[6/169] 25 – باب
إذا فاته العيد يصلي ركعتين ، وكذلك النساء ، ومن كان في البيوت والقرى ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " هذا عيدنا أهل الإسلام "
وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية ، فجمع أهله وبنيه ، فصلى بهم كصلاة أهل المصر وتكبيرهم .
وقال عكرمة : أهل السواد يجتمعون في العيد ، يصلون ركعتين ، كما يصنع الإمام .
وكان عطاء إذا فاته العيد صلى ركعتين
.

ذكر البخاري في هذا الباب مسائل .
أحدها :
من فاته صلاة العيد مع الإمام من أهل المصر ، فإنه يصلي ركعتين .
وحكاه عن عطاء .
وحكي - أيضا - عن أبي حنيفة والحسن وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنخعي ، وهو قول مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد - في رواية ، عنه .
ثم اختلفوا : هل يصلي ركعتين بتكبير كتكبير الإمام ، أم يصلي بغير تكبير ؟
فقالَ الحسن والنخعي ومالك والشافعي وأحمد - في رواية - : يصلي بتكبير ، كما يصلي الإمام .
واستدلوا بالمروي عن أنس ، وأنس لم يفته في المصر بل كان ساكنًا خارجًا من المصر بعيدًا منه ، فهو في حكم أهل القرى .
[6/170] وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد - في رواية عنه .
والقول بأنه يصلي كما يصلي الإمام قول أبي حنيفة وأبي بكر بن أبي شيبة ، حتى قالَ : لا يكبر إلا كما يكبر الإمام ، لا يزيد عليه ولا ينقص .
وكذا قاله الإمام أحمد - في رواية أبي طالب .
وعن ابن سيرين ، قال : كانوا يستحبون إذا فات الرجل العيدان أن يمضي إلى الجبان ، فيصنع كما يصنع الإمام .
وقال أحمد - في رواية الأثرم - : إن صليت ذهب إلى الجبان فصلى ، وإن شاء صلى مكانه .
وقال - في رواية إسماعيل بن سعيد - : إذا صلى وحده لم يجهر بالقراءة ، وإن جهر جاز .
وهذا عنده حكم المصلي الصلاة الجهرية مفردًا ، فلو صلاها في جماعة جهر بها بغير إشكال ، كما فعله الليث بن سعد .
وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الإمام لا يجهر بالقراءة في صلاة العيدين إلا بمقدار ما يسمع من يليه ، روي ذلك عن علي ، وهو قول الحسن والنخعي والثوري .
وذكر الحسن ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يسمعون القراءة في العيدين والجمعة من يليهم .
خرجه المروزي في " كتاب العيدين " .
وهو قول الثوري في الجمعة والعيدين جميعًا .
[6/171] وقال عطاء والأوزاعي وأحمد - في الرواية الأخرى - : يصلي من فاته العيد ركعتين بغير تكبير .
وهذه الرواية ، حكاها أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب " الشافي " .
وقال أحمد : إنما التكبير مع الجماعة .
وجعله أبو بكر عبد العزيز كالتكبير خلف المكتوبة في أيام التشريق .
وروى حنبل ، عن أحمد ، أنه مخير ، إن شاء صلى بتكبير ، وإن شاء صلى بغير تكبير .
وقالت طائفة : من فاتته صلاة العيد مع الإمام صلى أربع ركعات .
روي ذلك عن ابن مسعود من غير وجه .
وسوى ابن مسعود بين من فاتته الجمعة ، ومن فاته العيد ، فقال - في كل منهما - : يصلي أربعًا .
واحتج به الإمام أحمد .
ولا عبرة بتضعيف ابن المنذر له ؛ فإنه روي بأسانيد صحيحة .

وهذا قول الشعبي والثوري وأحمد - في رواية أخرى ، عنه - وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا ، بناءً على اختيارهم اشتراط الجماعة للعيد والاستيطان ، ويكون الأربع عيدًا .
نص عليه أحمد في رواية الميموني .
وهذا يشبه قول ابن شاقلا : إن أدرك تشهد الجمعة يصلي أربعًا ، وهي جمعة له ، كما سبق ذلك .
