( 1442 ) ( 140 و141 ) [1503] وعَنْ عَائِشَةَ عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ ، حَتَّى ذَكَرْتُ أَن الروم وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ .
وفي رواية : ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ الْعَزْلِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ .


و( جُدامة الأسديَّة ) رويناه بالدال المهملة . وهكذا قاله مالك ، وهو الصواب . قال أبو حاتم : الْجُدامة : ما لم يندق من السُّنبل . قال غيره : هو ما يبقى في الغِرْبال من نَصية . وقال غير مالك بالذال المنقوطة . وهو من : الجذم ؟ الذي هو القطع . وهي : جُدامة بنت وهب بن محصن الأسديَّة ، تكنى : أم قيس ؛ وهي ابنة أخي عكَّاشة بن محصن . أسلمت عام الفتح .
و( قوله : لقد هممت أن أنهى عن الغِيلة )- بكسر الغين لا غير- وهي [4/174] الاسم من الغَيْل . وإذا دخلت عليه الهاء فليس إلا الكسر ، وإذا حُذفت الهاء فليس إلا الفتح في الغين . وقال بعضهم : يقال : الغَيلة - بالفتح - للمرة الواحدة من الغَيْل . وللغويين في تفسيرها قولان :
أحدهما : أن الغِيلة هي : أن يجامع الرَّجل امرأته وهي تُرضع . حُكي معناه عن الأصمعي . يقال منه : غال الرَّجل المرأةَ ، وأغالها ، وأغيلها .
وثانيهما : أنَّها أن تُرضع المرأة وهي حامل . يقال منه : غالت ، وأغالت ، وأغيلت ؛ قاله ابن السِّكِّيت .
قلت : والحاصل : أن كل واحد منهما يقال عليه : ( غيلة ) في اللغة ، وذلك : أن هذا اللفظ كيفما دار إنما يرجع إلى الضرر ، والهلاك ؛ ومنه تقول العرب : غالني أمرُ كذا ؛ أي : أضرَّ بي . وغالته الغول ؛ أي : أهلكته . وكلُّ واحدة من الحالتين المذكورتين مضرَّة بالولد . ولذلك يصح أن تحمل الغيلة في الحديث على كل واحد منهما .
فأمَّا ضرر المعنى الأول : فقالوا : إن الماء - يعني : المني - يغيلُ اللَّبن ؛ أي : يفسده . ويُسأل عن تعليله أهل الطبِّ .
وأمَّا الثاني : فضرره بيِّنٌ محسوسٌ . فإن لبن الحامل داءٌ وعلَّة في جوف الصبي ، يظهر أثره عليه . ومراده صلى الله عليه وسلم بالحديث : المعنى الأول ، دون الثاني ؛ لأنه هو الذي يحتاج إلى نظر في كونه يضرُّ الولد ؛ حتى احتاج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن ينظر إلى أحوال غير العرب ؛ الذين يصنعون ذلك . فلمَّا رأى أنَّه لا يضرُّ أولادهم لم يَنْه عنه .
وأمَّا الثاني : فضرره معلومٌ للعرب وغيرهم ، بحيث لا يحتاج إلى نظر ، ولا فكر .
وإنما هَمَّ النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الغيلة لما أكثرت العرب من اتقاء ذلك ، [4/175] والتحدُّث بضرره ، حتى قالوا : إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن فرسه .
وقد روي ذلك مرفوعًا من حديث أسماء ابنة يزيد ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تقتلوا أولادكم سرًّا فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه ) . ذكره ابن أبي شيبة . ثم لما حصل عند النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يضرّ أولاد العجم ؛ سوى بينهم وبين العرب في هذا المعنى ، فسوَّغه . فيكون حجة لمن قال من الأصوليين : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحكم بالرأي والاجتهاد . وقد تقدم ذلك .