[6/163] 24 – باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد
986 - حدثنا محمد : ثنا أبو تميلة يحيى بن واضح ، عن فليح بن سليمان ، عن سعيد بن الحارث ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم عيد خالف الطريق .
تابعه : يونس بن محمد ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة .
وحديث جابر أصح .


كذا في بعض النسخ : " تابعه : يونس ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة " وهي رواية ابن السكن .
ويقال : إن ذلك من إصلاحه .
وفي أكثر النسخ : " تابعه : يونس بن محمد ، عن فليح ، وحديث جابر أصح " .
وذكر أبو مسعود الدمشقي : أن البخاري قالَ : " تابعه يونس بن محمد ، عن فليح . قال : وقال : محمد بن الصلت : عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وحديث جابر أصح " .
ثم ذكر أن ذلك وهم منه - يعني : متابعة يونس لأبي تميلة - وإنما رواه يونس ومحمد بن الصلت ، كلاهما عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة .
وكذا رواه الهيثم بن جميل ، عن فليح ، وأن البخاري أراد أن يونس قال فيهِ : " عن جابر
" .
وفيه : إشارة إلى أن غيرهما خالف في ذكر جابر ، وأن ذكره أصح ، وما [6/164] ذكره أبو مسعود تصريح بذلك .
وقوله : " وحديث جابر " يدل عليه ، والله أعلم .
وحاصل الأمر : أنه اختلف في إسناده على فليح :
فرواه عنه الأكثرون ، منهم : محمد بن الصلت والهيثم بن جميل وسريج ، فقالوا : عن سعيد بن الحارث ، عن أبي هريرة .
وخالفهم أبو تميلة يحيى بن واضح ، فرواه عن سعيد بن الحارث ، عن جابر .
وعند البخاري ، أن هذا أصح .
وأما يونس بن محمد ، فرواه عن فليح ، واختلف عنه :
فذكر البخاري والترمذي في " جامعه " : أنه رواه عن فليح عن سعيد ، عن جابر ، متابعة لأبي تميلة .
وكذا رواه ابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما " .
وكذلك خرجه البيهقي من رواية محمد بن عبيد الله المنادي ، عن يونس .
وقد قال مهنا : قلت لأحمد : هل سمع سعيد بن الحارث من أبي هريرة ؟ فلم يقل شيئًا .
وقد ذكر البيهقي : أن أبا تميلة روي عنه ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة - أيضًا .
ثم خرجه من طريق أحمد بن عمرو الحرشي ، عن أبي تميلة كذلك .
فتبين بهذا : أن أبا تميلة ويونس اختلف عليهما في ذكر : " أبي هريرة [6/165] وجابر " ، وأن أكثر الرواة قال فيه : " عن أبي هريرة " ، ومنهم من اختلف عليه في ذكر " أبي هريرة وجابر " .
وقد ذكر الإمام أحمد ، أنه حديث أبي هريرة ، وهذا يدل على أن المحفوظ قول من قالَ : " عن أبي هريرة " ، كما قاله أبو مسعود ، خلاف ما قاله البخاري .
وفي الباب : أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري .
ومن أجودها : حديث عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ يوم العيد في طريق ، ثم رجع من طريق آخر .
خرجه أبو داود
.
وخرجه ابن ماجه ، وعنده : أن ابن عمر كان يخرج إلى العيد في طريق ، ويرجع في أخرى ، ويزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله .
وقد استغربه الإمام أحمد ، وقال : لم أسمع هذا قط .
وقال - أيضًا - : العمري يرفعه ، ومالك وابن عيينة لا يرفعانه .
يعني : يقفانه على ابن عمر من فعله .
قيل له : قد رواه عبيد الله - يعني : أخا العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ؟ فأنكره ، وقال : من رواه ؟ قيل لهُ : عبد العزيز بن محمد - يعني : الدراوردي - قالَ : عبد العزيز يروي مناكير .
وقال البرقاني : سألت الدارقطني : هل رواه عن نافع غير العمري ؟ قَالَ : [6/166] من وجه يثبت ، لا . ثُمَّ قالَ : روي عن مالك ، عن نافع ، ولكن لا يثبت . انتهى .
والصحيح عن مالك وغيره : وقفه دون رفعه .
وكذا رواه وكيع عن العمري - موقوفا
.
وقد استحب كثير من أهل العلم للإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره ، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد .
وألحق الجمعة بالعيد في ذلك .
ولو رجع من الطريق الذي خرج منه لم يكره .
وفي " سنن أبي داود " حديث ، فيه : أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يفعلون ذلك في زمانه .
وتكلم الناس في المعنى الذي لأجله يستحب مخالفة الطريق ، وكثر قولهم في ذلك ، وأكثره ليس بقوي .
وقد روي في حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغدو من طريق ويرجع من آخر ؛ ليتسع الناس في الطرق .
وعبد الرحمن هذا ضعيف جدًا .