وعلى هذا ، فيصلي وحده من غير جماعة ، نص عليه أحمد في رواية [6/172] محمد بن الحكم ، وكذا ذكره أبو بكر عبد العزيز .
وإنما يصلي في جماعة إذا قلنا : يصلي صلاة العيد على صفتها .
وهل يصلي الأربع بسلام واحد ، أو يخير بين ذلك وبين صلاتها بسلامين ؟
فيهِ عن أحمد روايتان .
واختار أبو بكر صلاتها بسلام واحد ، تشبيهًا لصلاتها بصلاة من تفوته الجمعة .
وعن أحمد : يخير بين أن يصلي ركعتين أو أربعًا .
وهذا مذهب الثوري الذي حكاه أصحابه ، عنه .
واستدل أحمد ، بأنه روي عن أنس ، أنه صلى ركعتين ، وعن ابن مسعود أنه صلى أربعًا .
وكذلك روي عن علي ، أنه أمر من يصلي بضعفة الناس في المسجد أربعًا ، ولا يخطب بهم .
وروى أحمد بن القاسم ، عن أحمد الجمع بين فعل أنس وقول ابن مسعود على وجه آخر ، وهو : إن صلى من فاته العيد جماعة صلى كصلاة الإمام ركعتين ، كما فعل أنس ، وإن صلى وحده صلى أربعًا ، كما قال ابن مسعود .
وقال إسحاق : إن صلاها في بيته صلاها أربعًا كالظهر ، وإن صلاها في المصلى صلاها ركعتين بالتكبير ؛ لأن عليًا أمر الذي يصلي بضعفة الناس في المسجد أن يصلي أربعا ، ركعتين مكان صلاة العيد ، وركعتين مكان خروجهم إلى الجبان ، كذا رواه حنش بن المعتمر عن علي .
واعلم أن الاختلاف في هذه المسألة ينبني على أصل ، وهو : أن صلاة [6/173] العيد : هل يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام ؟
فيهِ قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد .
وأكثر العلماء ، على أنه لا يشترط لها ذَلِكَ ، وهو قول مالك والشافعي .
ومذهب أبي حنيفة وإسحاق : أنه يشترط لها ذلك .
فعلى قول الأولين : يصليها المنفرد لنفسه في السفر والحضر والمرأة والعبد ومن فاتته ، جماعة وفرادى .
لكن لا يخطب لها خطبة الإمام ؛ لأن فيهِ افتئاتًا عليهِ ، وتفريقًا للكلمة .
وعلى قول الآخرين : لا يصليها إلا الإمام أو من أذن لهُ ، ولا تصلى إلا كما تصلى الجمعة ، ومن فاتته ، فإنه لا يقضيها على صفتها ، كما لا يقضي الجمعة على صفتها .
ثم اختلفوا :
فقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تقضى بالكلية ، بل تسقط ، ولا يصلي من فاتته مع الإمام عيدا أصلا ، وإنما يصلي تطوعًا مطلقًا ، إن شاء صلى ركعتين ، وإن شاء صلى أربعًا .
وقال أحمد وإسحاق : بل تقضى كما قال ابن مسعود وغيره من الصحابة .
وليست العيد كالجمعة ؛ ولهذا يصليها الإمام والناس معه إذا لم يعلموا بالعيد إلا من آخر النهار من غد يوم الفطر ، والجمعة لا تقضى بعد خروج وقتها ، ولأن الخطبة ليست شرطًا لها ، فهي كسائر الصلوات ، بخلاف الجمعة .
والذين قالوا : تقضى إذا فاتت مع الإمام ، لم يختلفوا أنها تقضى ما دام وقتها باقيًا .
فإن خرج وقتها ، فهل تقضى ؟
قالَ مالك : لا تقضى .
[6/174] وعن الشافعي قولان .
والمشهور عندنا : إنما تقضى .
وخرجوا فيها رواية أخرى : أنها لا تقضى .
وأصل ذلك : أن السنن الرواتب : هل تقضى في غير وقتها ، أم لا ؟
وفيه قولان ، وروايتان عن أحمد ؛ فإن فرض العيد يسقط بفعل الإمام ، فيصير في حق من فاتته سنة .
