[6/47] 4 - باب
الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو
وقال الأوزاعي : إن كان تهيأ الفتح ، ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء ، كل امرئ لنفسه ، فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال أو يأمنوا ، فيصلوا ركعتين ، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين ، فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير . ويؤخرونها حتى يأمنوا .
وبه قال مكحول .


إنما يقول مكحول بتأخير الصلاة للمطلوب دون الطالب .
قال الفزاري ، عن يزيد بن السمط ، عن مكحول ، قال : إذا حضر القتال فلزم بعضهم بعضا ، لم يطيقوا أن يصلوا ، أخروا الصلاة حتى يصلوا على الأرض ، وقال : صلاة الطالب : أن ينزل فيصلي ، فيؤثر صلاته على ما سواها ، وصلاة الهارب : أن يصلي حيث كان ركعة .
قال أبو إسحاق ، وقال الأوزاعي : الصلاة حيث وجهوا على كل حال ، لأن الحديث جاء أن البصر لا يرفع ما دام الطلب ، وصلاة الخوف : أن يصلي القوم كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن كان خوف أكثر من ذلك صلوا فرادى ، مستقبلي القبلة ، يركعون ويسجدون ، فإن كان خوف أكثر من ذلك أخروا الصلاة حتى يقدروا ، فيقضوها .
قالَ : وقال الأوزاعي : إن ثلموا في الحصن ثلمة ، وحضرت الصلاة [6/48] فإن قدروا أن يصلوا جلوسا أو يومئون إيماءً أو يتعاقبون فعلوا وإلاّ أخروا الصلاة إن خافوا إن صلّوا أن يغلبوا عليهِ ، وقد طمعوا في فتحه ، صلوا حيث كانت وجوههم ، ويتمموا إن خافوا .
وقد تضمن ما حكاه البخاري عن الأوزاعي مسائل .
منها :
أن الطالب يصلي صلاة شدة الخوف راكبا وماشيا كالمطلوب ، وهو رواية عن أحمد .وقال إسحاق - فيما نقله عن حرب - : يصلي بالأرض ويومئ إيماءً .
وفي صلاة الطالب ماشيا بالإيماء حديث ، خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن أنيس ، وهو مما تفرد به ابن إسحاق .
وذهب الجمهور إلى أن الطالب لا يصلي إلّا بالأرض صلاة الأمن ، إلاّ أن يخاف ، منهم : الحسن ومكحول ومالك والثوري والشافعي وأحمد - في رواية عنه - وقد سبق ذكر ذَلِكَ .
ومنها :
أن صلاة شدة الخوف لا تكون جماعة ، بل فرادى ، وقد سبق أن الجمهور على خلاف ذَلِكَ .
ومنها :
أنهم إذا لم يقدروا على الإيماء في حال شدة الخوف أخروا الصلاة حتى يأمنوا .
[6/49] وممن قال بتأخير الصلاة مكحول كما سبق عنه ، وهو قال أبي حنيفة وأصحابه .
وحكى ابن عبد البر ، عن ابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأصحابه أنه لا يصلي أحد في الخوف إلا إلى القبلة ، ولا يصلي في حال المسايفة ، بل يؤخر الصلاة .
وعن أحمد رواية : أنه يخير بين الصلاة بالإيماء وبين التأخير .
قال أبو داود : سألت أبا عبد الله عن الصلاة صبيحة المغار ، فيؤخرون الصلاة حتى تطلع الشمس ، أو يصلون على دوابهم ؟ قَالَ : كلٌ أرجو .
واستدل أصحابنا لهذه الرواية بصلاة العصر فِي بني قريظة وفي الطريق ، وأنه لم يعنف واحد منهما ، وسيأتي ذكره والكلام على معناه قريبا - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
وجمهور أهل العلم على أنه لا يجوز تأخير الصلاة في حال القتال ، وتصلى على حسب حاله ، فإنه لا يأمن هجوم الموت في تلك الحال .
فكيف يجوز لأحد أن يؤخر فرضًا عن وقته ، مع أنه يخاف على نفسه مداركة الموت له في الحال ، وهذا في تأخير الصلاة عن وقتها التي لا يجوز تأخيرها للجمع . فأما صلاة يجوز تأخيرها للجمع فيجوز تأخيرها للخوف ، ولو كان في الحضر عند أصحابنا وغيرهم من العلماء .
