الحديث الثاني :
952 - نا عبيد بن إسماعيل : نا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار ، تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث . قالت : وليستا بمغنيتين . فقال أبو بكر : مزامر الشيطان في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ وذلك في يوم عيد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا أبا بكر ، إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا "
.

في هذا الحديث : الرخصة للجواري في يوم العيد في اللعب والغناء بغناء الأعراب . وإن سمع ذلك النساء والرجال ، وإن كان معه دف مثل دف العرب ، وهو يشبه الغربال .
وقد خرجه البخاري في آخر " كتاب العيدين " من رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - متغش بثوبه ، فانتهرهما أبو بكر ، فكشف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وجهه ، فقال : " دعهما يا أبا بكر ؛ فإنها أيام عيد " ، وتلك الأيام أيام منى .
ولا ريب أن العرب كانَ لهم غناء يتغنون به ، وكان لهم دفوف يضربون بها ، وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من قتل فيها ، وكانت دفوفهم مثل الغرابيل ، ليس فيها جلاجل ، كما في حديث عائشة ، عن النبي [6/78] - صلى الله عليه وسلم - : " أعلنوا النكاح واضربوا عليهِ بالغربال " .
خرجه الترمذي وابن ماجه ، بإسناد فيه ضعفٌ .

فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرخص لهم في أوقات الأفراح ، كالأعياد والنكاح وقدوم الغياب في الضرب للجواري بالدفوف ، والتغني مع ذلك بهذه الأشعار ، وما كان في معناها .
فلما فتحت بلاد فارس والروم ظهر للصحابة ما كان أهل فارس والروم قد اعتادوه من الغناء الملحن بالإيقاعات الموزونة ، على طريقة الموسيقى بالأشعار التي توصف فيها المحرمات من الخمور والصور الجميلة المثيرة للهوى الكامن في النفوس ، المجبول محبته فيها ، بآلات اللهو المطربة ، المخرج سماعها عن الاعتدال ، فحينئذ أنكر الصحابة الغناء واستماعه ، ونهوا عنه وغلظوا فيه .
حتى قال ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب ، كما ينبت الماء البقل . وروي عنه - مرفوعا .
وهذا يدل على أنهم فهموا أن الغناء الذي رخص فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه لم يكن هذا الغناء ، ولا آلاته هي هذه الآلات ، وأنه إنما رخص فيما كان في عهده ، مما يتعارفه العرب بآلاتهم .
فأما غناء الأعاجم بآلاتهم فلم تتناوله الرخصة ، وإن سمي غناءً ، وسميت آلاته دفوفا ، لكن بينهما من التباين ما لا يخفى على عاقل ، فإن غناء الأعاجم بآلاتها يثير الهوى ، ويغير الطباع ، ويدعو إلى المعاصي ، فهو رقية الزنا .
وغناء الأعراب المرخص فيه ، ليس فيه شيء من هذه المفاسد بالكلية البتة ، فلا يدخل غناء الأعاجم في الرخصة لفظا ولا معنى ، فإنه ليس هنالك نص عن الشارع بإباحة ما يسمى غناء ولا دفا ، وإنما هي قضايا أعيان ، وقع الإقرار عليها ، [6/79] وليس لها من عموم .
وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناء الأعاجم ودفوفها المصلصلة ؛ لأن غناءهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات ، بخلاف غناء الأعراب ، فمن قاس أحدهما على الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل ، فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب .
وقد صحت الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذم من يستمع القينات في آخر الزمان ، وهو إشارة إلى تحريم سماع آلات الملاهي المأخوذة عن الأعاجم .
وقد خرج البخاري في " الأشربة " حديث عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي مالك - أو أبي عامر - الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، كما سيأتي في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
فقال فيه : " قال هشام بن عمار " - فذكره .
والظاهر : أنه سمعه من هشام .
وقد رواه عن هشام الحسن بن سفيان النسوي .
وخرجه من طريقه البيهقي وغيره .
وخرجه الطبراني : نا محمد بن يزيد بن عبد الصمد : نا هشام بن عمار .
فصح واتصل عن هشام .
[6/80] وخرجه أبو داود من وجه آخر مختصرا .