ولو أدرك الإمام وقد صلى وهو يخطب للعيد ففيه أقوال :
أحدها : أنه يجلس فيسمع الخطبة ، ثم إذا فرغ الإمام صلى قضاءً ، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأبي ثور ، ونص عليه أحمد - أيضا .
والثاني : أنه يصلي والإمام يخطب ، كما يصلي الداخل في خطبة الجمعة والإمام يخطب ، وهو قول الليث ؛ لكن الليث صلى العيد بأصحابه والإمام يخطب .
وقال الشافعية : إن كانَ الإمام يخطب في المصلى ، جلس واستمع ؛ لأنه ما لم يفرغ من الخطبة فهو في شعار إقامة العيد ، فيتابع فيما بقي منه ، ولا يشغل عنه بالصلاة ، وإن كان يخطب في المسجد ؛ فإنه يصلي قبل أن يجلس .
ثم لهم وجهان :
أحدهما : يصلي تحية المسجد ، كالداخل يوم الجمعة ، وهو قول بعض أصحابنا - أيضا .
والثاني : يصلي العيد ؛ لأنها آكد ، وتدخل التحية ضمنا وتبعًا ، كمن دخل المسجد يوم الجمعة وعليه صلاة الفجر ؛ فإنه يقضيها وتدخل التحية تبعًا .
ووجه قول الأوزاعي وأحمد : أن استماع الخطبة من كمال متابعة الإمام في [6/175] هذا اليوم ، فإذا فاتت الصَّلاة معه لم يفوت استماع الخطبة ، وليس كذلك الداخل في خطبة الجمعة ؛ لأن المقصود الأعظم الصلاة ، وهي لا تفوت بالتحية .
المسألة الثانية :
صلاة النساء في بيوتهن في المصر ، وكذلك المريض ونحوه .
وهذا مبني على أن صلاة العيد : هل يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام ، أم لا ؟
فمن قالَ : لا يشترط ذَلِكَ جوز للمرأة أن تصلي صلاة العيد في بيتها على وجهها ، وكذلك المريض ، بل يجيز ذَلِكَ لكل من تخلف في بيته ، أن يصلي كما يصلي الإمام ، ولا سيما إن كانَ يقول مع ذَلِكَ أن صلاة العيدين سنة ، كما يقوله الشافعي وغيره .
وقال الحسن - في المسافر يدركه الأضحى - : فإذا طلعت الشمس صلى ركعتين ، ويضحي إن شاء .
وأما من يشترط لها العدد وإذن الإمام ، فلا يرى لمن تخلف في بيته أن يصلي صلاة العيد على وجهها ، بل يصلي ركعتين بغير تكبير - أو أربعًا - على ما سبق .
قال الثوري وإسحاق - في النساء - : يصلين في بيوتهن أربعًا .
وعند أبي حنيفة وأصحابه : لا تقضي بحال ، كما تقدم .
المسألة الثالثة :
أهل القرى : هل يصلون العيد في قراهم كما يصلي الإمام في المصر ونوابه في الأمصار ؟
[6/176] وقد حكى عن عكرمة ، أنهم يصلونها كصلاة أهل الأمصار .
قال الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر : ثنا شعبة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، في القوم يكونون في السواد في سفرتهم عيد فطر أو أضحى ، قال : فيجتمعون ، فيصلون ، يؤمهم أحدهم .
وقد تقدم أن جمهور العلماء على أن الجمعة تقام في القرى ، فالعيد أولى .
لكن من يشترط العدد لصلاة العيد ، كأحمد - في رواية - وإسحاق ، يقول : لا بد أن يكون في القرية أربعون رجلا كالجمعة .
قال إسحاق : وإن لم يخطب بهم صلوا أربعا - أيضا - قال : وإذا لم تكن خطبة فليس بعيد .
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا عيد إلا في مصر جامع ، كقولهم في الجمعة .
ولا خلاف أنه يجب على أهل القرى والمسافرين ، وإنما الخلاف في صحة فعلها منهم ، والأكثرون على صحته وجوازه .
ويستدل لذلك بفعل أنس بن مالك ؛ فإنه كانَ يسكن خارجا من البصرة على أميال منها .
