‎( 28 ) باب
المقام عند البكر والثيب
( 1460 ) ( 41 و42 ) [1523] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي .
زاد في رواية : وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ ودُرْتُ . قَالَتْ: ثَلِّثْ .
وفي أخرى : لما أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ وَحَاسَبْتُكِ بِهِ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ .


( 28 ) ومن باب : المقام عند البكر والثيب
( قوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة : إنه ليس بك على أهلك هوان ) الضمير في ( إنه ) للأمر ، والشأن . و( ليس بك ) أي : لا يتعلّق بك ، ولا يقع بك . و( أهلك ) : يريد به نفسه . وكل واحد من الزوجين أهل لصاحبه . و( الهوان ) : النقص ، والاحتقار . وإنما قال لها ذلك حين أخذت بثيابه تستزيده من المقام عندها ، فاستلطفها بهذا القول الحسن . ثم بعد ذلك بيَّن لها وجه الحكم بقوله : ( للبكر سبع ، وللثيب ثلاث ) وهذا تقعيد للقاعدة ، وبيان لحكمها . وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث [4/203] يقول : لا يختص بذلك واحدة منهن ، بل يقضي لسائر نسائه بمثل ذلك ، تمسُّكًا منه بمطلق الأمر بالعدل بينهن . ولا يتم له ذلك ؛ لأنه مخصّص بهذا الحديث وشبهه .
وقد يقال : إذا كان الحكم : أن للثيب ثلاثًا ، وللبكر سبعًا ؛ فكيف خيرها بين التسبيع والتثليث ؟ ثم إن اختارت التسبيع سبّع لنسائه ، وسقط حقها من الثلاث .
ويجاب عن ذلك : بأن ظاهر قوله : ( ‎ للثيب ثلاث ، وللبكر سبع ) أن ذلك حق للزوجة . وهو أحد القولين عند مالك رحمه الله في هذا . فإذا رضيت بإسقاطه سقط ، فكأنه عرض عليها : أنها إن اختارت السبع سقط حقها من الثلاث .
وقد اختلف ؛ هل لغير النبي صلى الله عليه وسلم أن يسبع للثيب أم لا ؟ فذهب مالك فيما ذكر عنه ابن الموَّاز : إلى أنه ليس له أن يسبع . وكأنَّه رأى أن ذلك كان من خصوصيَّات النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ قد ظهرت خصوصياته في هذا الباب كثيرًا .
وقال ابن القصَّار : إذا سبع للثيب سبع لسائر نسائه ؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث . ولا يدلّ عنده على سقوط الثلاث لها . وكأنه تمسك بالرواية التي قال لها فيها : ( إن شئت زدتك وحاسبتك ) وكل هذا منه صلى الله عليه وسلم عمل بالعدل بين أزواجه ، ومراعاة له .
وهل كان ذلك منه - أعني القسم - على جهة الوجوب ، كما هو على غيره بالاتفاق ، أو هو مندوب إلى ذلك ، لكنه أخذ نفسه بذلك رغبة في تحصيل الثواب ، وتطييبًا لقلوبهن ، وتحسينًا للعشرة على مقتضى خُلُقه الكريم ، وليُقتدى به في ذلك ؟ قولان لأهل العلم .
مستند القول بالوجوب : التمسَّك بعموم القاعدة الكلية في وجوب العدل [4/204] بينهن ، وبقوله : ( اللهم هذه قسمتي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ، ولا أملك ) يعني : الحب ، والبغض .
ومستند نفيه : قوله تعالى : تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ وقد تقدَّم التنبيه على الخلاف في تأويلها . ولم يختلف في حق غير النبي صلى الله عليه وسلم ممن له زوجات : أن العدل عليه واجب ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة ، وشقه مائل ، أو ساقط ) ولقوله تعالى : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وسيأتي القول في كيفية القسم .