[6/123] 12 – باب التكبير أيام منى ، وإذا غدا إلى عرفة
وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمع أهل المسجد فيكبرون ، ويكبر أهل الأسواق حتَّى ترتج منى تكبيرا .
وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام ، وخلف الصلوات ، وعلى فراشه ، وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه ، تلك الأيام جمعا .
وكانت ميمونة تكبر يوم النحر .
وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد
.

قد تقدم : أن الأيام المعدودات التي أمر الله بذكره فيها هي أيام منى .
وهل هي الأربعة كلها ، أو أيام الذبح منها ؟ فيهِ خلاف سبق ذكره .
وهو مبني على أن ذكر الله فيها : هل هوَ ذكره على الذبائح . أو أعم من ذَلِكَ ؟
والصحيح : أنه أعم من ذَلِكَ .
وفي " صحيح مسلم " ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ في أيام منى : " إنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل " .
وذكر الله في هذه الأيام نوعان :
أحدهما : مقيد عقيب الصلوات .
[6/124] والثاني : مطلق في سائر الأوقات .
فأما النوع الأول :
فاتفق العلماء على أنه يشرع التكبير عقيب الصلوات في هذه الأيام في الجملة ، وليس فيهِ حديث مرفوع صحيح ، بل إنما فيهِ آثار عن الصحابة ومن بعدهم ، وعمل المسلمين عليهِ .
وهذا مما يدل على أن بعض ما أجمعت الأمة عليهِ لم ينقل إلينا فيهِ نص صريح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل يكتفى بالعمل به .
وقد قالَ مالك في هذا التكبير : إنه واجب .
قالَ ابن عبد البر : يعني وجوب سنة .
وهو كما قالَ .
وقد اختلف العلماء في أول وقت هذا التكبير وآخره .
فقالت طائفة : يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق .
فإن هذه أيام العيد ، كما في حديث عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : " يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام " .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وصححه .

وقد حكى الإمام أحمد هذا القول إجماعًا من الصحابة ، حكاه عن عمر وعليّ وابن مسعود وابن عباس .
فقيل له : فابن عباس اختلف عنه ؛ فقالَ : هذا هوَ الصحيح عنه ، وغيره [6/125] لا يصح عنه .
نقله الحسن بن ثواب ، عن أحمد .
وإلى هذا ذهب أحمد ؛ لكنه يقول : إن هذا في حق أهل الأمصار ، فأما أهل الموسم فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر ؛ لأنهم قبل ذَلِكَ مشتغلون بالتلبية .
وحكاه عن سفيان بن عيينة ، وقال : هوَ قول حسن .
ويمتد تكبيرهم إلى آخر أيام التشريق - أيضًا - على المشهور عنه .
ونقل حرب عنه ، أنهم يكبرون إلى صلاة الغداة من آخر أيام التشريق .
وممن فرق بين الخارج وأهل الأمصار : أبو ثور . وروى الخضر الكندي ، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، قال : إذا كان عليه تكبير وتلبية بدأ بالتكبير ، ثم بالتلبية .
قال أبو بكر بن جعفر : لم يروها غيره .
قلت : الخضر هذا ، غير مشهور ، وهو يروي عن عبد الله بن أحمد المناكير التي تخالف روايات الثقات ، عنه .
والذي نقل الثقات ، عن أحمد ، أن الحاج لا يكبر حتى يقطع التلبية ، فكيف يجتمعان عليهِ ؟
وقد حملها أبو بكر على ما إذا أخر الحاج رمي جمرة العقبة حتَّى صلى [6/126] الظهر ؛ فإنه يجتمع عليهِ في صلاة الظهر - حينئذ - تلبية وتكبير .
ووجهه : بأن هذا الوقت وقت التكبير ، وإنما صار وقت تلبية في حق هذا لتأخيره الرمي ، وهو نوع تفريط منه ، فلذلك بدأ بالتكبير قبل التلبية .