فروى الإمام أحمد - فيما رواه عنه ابنه عبد الله في " مسائله " - : ثنا هشيم : أنا عبيد الله بن أبي بكر ، عن جده أنس بن مالك ، أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الناس بالبصرة ، وكان منزله بالطف جمع أهله وولده ومواليه ، ثم يأمر مولاه عبد الله بن أبي عتبة أن يصلي بهم . قال : يكبر بهم تسع تكبيرات ، خمس في الأولى ، وأربع في الآخرة ، ويوالي بين القراءتين .
وروى محمد بن الحكم ، عن أحمد - فيمن تفوته صلاة العيد - : يجمع [6/177] أهله وولده ، كما فعل أنس ، ويكبر تسع تكبيرات في الركعتين ، ويوالي بين القراءتين .
وهذا يدل على أنه أخذ بجميع ما روي عن أنس فيمن تفوته صلاة العيد مع الإمام ، سواء كان لبعده عن الإمام أو لغير ذَلِكَ ، وأنه يكبر تسع تكبيرات في الركعتين ، ويوالي بين القراءتين .
وهذا خلاف مذهبه في تكبير الإمام ونوابه في الأمصار ، فإنه يرى أنهم يكبرون في الأولى سبع تكبيرات ، وفي الثانية خمس تكبيرات .
وفي موالاته بين القراءتين روايتان عنه :
أشهرهما : أنه يكبر قبل القراءة في الركعتين .
والثانية : أنه يوالي بينهما . واختارها أبو بكر بن جعفر .
فأما التكبير في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا ، وهو قول جمهور العلماء ، وقد روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة ، عن عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير ومجاهد والزهري ، وقال : مضت السنة به .
وحكاه ابن أبي الزناد عن فقهاء المدينة السبعة .
وهو قول مكحول وربيعة والليث والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود .
وأكثر أهل الحديث ، منهم : ابن المديني وابن أبي شيبة وأبو خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي وغيرهم .
ولكن اختلفوا : هل يكبر في الأولى سبعًا غير تكبيرة افتتاح الصلاة ، أم بها ؟
[6/178] فقالَ مالك وأحمد : يحسب منها تكبيرة الافتتاح .
وروي ذلك عن ابن عباس صريحًا .
وقال الشافعي : لا يحسب منها .
وعن الليث والأوزاعي قولان ، كالمذهبين .
وقالت طائفة : يكبر في الأولى خمسًا بتكبيرة الافتتاح ، وفي الثانية أربعًا بعد القراءة ، بتكبيرة الركوع .
روي ذلك عن ابن مسعود وإسحاق ، وهو قول سفيان وأهل الكوفة .
وروي عن ابن عباس - في رواية عنه .
وفي عدد التكبير أقوال متعددة للسلف ، وفيه أحاديث مرفوعة متعددة - أيضا - لم يخرج منها البخاري شيئًا ، وليس منها على شرطه شيء .
وقد روى هارون بن عبد الله ، عن أحمد ، أنه قالَ : ليس يروى في التكبير في العيدين حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ذكره الخلال .
وروى حرب ، عن أحمد قريبًا من ذلك .
قال حرب : وسألت ابن المديني : هل صح فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : ويروى عن أبي هريرة - من قوله - صحيح . انتهى .
وحكى الترمذي في " علله " ، عن البخاري ، أنه صحح هذا الحديث
.
[6/179] وقال أحمد - في رواية - : أنا أذهب إليه .
وقد خرجه في " المسند " وأبو داود وابن ماجه بألفاظ مختلفة ، ومعناها واحد : أن التكبير في الأولى سبع ، وفي الثانية خمس .
وفي رواية أحمد وأبي داود : أن القراءة بعدهما .
وقد استوفينا الأحاديث في ذَلِكَ ، والكلام عليها في " شرح الترمذي " بحمد الله ومنه .
ونقل الميموني ، عن أحمد ، قال : التكبير في العيدين سبعًا في الأولى وخمسًا ، وقد اختلف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التكبير ، وكله جائز .
وهذا نص منه على أنه يجوز التكبير على كل صفة رويت عن الصحابة من غير كراهة ، وإن كانَ الأفضل عنده سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية .
ورجح هذا ابن عبد البر ، وجعله من الاختلاف المباح ، كأنواع الأذان والتشهدات ونحوها .