وقول ابن عباس : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة من غير خوف ، يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف ؛ فإن الخوف عذر ظاهر ، فالجمع له أولى من الجمع للمطر والمرض ونحوهما .
[6/50] فأما قصر الصلاة في حال الخوف في الحضر ، فالجمهور على منعه .
وحكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد بجوازه ، مخرجة عن رواية حنبل عنه ، بجواز الفطر في رمضان لقتال العدو .
وروي عن عثمان بن عفان ، أنه قالَ : لا يقصر الصلاة إلّا من كان شاخصًا أو بحضرة العدو .
وظاهره : أنه يجوز القصر بحضرة العدو في غير السفر - أيضًا - وبذلك فسره أبو عبيدة في " غريبه " .
وذكر ابن المنذر عن عمران بن حصين مثل قول عثمان - أيضًا .
وقد يفسر بأنه لا يجوز القصر إلّا في حال السفر أو الإقامة في دار الحرب لقتال العدو ، وهذا قول كثير من العلماء ، ويأتي بيانه في " كتاب قصر الصَّلاة " إن شاء الله سبحانه وتعالى .
وسيذكر البخاري في هذا الباب ما يستدل به على جواز التأخير في حال شدة الخوف .
ومنها :
أنهم إذا عجزوا عن صلاة ركعتين جاز لهم أن يصلوا ركعة واحدة تامةً ، وهذا قول كثير من العلماء ، منهم : ابنُ عباس .
ففي " صحيح مسلم " ، عنه ، قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - في السفر ركعتين ، وفي الحضر أربعًا ، وفي الخوف ركعة .
وقد روي نحو ذلك عن جابر وابن عمر ، وقد سبق ذكر قولهما .
ورواه الحسن ، عن حطان الرقاشي ، عن أبي موسى - أيضًا - أنه فعله .
[6/51] وهو مروي - أيضًا - عن الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك والحكم وقتادة وحماد ، وقول إسحاق ومحمد بن نصر المروزي .
حتى قاله في صلاة الصبح ، مع أن ابن حزم وغيره حكوا الإجماع على أن الفجر والمغرب لا ينقص عن ركعتين وثلاث ، في خوف ولا أمن ، في حضر ولا سفرٍ .
ولم يفرق هؤلاء بين حضر ولا سفر ، وهذا يدل على أنهم رأوا قصر الصَّلاة في الحضر للخوف أشد القصر وأبلغه ، وهو عود الصلوات كلها إلى ركعةٍ واحدةٍ .
وحكي رواية عن أحمد ، وهو ظاهر كلامه في رواية جماعة ، ورجحه بعض المتأخرين من أصحابنا ، والمشهور عنه : المنع .
وقد نقل جماعة عنه ، أنه قال : لا يعجبني ذلك .
وهو قول . . . أصحابنا .
والمنع منه قول النخعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي .
وقد تقدم من حديث ابن عباس ، أن كل طائفة من الناس صلوا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعة ركعة وأنهم لم يقضوا . ومن حديث حذيفة - أيضًا - وما في ذلك من التأويل .
وروى يزيد الفقير ، عن جابر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم صلاة الخوف ، فقام صف بين يديه ، وصف خلفه ، صلى بالذي خلفه ركعة وسجدتين ، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم ، وجاء أولئك فقاموا مقام هؤلاء ، فصلى لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة وسجدتين ، ثم سلم ، فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتان ، ولهم ركعة .
[6/52] خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في " صحيحهما " .
وفي رواية النسائي : ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم فسلم الذين خلفه ، وسلم أولئك .
وذكر أبو داود في " سننه " : أن بعضهم قال في حديث يزيد الفقير : أنهم قضوا ركعة أخرى .
وروى عبد الله بن شقيق : نا أبو هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل بين ضجنان وعسفان ، فقال المشركون : أن لهؤلاء صلاةً هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم ، وهي العصر ، فأجمعوا أمركم ، فميلوا عليهم ميلةً واحدة ، وأن جبريل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره أن يقيم أصحابه شطرين ، فيصلي بهم ، وتقوم طائفة أخرى وراءهم ، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ، ثم يأتي الآخرون ويصلون معه ركعة ، ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم ، فيكون لهم ركعة ركعة ، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان .
خرجه الترمذي والنسائي وابن حبان في " صحيحه " .
وقال الترمذي : حسنٌ صحيحٌ .
ونقل الترمذي في " علله " عن البخاري ، أنه قال : هو حديثٌ حسنٌ
.