والإجماع الذي ذكره أحمد ، إنما هو في ابتداء التكبير يوم عرفة من صلاة الصبح .
أما آخر وقته ، فقد اختلف فيه الصحابة الذين سماهم .
فأما علي ، فكان يكبر من صبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق .
وهي الرواية التي صححها الإمام أحمد ، عن ابن عباس .
وكذلك روي عن عمر .
وروي ، عنه : إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق .
وأنكره يحيى القطان
.
وإلى قول علي ذهب الثوري وابن أبي ليلى وشريك وإسحاق .
ولم يفرق بين أهل منى وغيرهم .
وكذلك أكثر العلماء ، وهو قول الثوري .
وكذلك قال : إذا اجتمع التكبير والتلبية بدأ بالتكبير .
وأما ابن مسعود ، فإنه كان يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى الصلاة [6/127] العصر يوم النحر .
وهو قول أصحابه ، كالأسود وعلقمة ، وقول النخعي وأبي حنيفة .
وروى خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : التكبير من صلاة الظهر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق .
وهذه الرواية التي ضعفها أحمد ، وذكر أنها مختلفة .

قال عبد الرزاق : وبلغني عن زيد بن ثابت - مثله .
وعن الحسن ، قال : يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول .
وروى العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الفجر ، من آخر أيام التشريق .
وروى الواقدي بأسانيده ، عن عثمان وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد - نحوه .
وعن عطاء ، أن الأئمة كانوا يكبرون صلاة الظهر يوم النحر ، يبتدئون بالتكبير كذلك إلى آخر أيام التشريق .
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق .
وإليه ذهب مالك والشافعي - في أشهر أقواله .
وله قول آخر كقول علي ومن وافقه .
[6/128] وله قول ثالث : يبدأ من ليلة النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق .
والمحققون من أصحابه على أن هذه الأقوال الثلاثة في حق أهل الأمصار ، فأما أهل الموسم بمنى ، فإنهم يبدءون بالتكبير عقيب صلاة الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق بغير خلاف ، ونقلوه عن نص الشافعي . وهذا يوافق قول أحمد في ابتدائه .
واختار جماعة من أصحابه القول بأن ابتداءه في الأمصار من صبح يوم عرفة وانتهاءه عصر آخر يوم من أيام التشريق .
منهم المزني وابن سريج وابن المنذر والبيهقي وغيرهم من الفقهاء المحدثين منهم .
قالوا : وعليه عمل الناس في الأمصار .
وفي المسألة للسلف أقوال أخر .
وفي الباب حديث مرفوع ، لا يصح إسناده .
وخرجه الحاكم من حديث علي وعمار .
وضعفه البيهقي ، وهو كما قال
.
وقد أشار البخاري إلى مسألتين من مسائل هذا التكبير .
إحداهما :
أن التكبير يكون خلف الفرائض .
وهل يكبر خلف صلاة التطوع ؟
فقد تقدم في باب الماضي ، عن محمد بن علي - وهو : أبو جعفر - أنه كانَ يكبر خلف النوافل .
[6/129] وإلى قوله ذهب الشافعي - في أشهر قوليه - وابن المنذر .
وقال أكثر العلماء : لا يكبر عقب النوافل .
واختلفوا في التكبير عقب صلاة عيد النحر :
فقال مجاهد : يكبر .
وقال أحمد : إن ذهب رجل إلى ذا فقد روي فيه عن بعض التابعين ، والمعروف في المكتوبة .
وقال أبو بكر بن جعفر - من أصحابنا - : يكبر ؛ لأن صلاة العيد عندنا فرض كفاية ، فهي ملحقة بالفرائض ، وهو قول إسحاق بن راهويه ، وحكاه عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز والشعبي وعطاء الخراساني وغيرهم .
وللشافعي قولان .
واختلفوا : هل يكبر من صلى الفرض وحده ؟ على قولين .
أحدهما : لا يكبر ، وهو مروي عن ابن عمر .
وذكره سفيان الثوري ، عن أبي جعفر ، عن أنس .