وقد بينت عائشة أن الجاريتين إنما كانا يغنيان بغناء بعاث ، ويوم بعاث يوم من أيام حروب الجاهلية مشهور .
وباؤه مثلثة وعينه مهملة ، ومنهم من حكى أنها معجمة .
قال الخطابي : هو يوم مشهور من أيام العرب ، كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج ، وبقيت الحرب قائمة مائة وعشرين سنة إلى الإسلام ، على ما ذكره ابن إسحاق وغيره .
قالَ : وكان الشعر الذي تغنيان به في وصف الشجاعة والحرب ، وهو إذا صرف إلى جهاد الكفار كان معونة في أمر الدين ، فأما الغناء بذكر الفواحش والابتهار للحرم ، فهو المحظور من الغناء ، حاشاه أن يجري بحضرته شيء من ذلك فيرضاه ، أو يترك النكير لهُ ، وكل من جهر بشيء بصوته وصرح به فقد غنى به .
قالَ : وقول عائشة : " ليستا بمغنيتين " ، إنما بينت ذلك ؛ لأن المغنية التي اتخذت الغناء صناعة وعادة ، وذلك لا يليق بحضرته ، فأما الترنم بالبيت والتطريب للصوت إذا لم يكن فيهِ فحش ، فهوَ غير محظور ولا قادح في الشهادة .
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا ينكر من الغناء النصب والحداء ونحوهما ، وقد رخص فيه غير واحد من السلف .
قالَ : وقوله : " هذا عيدنا " يريد أن إظهار السرور في العيد من شعار [6/81] الدين ، وحكم اليسير من الغناء خلاف الكثير . انتهى .
وفي الحديث ما يدل على تحريمه في غير أيام العيد ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل بأنها أيام عيد ، فدل على أن المقتضي للمنع قائم ، لكن عارضه معارض وهو الفرح والسرور العارض بأيام العيد .
وقد أقر أبا بكر على تسمية الدف مزمور الشيطان ، وهذا يدل على وجود المقتضي للتحريم لولا وجود المانع .
وقد قال كثير من السلف ، منهم : قتادة : الشيطان قرآنه الشعر ، ومؤذنه المزمار ، ومصايده النساء .
وروي ذلك من حديث أبي أمامة - مرفوعا .
وقد وردت الشريعة بالرخصة للنساء لضعف عقولهن بما حرم على الرجال من التحلي والتزين بالحرير والذهب ، وإنما أبيح للرجال منهم اليسير دون الكثير ، فكذلك الغناء يرخص فيه للنساء في أيام السرور ، وإن سمع ذلك الرجال تبعا .
ولهذا كان جمهور العلماء على أن الضرب بالدف للغناء لا يباح فعله للرجال ؛ فإنه من التشبه بالنساء ، وهو ممنوع منه ، هذا قول الأوزاعي وأحمد ، وكذا ذكره الحليمي وغيره من الشافعية .
وإنما كان يضرب بالدفوف في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - النساء ، أو من يشبه بهن من المخنثين ، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفي المخنثين وإخراجهم من البيوت .
وقد نص على نفيهم أحمد وإسحاق ، عملا بهذه السنة الصحيحة .
وسئل أحمد عن مخنث مات ووصى أن يحج عنه ، فقال : كسب المخنث [6/82] خبيث ، كسبه بالغناء ، نقله عنه المروذي .
وفي تحريم ضرب المخنث بالدف حديث مرفوع ، خرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف .
فأما الغناء بغير ضرب بدف ، فإن كان على وجه الحداء والنصب فهو جائز . وقد رويت الرخصة فيه عن كثير من الصحابة .
والنصب : شبيه الحداء - : قاله الهروي وغيره .
وهذا من باب المباحات التي تفعل أحيانا للراحة .
فأما تغني المؤمن فإنما ينبغي أن يكون بالقرآن ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ليس منا من لم يتغن بالقرآن والمراد : أنه يجعله عوضا عن الغناء فيطرب به ويلتذ ، ويجد فيه راحة قلبه وغذاء روحه ، كما يجد غيره ذلك في الغناء بالشعر .
وقد روي هذا المعنى عن ابن مسعود - أيضًا .