ومعنى الاتساع في الطرق : أنه يخشى كثرة الزحام في الطريق الأول .
وهذا أحد ما قيل في معناه .
وقيل : ليشهد به الطريقان .
[6/167] وقيل : ليتصدق على من كان فيهما من السؤال .
وقيل : ليكثر التقاء المسلمين بعضهم ببعض للسلام والتودد .
وقيل : للتفاؤل بتغير الحال إلى الرضى والمغفرة ؛ فإنه يرجى لمن شهد العيد أن يرجع مغفورًا لهُ .
وقيل : كان يغدو في أطول الطريقين ويرجع في أقصرهما ؛ لتكثر خطاه في المشي إلى الصَّلاة .
وهذا هو الذي رجحه كثير من الشافعية .
وقد روي في حديث عكس هذا :
فرواه سليمان بن أرقم ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان إذا خرجوا إلى العيد من طريق رجعوا في طريق آخر أبعد منه .
وسليمان بن أرقم ، متروك .
ولا أصل لحديثه هذا بهذا الإسناد .

وعلى تقدير أن يكون له أصل ، فيمكن توجيهه بأن القاصد لصلاة العيد ينبغي له قصدها من أقرب الطرق ؛ لأنه إن كانَ أمامًا فلئلا يطول انتظاره ، وإن كانَ مأمومًا فخشية أن يسبق بالصلاة أو بعضها ، أو أن يتمكن من صلاتها في مكان يمكنه الاقتداء فيهِ بالإمام ؛ ولهذا شرع له التبكير ؛ ليقرب من الإمام .
والراجع من الصَّلاة قد أمن ذَلِكَ كله ، فيمشي حيث شاء ، ويسلك أبعد الطرق ، ويقف فيها لحاجته وللقاء الناس والسلام عليهم والدعاء لهم ، وغير ذَلِكَ من المصالح .
وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين ، أنهم كانوا يتلاقون يوم العيد ، ويدعو بعضهم لبعض بالقبول .
[6/168] ورخص فيه الإمام أحمد ، وقال : لا أبتدئ به أحدًا ، فإن قاله لي ، رددت عليه .
وقال - مرة - : ما أحسنه ، إلا أن يخاف الشهرة .
كأنه يشير إلى أنه يخشى أن يشتهر المعروف بالدين والعلم بذلك ، فيقصد لدعائه ، فيكره لما فيه من الشهرة .
وقد خرج الإمام أحمد من حديث المنكدر بن محمد ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا في السوق يوم العيد ، ينظر والناس يمرون .
ورواه الشافعي ، عن إبراهيم بن محمد : حدثني معاذ بن عبد الرحمن التيمي ، عن أبيه ، عن جده ، أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع من المصلى في يوم عيد ، فسلك على التمارين أسفل السوق ، حتى إذا كان عند موضع البركة التي بالسوق قام فاستقبل فج أسلم ، فدعا ثم انصرف .
قال الشافعي : فأحب أن يصنع الإمام مثل هذا ، وأن يقف في موضع يدعو الله عز وجل ، مستقبل القبلة .