( 1421 ) [1472] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا .
وفي رواية : وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا .


و( قوله في الرواية الأخرى : " والبكر يستأذنها أبوها " ) هذه الزيادة من رواية ابن أبي عمر . قال أبو داود : وليست بمحفوظة . وعلى تقدير صحة هذه الزيادة ، فمحملُها على الاستحباب ، لا على الإيجاب ؛ بدليل الإجماع المنعقد على أن للأب إنكاح ابنته الصغيرة وإجبارها عليه بغير إذنها . وكذلك السيّد في أَمَتِه . وقد أبدى بعض أصحابنا لاستئذان الأب لابنته البكر فائدة ، وهي : تطييب قلبها ، واستعلام حالها ، فقد تكون موصوفةً بما يخفى على الأب مما يمنع النكاح ، فإذا استأذنها أعلمته .
وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة من طريق صحيحة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تستأمر اليتيمة في نفسها ، فإن سكتت فهو إذنها ، وإن أبت فلا جواز عليها ) وفي رواية : ( فإن بكت أو سكتت ) . قال : وليس ذلك بمحفوظ .
[4/119] قلت : وتفسير حديث أبي داود مقيدٌ لمطلق البكر الذي جاء في حديث مسلم وغيره ، ومبيّن أن استئذان الأب البكر ليس بواجب ، وإنما يجب ذلك في اليتيمة باتفاق .
ثم اختلف القائلون باشتراط الولي ، هل يكتفى في صحة العقد بوجود ولي ، أيِّ وليٍّ كان ، من غير مراعاة لولاية خاصة ولا عامة ، أو لا بدّ من مراعاة الخاصّة على مراتبها ، فإن فقدت رُجع للعامة ؟ قولان :
وللأول ذهب أبو ثور ، وقال : كل مَنْ وَقَعَ عليه اسم وليٍّ فله أن ينكح . وقاله بعض علمائنا . وحكاه ابن المنذر عن مالك . والجمهور على القول الثاني ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ) ثم قال بعد ذلك : ( فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ) . فاقتضى : أن ولاية القرابة مقدّمة على ولاية السلطان . وإذا كان كذلك كان أحرى أن تكون مُقدَّمة على ولاية الدين ، وهو واضحٌ . ويقول عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ : ( لا تنكح المرأة إلا بإذن وليّها ، أو ذي الرأي من أهلها ، أو السلطان ) .
ثم اختلف المرتِّبون فيما إذا أنكح الأبعد مع وجود الأقعد في الولاية الخاصة فيمن يستأذن ؟ على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه يفسخ على كل حال . وبه قال المغيرة .
وثانيها : أن الأقعد مخيَّر في فسخه أو إجازته . وعليه جماعة من أصحابنا . ومأخذ خلافهما : أن الفسخ لحقِّ الله ، فلا بدّ منه ، أو لحق الولي فله إجازته وفسخه .
[4/120] وثالثها : أنه ماضٍ ، ولا مقال للولي الخاص . وهو قول مالك . وهو بناءٌ على أنَّ مراعاة المراتب من باب الأَوْلى ، والأحسن ، والله تعالى أعلم .