[6/146] 19 - باب موعظة الإمام النساء يوم العيد
978 - حدثنا إسحاق : ثنا عبد الرزاق : ثنا ابن جريج : أخبرني عطاء ، عن جابر بن عبد الله ، قالَ : سمعته يقول : قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الفطر فصلى ، فبدأ بالصلاة ، ثم خطب ، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن ، وهو يتوكأ على بلال ، وبلال باسط ثوبه ، يلقي فيه النساء الصدقة .
قلت لعطاء : زكاة يوم الفطر ؟ قالَ : لا . ولكن صدقة يتصدقن حينئذ ، تلقي فتخها ويلقين .
قلت : أترى حقا على الإمام ذلك ، يأتيهن ويذكرهن ؟ قالَ : إنَّهُ لحق عليهم ، وما لهم لا يفعلونه ؟
979 - قالَ ابن جريج : وأخبرني حسن بن مسلم ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قالَ : شهدت الفطر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان ، يصلونها قبل الخطبة ، ثُمَّ يخطب بعد ، خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ كأني أنظر إليه حين يجلس بيده ، ثُمَّ أقبل يشقهم حتَّى جاء النساء ، معه بلال ، فقالَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ الآية ، ثُمَّ قالَ - حين فرغ منها - : " أأنتن على ذَلِكَ ؟ " ، قالت امرأة واحدة منهن ، لم يجبه غيرها : نعم - لا يدري حسن من هي - قال : فتصدقن ، فبسط بلال ثوبه ، ثم قال ، هلم لكن فداء أبي وأمي ، فيلقين الفتخ [6/147] والخواتيم في ثوب بلال .
قال عبد الرزاق : الفتخ : الخواتيم العظام ، كانت في الجاهلية
.

قد تقدم الكلام على قوله : " فلما فرغ نزل " وأنه يشعر بأنه كان على موضع عالٍ .
وموعظته للنساء وهو يتوكأ على بلال : دليل على أن الإمام إذا وعظ قائما على قدميه فله أن يتوكأ على إنسان معه ، كما يتوكأ على قوس أو عصا .
وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما انتقل من مكان خطبته للرجال ، أشار إليهم بيده أن لا يذهبوا .
وفيه : دليل على أن الأولى للرجال استماع خطبة النساء - أيضًا - لينتفعوا بسماعها وفعلها ، كما تنتفع النساء .
وقد تقدم : أن الإمام يفرد النساء بموعظة إذا لم يسمعوا موعظة الرجال ، وهو قول عطاء ومالك والشافعي وأصحابنا .
وقال النخعي : يخطب قدر ما ترجع النساء إلى بيوتهن .
وهذا يخالف السنة ، ولعله لم يبلغه ذلك .
وقد روي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خير الناس بين استماع الخطبة والذهاب .
فروى عطاء ، عن عبد الله بن السائب ، قال : شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العيد ، فلما قضى الصلاة قالَ : " إنا نخطب ، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ، ومن أحب أن يذهب فليذهب " .
خرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة في " صحيحه " ، من رواية الفضل بن موسى السيناني ، عن ابن جريج ، عن عطاء .
[6/148] وقال أبو داود : ويروى - مرسلا - عن عطاء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وروى عباس الدوري ، عن ابن معين ، قال : وصله خطأ من الفضل ، وإنما هو عن عطاء مرسلا .
وكذا قال أبو زرعة : المرسل هو الصحيح .
وكذا ذكر الإمام أحمد أنه مرسل
.
وكان عطاء يقول به ، ويقول : إن شاء فليذهب .
قال أحمد : لا نقول بقول عطاء ، أرأيت لو ذهب الناس كلهم على من كان يخطب ؟
ولم يرخص في الانصراف قبل فراغ الخطبة ، ولعله أراد انصراف الناس كلهم ، فيصير الإمام وحده فتتعطل الخطبة . والله أعلم .
واختلف قول الإمام أحمد في جواز الكلام والإمام يخطب في العيد ، على روايتين عنه .
وروى وكيع بإسناده ، عن ابن عباس ، أنه كره الكلام في أربعة مواطن : في الجمعة ، والفطر ، والأضحى ، والاستسقاء ، والإمام يخطب .
وكرهه الحسن وعطاء .
وقال مالك : من صلى مع الإمام فلا ينصرف حتى ينصرف الإمام .
وكذلك مذهبه فيمن حضر من النساء العيدين ، فلا ينصرف إلا بانصراف الإمام .
[6/149] ذكره في " تهذيب المدونة " .
ومذهب الشافعي ، . . . من أصحابنا كقول عطاء : إن استماع الخطبة مستحب غير لازم .
وظاهره : أنه يجوز للرجال كلهم الانصراف وتعطيل الخطبة ؛ لأنها مستحبة غير واجبة .
وقد رأيت كلام أحمد مصرحًا بخلاف ذلك .
وفي حديث ابن عباس ، أنه يجوز للإمام أن يشق الناس ويتخطاهم إذا كان له في ذلك مصلحة .
وفي اكتفائه - صلى الله عليه وسلم - بإجابة امرأة واحدة بعد قوله للنساء : " أأنتن على ذلك ؟ " دليل على أن إقرار واحد من الجماعة في الأمور الدينية كاف ، إذا سمع الباقون ، وسكتوا عن الإنكار .
وقوله : " لا يدري حسن من هي " حسن ، هو : ابن مسلم - صاحب طاوس .
وفي رواية مسلم في " صحيحه " لهذا الحديث : " لا يدرى حينئذ من هي " .
وقد قال بعض الحفاظ المتأخرين : إن رواية البخاري هي الصحيحة .
وقد فسر عبد الرزاق في رواية البخاري " الفتخ " بالخواتيم العظام .
وقيل : " الفتخة " حلقة من ذهب أو فضة لا فص لها ، وربما اتخذ لها فص .
وقيل : إنها تكون في أصابع اليدين والرجلين من النساء .
[6/150] وهي بفتح الفاء والتاء والخاء المعجمة .
ويفرق بين مفردها وجمعها تاء التأنيث ، كأسماء الجنس الجمعي ، وهو في المخلوقات كثير كتمرة وتمر ، وفي المصنوعات قليل كعمامة وعمام . ومنه : فتخة وفتخ .
وتجمع " فتخة " على فتخات وفتوخ - أيضًا .
وفي الحديث : التفدية بالأب والأم ، ولبسط القول فيه موضع آخر ، يأتي - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
وفيه جواز صدقة المرأة بدون إذن زوجها تطوعًا .
ولعل ابن جريج استشكل ذلك فظن أن هذه الصدقة كانت صدقة الفطر ؛ لأن الصدقة الواجبة لا إشكال في إخراج المرأة لها بدون إذن زوجها ، فسأل عطاء عن ذَلِكَ ، فأخبره عطاء أنها لم تكن صدقة الفطر ، وإنما هي صدقة تطوع .
ولم يستدل عطاء بأن صدقة الفطر لا تؤخذ فيها القيمة ، فلعله كان يرى جواز إخراج القيمة فيها .
وإنما أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - معه بلالا ليتوكأ عليهِ ، وليحمل الصدقة التي تلقيها النساء .
وفيه : دليل على أن الإمام يستصحب معه المؤذن في الصلوات التي يجمع لها ويخطب ، وإن لم يكن يؤذن لها ويقام ، ويستعين به .