وأما الغناء المهيج للطباع ، المثير للهوى ، فلا يباح لرجل ولا لامرأة فعله ولا استماعه ؛ فإنه داع إلى الفسق والفتنة في الدين والفجور فيحرم كما يحرم النظر بشهوة إلى الصور الجميلة [ . . . ] ؛ فإن الفتنة تحصل بالنظر وبالسماع ؛ ولهذا جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - زنا العينين النظر ، وزنا الأذن الاستماع .
ولا خلاف بين العلماء المعتبرين في كراهة الغناء وذمه وذم استماعه ، ولم يرخص فيه أحد يعتد به .
وقد حكيت الرخصة فيه على بعض المدنيين .
وقد روى الإمام أحمد ، عن إسحاق الطباع ، أنه سأل مالكا عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء ؟ فقالَ : إنما يفعله عندنا الفساق .
[6/83] وكذا قالَ إبراهيم بن المنذر الحزامي ، وهو من علماء أهل المدينة - أيضا .
وقد نص أحمد على مخالفة ما حكي عن المدنيين في ذَلِكَ . وكذا نص هو وإسحاق على كراهة الشعر الرقيق الذي يشبب به بالنساء .
وقال أحمد : الغناء الذي وردت فيه الرخصة هو غناء الراكب : أتيناكم أتيناكم .
وأما استماع آلات الملاهي المطربة المتلقاة من وضع الأعاجم ، فمحرم مجمع على تحريمه ، ولا يعلم عن أحد منهم الرخصة في شيء من ذَلِكَ ، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يعتد به فقد كذب وافترى .
وأما دف الأعراب الخالي من الجلاجل المصوتة ونحوها فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب :
أحدها : أنه يرخص فيه مطلقا للنساء .
وقد روي عن أحمد ما يشهد له ، واختاره طائفة من المتأخرين من أصحابنا ، كصاحب " المغني " وغيره .
والثاني : إنما يرخص فيه في الأعراس ونحوها ، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ، وهو قول كثير من أصحابنا أو أكثرهم .
والثالث : أنه لا يرخص فيه بحال . وهو قول النخعي وأبي عبيد .
وجماعة من أصحاب ابن مسعود كانوا يتبعون الدفوف مع الجواري في الأزقة فيحرقونها .
وقال الحسن : ليس الدف من أمر المسلمين في شيء .
ولعله أراد بذلك دفوف الأعاجم المصلصلة المطربة .
وقد سئل أحمد على ذلك فتوقف ، وكأنه حصل عنده تردد : هل كانت [6/84] كراهة من كره الدفوف لدفوف الأعراب أو لدفوف الأعاجم فيه جرس ؟
وقد قيل لأحمد : الدف فيهِ جرس ؟ قال : لا .
وقد نص على منع الدف المصلصل .
وقال مالك في الدف : هو من اللهو الخفيف ، فإذا دعي إلى وليمة ، فوجد فيها دفًا فلا أرى أن يرجع .
وقاله ابن القاسم من أصحابه .
وقال أصبغ - منهم - : يرجع لذلك .
وفي الرخصة في الدف في العيد أحاديث أخر :
خرج ابن ماجه من رواية الشعبي ، قال : شهد عياض الأشعري عيدًا بالأنبار ، فقال : ما لي لا أراكم تقلسون كما يقلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ومن رواية الشعبي ، عن قيس بن سعد ، قال : ما كان شيء على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وقد رأيته ، إلا شيء واحد ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقلس له يوم الفطر .
قال يزيد بن هارون : التقليس : ضرب الدف .
وقال يوسف بن عدي : التقليس : أن يقعد الجواري والصبيان على أفواه الطرق ، يلعبون بالطبل وغير ذلك .
وقد بسطنا القول في حكم الغناء وآلات اللهو في كتاب مفرد ، سميناه : " نزهة الأسماع في مسألة السماع " ، وإنما أشرنا إلى ذلك هاهنا إشارة لطيفة مختصرة .
[6/85] ومما يدخل في هذا الباب : ما روى حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن أنس ، قال : قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما ، فقال : " ما هذان اليومان ؟ " قالوا : نلعبهما في الجاهلية . فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما : يوم الفطر ، ويوم الأضحى " .
خرجه أبو داود والنسائي .