[1/20] فصل
خرج البخاري :
8 - من حديث عكرمة بن خالد عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان " .


وهذا الحديث دل على أن الإسلام مبني على خمسة أركان ، وهذا يدل على أن البخاري يرى أن الإيمان والإسلام مترادفان .
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : " بني الإسلام على خمس " - أن الإسلام مثله كبنيان ، وهذه الخمس دعائم البنيان وأركانه التي يثبت عليها البنيان .
وقد روي في لفظ : " بني الإسلام على خمس دعائم " .
خرجه محمد بن نصر المروزي .
وإذا كانت هذه دعائم البنيان وأركانه فبقية خصال الإسلام كبقية البنيان ، فإذا فقد شيء من بقية الخصال الداخلة في مسمى الإسلام الواجب نقص البنيان ولم يسقط بفقده ، وأما هذه الخمس فإذا زالت كلها سقط البنيان ولم يثبت بعد زوالها .
وكذلك إن زال منها الركن الأعظم وهو الشهادتان ، وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمع معهما .
وأما زوال الأربع البواقي فاختلف العلماء هل يزول الاسم بزوالها أو بزوال واحد منها ؟ أم لا يزول بذلك ؟ أم يفرق بين الصلاة وغيرها ، فيزول بترك [1/21] الصلاة دون غيرها ؟ أم يختص زوال الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصة ؟ وفي ذلك اختلاف مشهور .
وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد .
وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة ، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعا منهم ، حتى إنه جعل قول من قال : لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها - من أقوال المرجئة .
وكذلك قال سفيان بن عيينة : المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم ، وليسا سواء ؛ لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال معصية ، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر .
وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس ، وعلماء اليهود ، والذين أقروا ببعث النبي صلى الله عليه وسلم بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه .
وروي عن عطاء ونافع مولى ابن عمر أنهما سئلا عمن قال : الصلاة فريضة ، ولا أصلي ، فقالا : هو كافر .
وكذا قال الإمام أحمد .
ونقل حرب عن إسحاق قال : غلت المرجئة حتى صار من قولهم : إن قوما يقولون : من ترك الصلوات المكتوبات ، وصوم رمضان ، والزكاة ، والحج ، وعامة الفرائض من غير جحود لها - إنا لا نكفره ، يرجأ أمره إلى الله بعد ، إذ هو مقر . فهؤلاء الذين لا شك فيهم ، يعني في أنهم مرجئة .
وظاهر هذا أنه يكفر بترك هذه الفرائض .
وروى يعقوب الأشعري ، عن ليث ، عن سعيد بن جبير قال : من ترك [1/22] الصلاة متعمدا فقد كفر ، ومن أفطر يوما من رمضان متعمدا فقد كفر ، ومن ترك الحج متعمدا فقد كفر ، ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر .
ويروى عن الحكم بن عتيبة نحوه .
وحكي رواية عن أحمد ، اختارها أبو بكر من أصحابه .
وعن عبد الملك بن حبيب المالكي مثله .
وهو قول أبي بكر الحميدي .
وروي عن ابن عباس : التكفير ببعض هذه الأركان دون بعض ؛ فروى مؤمل ، عن حماد بن زيد ، عن عمرو بن مالك النكري ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس - ولا أحسبه إلا رفعه - قال : " عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة ، عليهن أسس الإسلام : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وصوم رمضان ؛ من ترك منها واحدة فهو بها كافر حلال الدم . وتجده كثير المال لم يحج ، فلا يزال بذلك كافرا ، ولا يحل دمه . وتجده كثير المال لا يزكي فلا يزال بذلك كافرا ، ولا يحل دمه .
ورواه قتيبة عن حماد بن زيد ، فوقفه واختصره ، ولم يتمه .
ورواه سعيد بن زيد - أخو حماد - عن عمرو بن مالك ورفعه ، وقال : " من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر ، ولا يقبل منه صرف ولا عدل ، وقد حل دمه وماله " ولم يزد على ذلك .
والأظهر وقفه على ابن عباس ؛ فقد جعل ابن عباس ترك هذه الأركان كفرا ، لكن بعضها كفر يبيح الدم ، وبعضها لا يبيحه ، وهذا يدل على أن الكفر بعضه ينقل عن الملة ، وبعضه لا ينقل .
[1/23] وأكثر أهل الحديث على أن ترك الصلاة كفر دون غيرها من الأركان ، كذلك حكاه محمد بن نصر المروزي وغيره عنهم .
وممن قال بذلك : ابن المبارك ، وأحمد في المشهور عنه ، وإسحاق ، وحكى عليه إجماع أهل العلم كما سبق .
وقال أيوب : ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه .
وقال عبد الله بن شقيق : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة .
خرجه الترمذي .
وقد روي عن علي وسعد وابن مسعود وغيرهم ، قالوا : من ترك الصلاة فقد كفر .
وقال عمر : لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة .
وفي " صحيح مسلم " عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " .
وخرج النسائي والترمذي وابن ماجه من حديث بريدة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر " .
وصححه الترمذي وغيره
.
[1/24] ومن خالف في ذلك جعل الكفر هنا غير ناقل عن الملة كما في قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ
فأما بقية خصال الإسلام والإيمان فلا يخرج العبد بتركها من الإسلام عند أهل السنة والجماعة . وإنما خالف في ذلك الخوارج ونحوهم من أهل البدع .
قال حذيفة : الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم ، والصلاة سهم ، والزكاة سهم ، والحج سهم ، ورمضان سهم ، والجهاد سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وقد خاب من لا سهم له .
وروي مرفوعا ، والموقوف أصح
.
فسائر خصال الإسلام الزائدة على أركانه الخمسة ودعائمه إذا زال منها شيء نقص البنيان ، ولم ينهدم أصل البنيان بذلك النقص .
وقد ضرب الله ورسوله مثل الإيمان والإسلام بالنخلة .
قال الله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا .
فالكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد وهي أساس الإسلام ، وهي جارية على لسان المؤمن ، وثبوت أصلها هو ثبوت التصديق بها في قلب المؤمن ، وارتفاع فرعها في السماء هو علو هذه الكلمة وبسوقها ، وأنها تخرق الحجب ولا تتناهى دون العرش .
وإتيانها أكلها كل حين هو ما يرفع بسببها للمؤمن كل حين من القول [1/25] الطيب والعمل الصالح ، فهو ثمرتها .
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن أو المسلم كمثل النخلة .
وقال طاوس : مثل [الإيمان] كشجرة أصلها الشهادة ، وساقها كذا وكذا ، وورقها كذا وكذا ، وثمرها الورع ، ولا خير في شجرة لا ثمر لها ، ولا خير في إنسان لا ورع فيه .
ومعلوم أن ما دخل في مسمى الشجرة والنخلة من فروعها وأغصانها وورقها وثمرها إذا ذهب شيء منه لم يذهب عن الشجرة اسمها ، ولكن يقال : هي شجرة ناقصة ، وغيرها أكمل منها . فإن قطع أصلها وسقطت لم تبق شجرة ، وإنما تصير حطبا .
فكذلك الإيمان والإسلام إذا زال منه بعض ما يدخل في مسماه مع بقاء أركان بنيانه لا يزول به اسم الإسلام والإيمان بالكلية ، وإن كان قد سلب الاسم عنه لنقصه ، بخلاف ما انهدمت أركانه وبنيانه ؛ فإنه يزول مسماه بالكلية ، والله أعلم .