو موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي ، وهو منكر الحديث جدا
.
وخرج النسائي من رواية شعبة ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين ، يطيل فيهما ، ويقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله .
وذكر إطالة الركعتين بعد الجمعة غريب
.
وقد روى غير واحد ، عن أيوب في هذا الحديث : أن الإطالة إنما كانت في الصلاة قبل الجمعة ، كما سنذكره .
[5/538] وقد بوب البخاري على " الصلاة بعد الجمعة وقبلها " ، كما بوب عليه عبد الرزاق والترمذي في " كتابيهما " ، إلا أنهما ذكرا في الصلاة قبلها آثارا موقوفة غير مرفوعة ، ولم يذكر البخاري فيها شيئا ، إما لأن المرفوع فيها ليس على شرطه ، وفيها أحاديث مرفوعة في أسانيدها نظر ، أو لأن الذي فيها كله موقوف ، فلم يذكره لذلك .
أو لأنه اجتزأ عنه بحديث سلمان الذي خرجه فيما تقدم في موضعين ؛ فإن فيه : " وصلى ما كتب له ، ثم أنصت إذا تكلم الإمام " ؛ فإن هذا يدل على فضل الصلاة قبل الجمعة ، لا سيما وفيه - في إحدى الروايتين للبخاري - : " ثم راح " ، والرواح حقيقة لا يكون حقيقة إلا بعد الزوال ، كما سبق ذكره .
فعلى هذا ، يكون ترغيبا في الصلاة بعد زوال الشمس يوم الجمعة من غير تقدير للصلاة ، فيكون أقل ذلك ركعتين ، والزيادة عليهما بحسب التيسير .
وإن قيل : إن الرواح هنا بمعنى الذهاب ، فإنه يدل على استحباب الصلاة يوم الجمعة قبل خروج الإمام من غير تفضيل بين ما قبل زوال الشمس وبعده .
وروى ابن علية ، عن أيوب ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ، ويصلي بعدها ركعتين في بيته ، ويحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك .
خرجه أبو داود .
وخرجه الإمام أحمد من طريق وهيب ، عن أيوب ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يغدو إلى المسجد يوم الجمعة ، فيصلي ركعات يطيل فيهن القيام ، [5/539] فإذا انصرف الإمام رجع إلى بيته ، فصلى ركعتين ، وقال : هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل .
وظاهر هذا : يدل على رفع جميع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - : صلاته قبل الجمعة وبعدها في بيته ؛ فإن اسم الإشارة يتناول كل ما قبله مما قرب وبعد ، صرح به غير واحد من الفقهاء والأصوليين .
وهذا فيما وضع للإشارة إلى البعيد أظهر ، مثل لفظة : " ذلك " ؛ فإن تخصيص القريب بها دون البعيد يخالف وضعها لغة .
وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر يصلي قبل الجمعة اثنتي عشرة ركعة .
وعن ابن جريج أنه قال لعطاء : بلغني أنك تركع قبل الجمعة ثنتي عشرة ركعة ، فما بلغك في ذلك ؟ فذكر له حديث أم حبيبة المرفوع : " من ركع ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة - سوى المكتوبة - بنى الله له بيتا في الجنة " .
وقد تقدم عن ابن مسعود ، أنه كان يأمر أن يصلي قبل الجمعة أربعا .
وروى الطحاوي بإسناده عن جبلة بن سحيم قال : كان ابن عمر يصلي قبل الجمعة أربعا لا يفصل بينهن بسلام ، وبعد الجمعة ركعتين ثم أربعا .
وروى ابن سعد في " طبقاته " بإسناده ، عن صفية بنت حيي أم المؤمنين ، أنها صلت الجمعة مع الإمام ، فصلت قبل خروجه أربعا .
وقال النخعي : كانوا يحبون أن يصلوا قبل الجمعة أربعا .
[5/540] خرجه ابن أبي الدنيا في " كتاب العيدين " بإسناد صحيح
.
وقد روى ابن أبي خيثمة في " تاريخه " من طريق الأعمش ، عن النخعي ، قال : ما قلت لكم : كانوا يستحبون ، فهو الذي أجمعوا عليه .
وممن ذهب إلى استحباب أربع ركعات قبل الجمعة : حبيب بن أبي ثابت والنخعي والثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق .
وروى حرب بإسناده ، عن ابن عباس ، أنه كان يصلي يوم الجمعة في بيته أربع ركعات ، ثم يأتي المسجد فلا يصلي قبلها ولا بعدها .
وهذا يدل على أن سنة الجمعة عند ابن عباس قبلها لا بعدها .
واعلم ؛ أن التطوع بالصلاة يوم الجمعة قبل الجمعة له أربعة أوقات :
أحدها : ما قبل طلوع الشمس لمن بكر إلى الجمعة حينئذ ، فهذا الوقت وقت نهي عن التطوع فيه بما لا سبب له ، وما له سبب كتحية المسجد فيه اختلاف ، سبق ذكره في ذكر أوقات النهي .
إلا من يقول : إن يوم الجمعة كله صلاة ليس فيه وقت ينهى عن الصلاة فيه بالكلية ، كما هو ظاهر كلام طاوس ؛ فإنه قال : يوم الجمعة كله صلاة .
وقد قيل : إنه إنما أراد به وقت استواء الشمس خاصة .
والثاني : ما بين ارتفاع الشمس واستوائها ، فيستحب التطوع فيه بما أمكن ، وخصوصا لمن بكر إلى الجمعة .
والثالث : وقت استواء الشمس وقيامها في وسط السماء .
وقد اختلفوا : هل هو وقت نهي عن الصلاة في يوم الجمعة ، أم لا ؟
فمنهم من قال : هو وقت نهي ، كأبي حنيفة وأحمد .
ومنهم من قال : ليس بوقت نهي ، وهو مذهب مكحول والأوزاعي والشافعي .
[5/541] ومن أصحابه من خصه بمن حضر الجمعة دون من هو في بيته . ومنهم من خصه بمن بكر إلى الجمعة ، وغلبه النعاس .
ومنهم من قال : هو وقت نهي يوم الجمعة في الصيف دون الشتاء ، وهو قول عطاء وقتادة .
ومنهم من لم يره وقت نهي في جميع الأيام ، كمالك .
وقد سبق الكلام عليه في ذكر أوقات النهي .
والرابع : بعد زوال الشمس ، وقبل خروج الإمام ، فهذا الوقت يستحب الصلاة فيه بغير خلاف نعلمه بين العلماء سلفا وخلفا ، ولم يقل أحد من المسلمين : إنه يكره الصلاة يوم الجمعة ، بل القول بذلك خرق لإجماع المسلمين ، إنما اختلفوا في وقت قيام الشمس ، كما سبق .
قال مالك : لا أكره الصلاة نصف النهار في جمعة ولا غيرها .
وقد روى في " الموطأ " حديثا مرفوعا في النهي عنه ، ثم تركه ؛ لأنه رأى عمل العلماء وأهل الفضل على خلافه .
فأما الصلاة بعد زوال الشمس ، فلم يزل عمل المسلمين على فعله .
وقد ذكر مالك في " الموطأ " عن الزهري ، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي ، أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون حتى يخرج عمر ويجلس على المنبر ، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسوا يتحدثون ، فإذا سكت المؤذن وقام عمر سكتوا ولم يتكلم أحد .
وهذا تصريح باستمرارهم في الصلاة إلى ما بعد زوال الشمس ، وهو مما يستدل به على الصلاة وقت استواء الشمس وقيامها يوم الجمعة .
وقد وردت آثار آخر ، تدل على أنهم كانوا يتركون الصلاة وقت قيام الشمس [5/542] يوم الجمعة ، فإذا زالت قاموا إلى الصلاة .
وروى الأثرم بإسناده ، عن عمرو بن سعيد بن العاص ، قال : كنت أبقى - يعني : أنتظر - أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا زالت الشمس قاموا فصلوا أربعا .
وبإسناده ، عن أبي بكر بن عياش ، قال : كنا نكون مع حبيب بن أبي ثابت في الجمعة ، فيقول : أزالت الشمس بعد ، ويلتفت فينتظر ، فإذا زالت الشمس ، قام فصلى الأربع قبل الجمعة .
وبإسناده ، عن حماد بن زيد ، قال : كنت أمر بابن عون يوم الجمعة ، فنمضي إلى الجمعة ، فيقول لي : الشمس عندكم أبين منها عندنا ، فنرى الشمس زالت .
قال حماد : كأنه يكره الصلاة حتى تزول الشمس .
وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في " مسائله للإمام أحمد " : رأيت أبا عبد الله - يعني : أحمد - إذا كان يوم الجمعة يصلي إلى أن يعلم أن الشمس قد قاربت أن تزول ، فإذا قاربت أمسك عن الصلاة حتى يؤذن المؤذن ، فإذا أخذ في الأذان قام فصلى ركعتين أو أربعا ، يفصل بينها بالسلام .
وقال - أيضا - : رأيت أبا عبد الله إذا أذن المؤذن يوم الجمعة صلى ركعتين ، وربما صلى أربعا على خفة الأذان وطوله .
ومما يدل على استحباب الصلاة في هذا الوقت يوم الجمعة : أنه وقت يرجى فيه ساعة الإجابة ، فالمصلي فيه يدخل في قوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يوافقها عبد قائم يصلي ، يسأل الله شيئا ، إلا أعطاه " .
وقد اختلف في الصلاة قبل الجمعة : هل هي من السنن الرواتب كسنة الظهر قبلها ، أم هي مستحبة مرغب فيها كالصلاة قبل العصر ؟
[5/543] وأكثر العلماء على أنها سنة راتبة ، منهم : الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ، وهو ظاهر كلام أحمد ، وقد ذكره القاضي أبو يعلى في " شرح المذهب " وابن عقيل ، وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي .
وقال كثير من متأخري أصحابنا : ليست سنة راتبة ، بل مستحبة .
وقد زعم بعضهم : أن حديث ابن عمر المخرج في هذا الباب يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصلي قبل الجمعة شيئا ؛ لأنه ذكر صلاته بعد الجمعة ، وذكر صلاته قبل الظهر وبعدها ، فدل على الفرق بينهما .
وهذا ليس بشيء ؛ فإن ابن عمر قد روي عنه ما يدل على صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الجمعة ، كما سبق ، ولعله إنما ذكر الركعتين بعد الجمعة ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصليهما في بيته ، بخلاف الركعتين قبل الظهر وبعدها ؛ فإنه كان أحيانا يصليها في المسجد ، فبهذا يظهر الفرق بينهما .
وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عمل عملا داوم عليه ، ولم يكن ينقصه يوم الجمعة ولا غيرها ، بل كان الناس يتوهمون أنه كان يزيد في صلاته يوم الجمعة بخصوصه ، فكانت عائشة تسأل عن ذلك ، فتقول : لا ، بل كان عمله ديمة .
وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي قبل الظهر ركعتين أو أربعا .
وفي " صحيح ابن حبان " عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج صلى ركعتين .
ورويناه من وجه آخر عن عائشة ، قالت : ما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عندي قط إلا صلى ركعتين .
وقد كان من هدي المسلمين صلاة ركعتين عند خروجهم من بيوتهم ، من الصحابة ومن بعدهم ، وخصوصا يوم الجمعة ، وممن كان يفعله يوم الجمعة ابن [5/544] عباس وطاوس وأبو مجلز ، ورغب فيه الزهري .
وقال الأوزاعي : كان ذلك من هدي المسلمين .
وقد سبق في " باب : الصلاة إذا دخل المسجد والإمام يخطب " ما يدل على ذلك - أيضا .
وحينئذ ؛ فلا يستنكر أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في بيته ركعتين قبل خروجه إلى الجمعة .
فإن قيل : فهو كان يخرج إلى الجمعة عقب الزوال من غير فصل ؛ بدليل ما سبق من الأحاديث من صلاته الجمعة إذا زالت الشمس .
قيل : هذه دعوى باطلة ، لا برهان عليها ، ولو كانت حقا لكانت خطبته دائما أو غالبا قبل الزوال ، إذا كانت صلاته عقب زوال الشمس من غير فصل ، ولم يقل ذلك أحد .
وأيضا ، فقد روي أنه كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس ، كما تقدم في " المواقيت " ولم يقل أحد : إنه يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي قبل الظهر شيئا .
وقد كتبت في هذه المسألة جزءا مفردا ، سميته : " نفي البدعة عن الصلاة قبل الجمعة " ثم اعترض عليه بعض الفقهاء المشار إليه في زماننا ، فأجبت عما اعترض به في جزء آخر ، سميته : " إزالة الشنعة عن الصلاة قبل الجمعة " ، فمن أحب الزيادة على ما ذكرناه هاهنا ، فليقف عليهما - إن شاء الله تعالى .