وقد حمله بعضهم على أن كل واحدة من الطائفتين كانت لهم ركعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأما الأخرى فإنها صلتها مفردة .
وخرجه النسائي عنده : يكون لهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان .
[6/53] وخرج ابن حبان في " صحيحه " هذا المعنى من حديث زيد بن ثابت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأصله في " سنن النسائي " .
وقد أجاب بعضهم بأن الروايات إذا اختلفت ، وكان في بعضها عدم القضاء ، وفي بعضها القضاء ، فالحكم للإثبات ؛ لأن المثبت قد حفظ ما خفي على الباقي .
وهذا صحيح أن لو كانت الروايات كلها حكاية عن واقعة واحدة ، فأما مع التعدد فيمكن أن القضاء وجد في واقعة ولم يوجد في أخرى .
وقد زعم مجاهد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة الخوف إلا مرتين ، مرة بذات الرقاع ، ومرة بعسفان .
واختلاف الروايات في صفة صلاة الخوف يدل على أن ذلك وقع أكثر من مرتين .
واستدل بعض من رأى أن صلاة الخوف ركعة بأن ظاهر القرآن يدل عليهِ ؛ فإن الله تعالى ذكر أن الطائفة الأولى تصلي معه حتَّى يسجد ، فتكون من وراء الناس ، وأن الطائفة الثانية التي لم تصل تأتي وتصلي معه ، فظاهره : أن الطائفة الأولى تجتزئ بما صلت معه من تلك الركعة ، وأن الثانية تكتفي بما أدركت معه ، ولم يذكر قضاء على واحدة من الطائفتين .
ومنها :
أنهم إذا عجزوا عن الصلاة بأركانها في حال الخوف ، فقال الأوزاعي : لا يجزئهم التكبير بمجرده .
وإلى هذا ذهب الأكثرون ، وهو : أنه لا يجزئ في حال شدة الخوف [6/54] الاقتصار على التكبير ، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق .
ونقل ابن منصور ، عن أحمد وإسحاق ، قالا : لا بد من القراءة ، ولا يجزئهم التكبير .
ونقل جماعة عن أحمد ، أنه قال : لا بد في صلاة الخوف من القراءة والتشهد والسلام .
وذهب آخرون إلى أنهم يجزئهم التكبير .
روي عن جابر وابن عمر : تجزئهم تكبيرةٌ واحدة ، وعن مجاهد والسدي .
وكذا قال عبد الوهاب بن بخت ، وزاد : وإن لم يقدر على التكبير ، فلا يتركها في نفسه .
يعني : النية .
وروي عن عبد الله بن الزبير ، أنه ارتث يوم الجمل قبل غروب الشمس ، فقيل له : الصلاة . فقال : لا أستطيع أن أصلي ، ولكني أكبر .
وعن الضحاك : إن لم يستطع أن يومئ كبر تكبيرة أو تكبيرتين .
وقال الثوري : إن لم يستطع أن يقرأ يجزئه التكبير في كل خفض ورفع ، وإن لم يستطع أن يتوضأ تيمم بغبار سرجه .
وكذلك مذهب الثوري في المريض المدنف : إذا لم يستطع أن يصلي على جنبه ، فإنه يكبر لكل ركعة تكبيرة ، مستقبل القبلة ، وتجزئه .
ونقل حرب ، عن إسحاق ، قال : إن لم يقدروا على ركعة فسجدة واحدة ، [6/55] فإن لم يقدروا فتكبيرةٌ واحدة ، واستدل بقولِهِ : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
فإذا قدر على الإتيان بشيء من الصلاة ، وعجز عن الباقي لزمه أن يأتي به في وقته ويجزئه ، ولا يجوز له تأخيره عن الوقت .
وذكر ابن جرير بإسناده ، أن هرم بن حيان كان معه أصحابه يقاتلون العدو مستقبلي المشرق ، فحضرت الصلاة ، فقالوا : الصلاة الصلاة ، فسجد الرجل حيث كان وجهه سجدة ، وهم مستقبلو المشرق .
ويستدل للجمهور بأن ما دون الركعة ليس بصلاة ، فلا يكون مأمورًا به من عجز عن الصلاة ، وأقل ما ورد في صلاة الخوف أنها ركعة ، فما دون الركعة ليس بصلاة ، ولا يؤمر به في خوف ولا غيره ، ولا يسقط به فرض الصلاة .