وقال ابن مسعود : ليس بالتكبير في أيام التشريق على الواحد والاثنين ، التكبير على من صلى في جماعة .
وممن قال : لا يكبر إذا صلى الفرض وحده : الثوري وأبو حنيفة وأحمد - في رواية .
والقول الثاني : وهو قول الشعبي والنخعي والأوزاعي والثوري - في رواية أخرى - والحسن بن صالح ومالك والشافعي وأحمد في رواية أخرى .
وقال هؤلاء كلهم : يكبر في السفر والحضر .
[6/130] وقال أبو حنيفة : لا يكبر المسافر إلا إذا اقتدى بالمقيم ، تبعًا له ، واتفقوا على أن الحاج يكبرون بمنى .
المسألة الثانية :
أن النساء كن يكبرن إذا صلين مع الرجال في المسجد خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز - يعني : مسجد المدينة - في ليالي أيام التشريق .
وهذا يدل على أن النساء إنما كن يشهدن المساجد بالليل ، كما سبق .
ولا خلاف في أن النساء يكبرن مع الرجال تبعًا ، إذا صلين معهم جماعة ، ولكن المرأة تخفض صوتها بالتكبير . وإن صلت منفردة ، ففي تكبيرها ما في تكبير الرجل المنفرد ، بل هي أولى بعدم التكبير .
وإن صلى النساء جماعة ، ففي تكبيرهن قولان - أيضًا - وهما روايتان عن الثوري وأحمد .
ومذهب أبي حنيفة : لا يكبرن .
ومذهب مالك والشافعي : يكبرن .
النوع الثاني :
التكبير المطلق ، الذي لا يتقيد بوقت .
وقد ذكر البخاري عن عمر وابن عمر ، أنهما كانا يكبران بمنى - يعني : في غير إدبار الصلوات - وأن الناس كانوا يكبرون بتكبير عمر حتى ترتج منى .
وعن ميمونة ، أنها كانت تكبر يوم النحر .
وقد روى أبو عبيد : حدثني يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، [6/131] عن عبيد بن عمير ، أن عمر كان يكبر في قبته بمنى ، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ، فيسمعه أهل السوق فيكبرون حتى ترتج منى تكبيرًا .
وخرجه عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن عمر بن دينار : سمعت عبيد بن عمير - فذكره بمعناه .
وخرجه وكيع في " كتابه " ، عن طلحة ، عن عطاء .
وخرجه - أيضًا - عن عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، أن عمر كان يكبر تلك الأيام بمنى ، ويقول : التكبير واجب على الناس ، ويتأول هذه الآية : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ
وذكر مالك في " الموطأ " ، أنه بلغه ، أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر ، حين ارتفع النهار شيئًا ، فكبر الناس بتكبيره ، ثم خرج حين زاغت الشمس ، فكبر ، فكبر الناس بتكبيره ، حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت ، فيعلم أن عمر قد خرج يرمي .
وهذا منصوص الشافعي ، قال في المصلي : إذا سلم كبر خلف الفرائض والنوافل وعلى كل حال .
وذكر في " الأم " من هذا الباب ، أنه يكبر الحائض والجنب وغير المتوضئ في جميع الساعات من الليل والنهار .
ومذهب مالك ، أنه لا يكبر في أيام التشريق في غير دبر الصلوات . قال : كذلك كان من يقتدي به يفعل .
ذكره صاحب " تهذيب المدونة " .
وتأول بعض أصحابه تكبير عمر بمنى على أنه كان عند رمي الجمار
[6/132] وهو تأويل فاسد .
ولم يذكر أصحابنا التكبير في عيد النحر إلا في أدبار الصلوات ، غير أنهم ذكروا إظهار التكبير في ليلة العيد ، وفي الخروج إلى المصلى إلى أن يخرج الإمام ، والتكبير مع الإمام إذا كبر في خطبته .
وحكى بعضهم خلافًا عن أحمد في التكبير في حال الرجوع من المصلى إلى المنزل .