الحديث الرابع :
994 - ثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، حدثني عروة ، أن عائشة [6/218] أخبرته ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إحدى عشرة ركعة ، كانت تلك صلاته - تعني : بالليل - فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية ، قبل أن يرفع رأسه ، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر ، ثم يضطجع على شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن للصلاة
.

كذا روى شعيب ، عن الزهري ، هذا الحديث .
ورواه عمرو بن الحارث ويونس ، عن الزهري - بمعناه - ، وفي حديثهما : أنه كان فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة ، يسلم من كل ركعتين ، ويوتر بواحدة ، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجع شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن للإقامة .
خرّجه مسلم من طريقهما .
وخرّجه أبو داود من طريق الأوزاعي وابن أبي ذئب ، عن الزهري ، بنحوه أيضًا .
وخرّج ابن ماجه من طريق الأوزاعي وحده .
وخرّجه النسائي من طريق عقيل ، عن الزهري ، بمعناه .
ورواه مالك ، عن الزهري ، ولفظه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة ، يوتر منها بواحدة ، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين .
[6/219] خرجه مسلم .
وخرجه البخاري فيما بعد ، في " ما يقرأ في ركعتي الفجر " - مختصرا - ولفظه : كانَ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين .
كذا خرّجه عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك .
ولفظ : " ثلاث عشرة " غريب ، وإنما هو في " الموطأ " كما خرجه مسلم : " إحدى عشرة " .
وكذا خرّجه الترمذي وغيره من طريق مالك .
وأسقط البخاري منه : ذكر : " الاضطجاع " ؛ لأن مالكًا خالف أصحاب ابن شهاب فيهِ ، فإنه جعل الاضطجاع بعد الوتر ، وأصحاب ابن شهاب كلهم جعلوه بعد ركعتي الفجر .
وهذا مما عده الحفاظ من أوهام مالك ، منهم : مسلم في " كتاب التمييز " .
وحكى أبو بكر الخطيب مثل ذلك عن العلماء .
وحكاه ابن عبد البر عن أهل الحديث ، ثم قال : يمكن أن يكون ذلك صحيحًا ، وأن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مرة يضطجع قبل ركعتي الفجر ، ومرة بعدها .
وعضده برواية مالك ، عن مخرمة ، عن كريب ، عن ابن عباس ، كما سبق .

