‎( 6 ) باب النهي عن خِطْبَةِ الرجل على خِطْبَةِ أخيه
وعن الشغار وعن الشرط في النكاح
( 1412 ) [1465] عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَلَا يَخْطُبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ بَعْضٍ .


[4/107] ( 6 ) ومن باب : النهي عن خِطْبَةِ الرجل على خِطْبَةِ أخيه
الخِطْبة - بالكسر - : هي استدعاء التزويج والكلام فيه ، يقال منه : خطبت المرأة خطبة - بالكسر - : طلبتها منه . والْخُطْبة - بالضم - : هي كلام الخطباء . ومن كلام علمائنا : تستحب الْخُطبةُ - بالضّم - عند الخِطْبة - بالكسر - .
وهذه الأحاديث التي جاء فيها النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه ظاهرها العموم ، لكن قد خصَّصها أصحابنا بحديث فاطمة بنت قيس الذي يأتي ذكره في الطلاق . وذلك : أنها لَمّا انقضت عدتُها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أبا جهم بن حذيفة ومعاوية خطباني . فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سيأتي ذِكْرُه .
وهذا يدلّ : على جواز الخِطبة على الخِطبة ، لكن جمعَ أئمتنا بين الحديثين بأن حملوا النهي على ما إذا تقاربا وتراكنا . وحملوا حديث الجواز على ما قبل ذلك . وهي طريقة حسنة ؛ [4/108] فإن فيها إعمال كل واحد من الحديثين ، ومراعاة للمعنى . فإن المفسدة إنما تحصل بتأكد التراكن .
واختلف أصحابنا في التراكن . فقيل : هو مجرّد الرِّضا بالزوج ، والميل إليه ، وقيل : بتسمية الصَّداق . وهذا عند أصحابنا محمول على ما إذا كانا شكلين . قال ابن القاسم : لا أرى الحديث إلا في الرجلين المتقاربين ، فأمَّا صالِحٌ وفاسقٌ فلا . قال ابن العربي : لا ينبغي أن يختلف في هذا . وقال الشافعي : إنما النهي فيما إذا أذنت المرأة لوليها أن ينكحها من رجل مُعيَّن .
قلت : وهذا فيه بُعدٌ ، فإنه حمل العموم الذي قُصِد به تقعيد قاعدة على صورة نادرة . وهذا مثل ما أنكره الشافعي على أبي حنيفة ؛ إذ حمل قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا نكاح إلا بولي ) على المكاتبة . وتحقيقه في الأصول .
والقول في قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يبع أحدكم على بيع أخيه ) محمول على مثل ما تقدّم في قوله : ( لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ) .
وقد حمله بعض العلماء على ظاهره وعمومه ، حتى كره بيع المزايدة خوفًا من الوقوع في ذلك . وهذا ليس بصحيح ؛ لأن الله تعالى قد أحل البيع مطلقا ، وقد باع النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه بيع المزايدة على ما في كتاب أبي داود : فأخذ في يده حِلْسًا وقَدَحًا كانا لرجل سأله صدقة ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( من يشتري مني هذا بدرهم ؟ ) وقال رجل : هو لي بدرهم . فقال : ( من يشتري مني هذا بدرهمين ؟ ) فقال آخر : هو لي بدرهمين . فباعه منه ، ثم دفعهما لصاحب الحِلْسِ والقدح . وسيأتي الحديث في كتاب البيوع إن شاء [4/109] الله تعالى .
فإذا طرح بيع المزايدة عن المنع ، فلم يبق إلا أن يحمل على ما إذا تقاربا وتراكنا .
واختلف فيما إذا وقعت الخِطبة على الخِطبة ، والبيع على البيع . فذهب جُلُّ أصحابنا ، والكوفيون إلى إمضاء العقد . وذهب داود وبعض أصحابنا إلى فسخه . وقد رُوِيَ القولان لمالك والشافعي على ما شرح من مذهبه .
وقول ثالث في النكاح : الفسخ فيه قبل البناء ، والإمضاء بعده . وهو لأصحابنا . ولا خلاف في أن فاعل ذلك عاصٍ ، آثم .
و( قوله : لا يبع ) و( لا يسم ) قد يصحُّ أن يحملا على معنى واحد . فيقال : سُمْت ؛ بمعنى : بعت ، ويصحّ أن يحمل : سُمْتُ على اشتريت ، فيكونان متغايرين ؛ أعني : بعتُ ، وسمتُ . على أنَّ : بعتُ واشتريتُ يدخل كل واحد منهما على الآخر ؛ فيقال : بعتُه ؛ بمعنى : اشتريته ، وشريْتُه ؛ بمعنى : بِعْتُه . وكذلك : سُمْتُ . وسيأتي لهذا مزيد بيان في البيوع إن شاء الله تعالى .