[6/220] وقد عضد ذلك أحاديث أخر :
منها : رواية أبي سلمة ، عن عائشة : ما ألفى رسول الله السحر الأعلى في بيتي إلا نائمًا .
خرّجاه في " الصحيحين " ، ولفظه لمسلم .
وخرّجه مسلم ، وزاد فيه : " يعني : بعد الوتر " .
وفي رواية أبي سلمة ، عن عائشة ، أنه صلى الله عليه وسلم كان ينام قبل الوتر - أيضا - ، وأن عائشة سألته عن ذلك ، فقال : " إن عيني تنامان ، ولا ينام قلبي " وهذا يدل على أن وقت نومه كان يختلف .
كذا في رواية مالك ، عن المقبري ، عن أبي سلمة .
وقد خرّجها البخاري فيما بعد .
ورواه عبد الرحمن بن إسحاق ، عن المقبري ، فذكر في حديثه : أنه كان ينام بعد العشاء ، ثم يقوم فيصلي أربعا ، ثم ينام ، ثم يقوم فيصلي أربعا ، ثم ينام ، ثم يقوم فيصلي ثلاثا ، يوتر بواحدة ، ثم يضطجع ما شاء الله ، حتى إذا سمع النداء قام فصلى ركعتين ، حتى يأتيه المؤذن ، فيخرج إلى الصلاة .
خرجه بقي بن مخلد في " مسنده " .
وفي " الصحيحين " أيضا عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينام أول الليل ، ويقوم آخره ، فيصلي ثم يرجع إلى فراشه ، فإذا أذن المؤذن وثب ، فإن كان به حاجة اغتسل ، وإلا توضأ وخرج .
وهذا لفظ البخاري .
[6/221] وزاد مسلم - في رواية - : " ثم صلى الركعتين " .
وفي رواية غيرهما : أنه كان يوتر ، ثم ينام .
وخرج النسائي من حديث سعد بن هشام ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ، ثم يوتر ، ثم يصلي ركعتين جالسا ، ثم يضع جنبه ، وربما جاء بلال فآذنه قبل أن يغفي ، وربما أغفى ، وربما شككت أغفى أم لا ، قالت : فما زالت تلك صلاته صلى الله عليه وسلم .
وخرّجه أبو داود مختصرا .
وروى الإمام أحمد : نا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، نا أبي ، عن أنس بن سيرين ، قال : قلت لابن عمر : ركعتا الفجر أطيل فيهما القراءة ؟ فقالَ : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشي الصبح أوتر بركعة ، ثم يضع رأسه ، فإن شئت قلت : نام ، وإن شئت قلت : لم ينم ، ثم يقوم إليهما والأذان في أذنيه ، فأي طول يكون ثم ؟
وخرّجه في " الصحيحين " من طريق حماد ، عن أنس بن سيرين مختصرا .
وقد استحب طائفة من السلف الفصل بين صلاة الليل والنهار بالاضطجاع بينهما .
روى وكيع في " كتابه " ، عن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير ، قال : اضطجع ضجعة بعد الوتر .
[6/222] وعن عاصم بن رجاء بن حيوة ، عن أبيه ، عن قبيصة بن ذؤيب ، عن أبي الدرداء ، قال : مر بي أبو الدرداء من آخر الليل وأنا أصلي ، فقال : افصل بضجعة بين صلاة الليل وصلاة النهار .
يعني : يعني بعد الوتر ، قبل الركعتين .
فهذه رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة .
وقد سبق أن هشام بن عروة رواه ، عن أبيه ، عن عائشة ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، يوتر منها بخمس ، لا يجلس إلا في آخرهن .
وقد خرجه مسلم بمعناه .
وفي رواية عن هشام ، أنه كان يصلي قبل هذه الخمس ثمان ركعات ، يجلس في كل ركعتين ويسلم .
ورواه ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ثلاث عشرة ركعة ، بركعتيه قبل الصبح ، يصلي ستا مثنى مثنى ، ويوتر بخمس ، لا يقعد بينهن إلا في آخرهن .
خرّجه أبو داود .
وذكر البيهقي في " كتاب المعرفة " ، عن الشافعي ، أنه اختار حديث الزهري ، من غير أن يضيق غيره ؛ لفضل حفظ الزهري على حفظ غيره ؛ ولموافقته رواية القاسم ، عن عائشة ، ورواية الجمهور عن ابن عمر وابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
[6/223] قال : وبهذا النوع من الترجيح ترك البخاري رواية هشام في الوتر ، ورواية سعد بن هشام ، عن عائشة في الوتر ، فلم يخرج واحدة منهما في " صحيحه " ، مع كونها من شرطه في سائر الروايات .
ثم ذكر بإسناده ، عن ابن معين ، قال : الزهري أثبت في عروة من هشام بن عروة في عروة .
وخرّج مسلم من حديث عراك ، عن عروة ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ثلاث عشرة ركعة ، بركعتي الفجر .
وقد روى هذا المعنى عن عائشة : أبو سلمة والقاسم بن محمد ومسروق .
وقد خرّج البخاري أحاديثهم ، وتأتي فيما بعد .
ولفظ حديث مسروق ، عنده : قال : سألت عائشة عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل ، فقالت : سبع وتسع وإحدى عشرة .
وخرّج مسلم من حديث عبد الله بن شقيق ، عن عائشة ، أن النبي كان يصلي في بيتها بعد العشاء ركعتين ، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر .
ففي هذه الرواية : أن الإحدى عشرة التي كان يصليها بالليل منها ركعتان بعد العشاء ، قبل أن ينام .
وقد تقدم في رواية عمرو بن الحارث ويونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، ما يشهد لذلك أيضا .
[6/224] وقد روي عنها أن الإحدى عشرة ركعة منها ركعتان كان يصليهما بعد الوتر .
روى ذلك عنها أبو سلمة وسعد بن هشام .
وسنذكر حديثهما فيما بعد إن شاء الله سبحانه وتعالى .
وفي حديث سعد ، عنها : أنه كان يصلي إحدى عشرة ، ثم لما أسن وأخذ اللحم صلى تسعًا .
خرّجه مسلم .
وخرّج أبو داود من رواية أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل ، ثم إنه صلى إحدى عشرة ركعة وترك ركعتين ، ثم قبض حين قبض وهو يصلي من الليل تسع ركعات .
وخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل تسع ركعات .
وحسنه الترمذي .
وفي إسناده اختلاف عن الأعمش .

وقد روي عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن يحيى بن الجزار ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل تسع ركعات ، فلما كثر لحمه وسن صلى سبع ركعات .
[6/225] خرّجه النسائي .
ورواه أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن يحيى بن الجزار ، عن أم سلمة ، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث عشرة ، فلما كبر وضعف أوتر بسبع .
خرّجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي ، وحسنه .
وأبو معاوية مقدم على أصحاب الأعمش ، إلا أن الدارقطني قال : من قال فيه : " عن عمارة بن عمير " فهو أشبه بالصواب من قول من قال : " عمرو بن مرة " .
وقال الأثرم : اضطرب الأعمش في إسناده وفي متنه ، قال : ويحيى الجزار لم يلق عائشة ، ولا أم سلمة .

وخرّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاوية بن صالح ، عن عبد الله بن أبي قيس ، قال : سألت عائشة : بكم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر ؟ قالت : بأربع وثلاث ، وست وثلاث ، وثمان وثلاث ، وعشرة وثلاث ، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة ، ولا بأنقص من سبع ، وكان لا يدع ركعتين قبل الفجر .
ففي هذه الرواية : أن مجموع صلاة الليل تسمى وترًا ، وأنه كان يوتر بثلاث عشرة سوى ركعتي الفجر ، ولعلها أدخلت في ذلك الركعتين بعد صلاة العشاء حتى توافق سائر الروايات عنها .
وأما إطالة السجود المذكور في حديث عائشة الذي خرجه ، فقد بوب عليه [6/226] في " أبواب قيام الليل " ، وأعاد فيه الحديث ، ويأتي الكلام على معناه هنالك إن شاء الله سبحانه وتعالى .