|
باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله
أي هذا باب في بيان الرحلة وهو بكسر الراء ، الارتحال من رحل يرحل إذا مضى في سفر ، ورحلت البعير أرحله رحلا إذا شددت عليه الرحل ، وهو للبعير أصغر من القتب ، وهو من مراكب الرجال دون النساء ، وقال بعضهم : الرحلة بالكسر من الارتحال ، قلت : المصدر لا يشتق من المصدر ، وقال ابن قرقول : الرحلة بكسر الراء ضبطناه عن شيوخنا ، ومعناه الارتحال ، وحكى أبو عبيدة ضمها ، قلت : الرحلة بالضم الوجه الذي تريده ، قال أبو عمرو : يقال أنتم رحلتي أي الذي ارتحل إليهم ، وقال الأموي : الرحلة بالضم جودة الشيء ، وفي العباب بعير مرحل بكسر الميم وذو رحلة إذا كان قويا على السير ، قاله الفراء ، قوله " وتعليم أهله " بالجر عطف على الرحلة ، وهذا اللفظ في رواية كريمة وليس في رواية غيرها ، والصواب حذفه لأنه يأتي في باب آخر . فإن قلت : قد تقدم باب الخروج في طلب العلم وهذا الباب أيضا بهذا المعنى فيكون تكرارا ، قلت : ليس بتكرار بل بينهما فرق لأن هذا لطلب العلم في مسألة خاصة وقعت للشخص ونزلت به ، وذاك ليس كذلك ، فإن قلت : ما وجه المناسبة بين البابين ؟ قلت : من حيث إن المذكور في الباب الأول التحريض على العلم والمحرض من شدة تحرضه قد يرحل إلى المواضع لطلب العلم ولا سيما لنازلة تنزل به . 30 - حدثني محمد بن مقاتل أبو الحسن ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : أخبرنا عمر بن سعيد بن أبي حسين ، قال : حدثني عبد الله بن أبي مليكة ، عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز ، فأتته امرأة فقالت : إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج ، فقال لها عقبة : ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني ، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف وقد قيل ؟ ! ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره .
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة في قوله " فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " وليس فيه ما يطابق قوله " وتعليم أهله " [2/101] فلهذا قلنا والصواب حذفه لأنه يأتي في باب آخر . بيان رجاله : وهم خسمة ، الأول : محمد بن مقاتل المروزي ، وقد تقدم . الثاني : عبد الله بن المبارك المروزي ، وقد تقدم . الثالث : عمر بن سعيد بن أبي حسين النوفلي المكي ، روى عن طاوس وعطاء وعدة ، وعنه يحيى القطان وروح وخلق ، وهو ثقة روى له الجماعة وأبو داود في المراسيل ، وهو ابن عم عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين . الرابع : عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بضم الميم زهير بن عبد الله التيمي القرشي الأحول المكي ، وقد تقدم . الخامس : عقبة بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الباء الموحدة ابن الحارث بن عامر بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي المكي أبو سروعة بكسر السين المهملة وحكي فتحها ، أسلم يوم الفتح وسكن مكة ، هذا قول أهل الحديث ، وأما جمهور أهل النسب فيقولون : عقبة هذا هو أخو أبي سروعة وأنهما أسلما جميعا يوم الفتح ، وقال الزبير بن بكار وأبو سروعة : هو قاتل حبيب بن عدي ، أخرج لعقبة البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي ، ولم يخرج له مسلم شيئا ، روى له البخاري ثلاثة أحاديث في العلم والحدود والزكاة عن ابن أبي مليكة عنه ، أحدها هذا ، وأخرجه معه هؤلاء الثلاثة . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والإخبار والعنعنة ، ومنها أن في رواته مروزيان وثلاثة مكيون ، ومنها أن هذا من أفراد البخاري عن مسلم ، وانفرد عنه أيضا بعقبة بن الحارث ، فإن قلت : قال أبو عمر : ابن أبي ملكية لم يسمع من عقبة ، بينهما عبيد بن أبي مريم ، فعلى هذا يكون الإسناد منقطعا ؟ قلت : هذا سهو منه ، وسيجيء في كتاب النكاح في باب شهادة المرضعة أن ابن أبي ملكية قال : حدثنا عبيد بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث قال : وسمعته من عقبة لكني لحديث عبيد أحفظ ، فهذا صريح في سماعه من عقبة . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الشهادات عن حبان عن ابن المبارك ، وعن أبي عاصم ، كلاهما عن عمر بن سعيد بن أبي حسين ، وفي البيوع في باب تفسير الشهادات عن محمد بن كثير عن الثوري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين ، وفي الشهادات عن علي عن يحيى بن أبي سعيد عن ابن جريج ، ثلاثتهم عن ابن أبي مليكة عن عقبة به ، وفي النكاح عن علي عن إسماعيل بن علي عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عبيد بن أبي مريم عن عقبة كما ذكرناه ، وأخرجه أبو داود في القضايا عن عثمان بن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية به ، وعن أحمد بن شعيب الحراني عن الحارث بن عمير البصري عن أيوب به ، وعن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث به ، قال ابن أبي مليكة : وحدثنيه صاحب لي عنه وأنا لحديث صاحبي أحفظ ، وأخرجه الترمذي في الرضاع عن علي بن حجر عن إسماعيل بن علية به ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في النكاح عن علي بن حجر به ، وفي القضاء عن محمد بن أبان ويعقوب بن إبراهيم ، كلاهما عن إسماعيل بن علية به ، وعن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث عن ابن جريج به ، وفيه وفي العلم عن إسحاق بن إبراهيم عن عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد به . بيان ما فيه من اللغة والإعراب ، قوله " أرضعت " مزيد ، رضع الصبي أمه يرضعها رضاعا مثل سمع يسمع سماعا ، وأهل نجد يقولون : رضع يرضع رضعا مثال ضرب يضرب ضربا ، وكذلك الرضاع والرضاعة ، قال الله تعالى : أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وقرأ أبو حيوة وأبو رجاء والجارود وابن أبي عبلة " أن يتم الرضاعة " بكسر الراء ، قال في العباب : قالوا رضع الرجل بالضم رضاعة كأنه كالشيء يطبع عليه ، وقال ابن عباد : رضع الرجل من الرضاعة بالفتح أيضا مثله رضع فهو راضع ورضيع ورضاع ، وجمع الراضع رضع كراكع وركع ورضاع أيضا ككافر وكفار ، ثم قال : والتركيب يدل على شرب اللبن من الضرع أو الثدي ، قوله " تزوج ابنة " جملة في محل الرفع على أنها خبر أن ، قوله " لأبي إهاب " صفة ابنة ، قوله " فأتته امرأة " عطف على تزوج ، قوله " عقبة " بالنصب مفعول أرضعت ، قوله " والتي تزوج بها " عطف على عقبة ، قوله " ما أعلم " جملة منفية من الفعل والفاعل ، وقوله " أنك أرضعتني " أن مع اسمها وخبرها سدت مفعولي أعلم ، وفي بعض النسخ " أرضعتيني وأخبرتيني " بالياء فيهما الحاصلة من إشباع الكسرة ، قوله " ولا أخبرتني " عطف على قوله " لا أعلم " فافهم ، وإنما قال أعلم بصيغة المضارع وأخبرت بصيغة الماضي لأن نفي العلم حاصل في الحال بخلاف نفي الإخبار فإنه كان في الماضي فقط ، قوله " بالمدينة " يتعلق بمحذوف لا بقوله فركب ، ومحلها [2/102] النصب على الحال ، والتقدير : فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حال كونه بالمدينة أي فيها ، وكان ركوبه من مكة لأنها دار إقامته ، قوله " فسأله " أي فسأل عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكم في المسألة النازلة لذاته ، قوله " كيف " هو ظرف يسأل به عن الحال ، قوله " وقد قيل " أيضا حال ، وهما يستدعيان عاملا يعمل فيهما ، والتقدير كيف تباشرها وتفضي إليها وقد قيل إنك أخوها ، أي إن ذلك بعيد من ذي المروءة والورع ، قوله " عقبة " فاعل فارقها ، قوله " ونكحت " جملة من الفعل والفاعل وزوجا مفعوله وغيره بالنصب صفته . فيه من المبهمات أربعة : الأول : قوله " ابنة " قال الكرماني : كنيتها أم يحيى ولم يعلم اسمها ، قلت : يعلم ، واسمها غنية بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد الياء آخر الحروف . الثاني : قوله " أبو إهاب " بكسر الهمزة وفي آخره باء موحدة ابن عزيز بفتح العين المهملة وكسر الزاي وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره زاي أيضا ، وقال الشيخ قطب الدين : وليس في البخاري عزيز بضم العين ، وقال الكرماني : وفي بعض الروايات عزيز بضم المهملة وبالزاي المفتوحة الراء ، وقال بعضهم : ومن قال بضم أوله فقد حرف ، قلت : إن كان مراده بضم الأول وفي آخره زاي معجمة فيمكن ذلك ، وإن كان مراده الغمز على الكرماني في قوله وفي بعض الروايات ، فإنه يحتاج إلى بيان ، وليس نقله أرجح من نقله ، وأبو إهاب هذا لا يعرف اسمه ، وهو ابن عزيز بن قيس بن سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي ، قاله خليفة ، وأمه فاختة بنت عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي ، وهو حليف لبني نوفل ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يأكل أحدنا وهو متكئ ، أخرجه أبو موسى في الصحابة ، ولم يذكره أبو عمر ولا ابن منده . الثالث : قوله " فأتته امرأة " ما سماها أحد . الرابع : قوله " زوجا غيره " اسمه ظريب بضم الظاء المعجمة وفتح الراء وفي آخره باء موحدة ابن الحارث ، قال بعض الشارحين : ضريب بن الحارث تزوجها بعد عقبة ، فولدت له أم قبال زوجة جبير بن مطعم ومحمدا ونافعا ، ورأيت في موضع نقل عن خط الحافظ الدمياطي نافع بن ضريب بن عمرو بن نوفل ، والله أعلم . بيان استنباط الأحكام : الأول فيه أن الواجب على المرء أن يجتنب مواقف التهم وإن كان نقي الذيل بريء الساحة ، الثاني : فيه الحرص على العلم وإيثار ما يقربهم إلى الله تعالى ، قال الشعبي : لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن لحفظ كلمة تنفعه فيما بقي من عمره لم أر سفره يضيع ، الثالث : احتج بظاهره من أجاز شهادة المرضعة وحدها ومن منع حمله على الورع دون التحريم ، وقال ابن بطال : قال جمهور العلماء : إن النبي صلى الله عليه وسلم أفتاه بالتحرز عن الشبهة ، وأمره بمجانبة الريبة خوفا من الإقدام على فرج قام فيه دليل على أن المرأة أرضعتهما ؛ لكنه لم يكن قاطعا ولا قويا لإجماع العلماء على أن شهادة المرأة الواحدة لا تجوز في مثل ذلك ، لكن أشار عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالأحوط ، وقال غيره : لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم على وجه القضاء وإنما كان احتياطا لما بوب عليه البخاري في البيوع باب تفسير الشبهات ، ومنهم من حمل حديث عقبة على الإيجاب ، وقال : تقبل شهادة المرأة الواحدة على الرضاع ، وهو قول أحمد ، ويروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن شهادتها تقبل إذا كانت مرضعة وتستحلف مع شهادتها ، وقال مالك : يقبل قولها بشرط أن يفشو ذلك في الأهل والجيران ، فإن شهدت امرأتان شهادة فاشية فلا خلاف في الحكم بها عنده ، وإن شهدتا من غير فشو أو شهدت واحدة مع الفشو ففيه قولان ، ومن قال بالوجوب قال : لو كان أمره لعقبة على الورع أو التنزه لأمره بطلاقها لتحل لغيره ، ويكون قوله " كيف وقد قيل " على هذا ليهون عليه الأمر ويؤيده تبسمه صلى الله عليه وسلم ، ومنع أبو حنيفة عن شهادة النساء متمحضات في الرضاع ، وأما مذهب الشافعي ففصل أصحابه وقالوا : إذا شهدت المرضعة وادعت مع شهادتها أجرة الرضاع فلا تسمع شهادتها لأنها تشهد لنفسها فتتهم ، وإن أطلقت الشهادة ولم تدع أجرة بأن قالت : أشهد أني أرضعته ففيه خلاف عندهم ، منهم من قال لا تقبل لأنها تشهد على فعل نفسها ، فأشبهت الحاكم إذا شهد على حكمه بعد العزل ، ومنهم من قبلها ، وهو الأصح عندهم لأنها لا تجر بها نفعا وتدفع بها ضرارا ، قلت : وقد ظهر لك الخلل في نقل ابن بطال الإجماع على أن شهادة المرأة الواحدة لا تجوز في الرضاع وشبهه من الذي ذكرنا ؛ لأن مذهب أحمد وغيره أن شهادة الواحدة في كل ما لا يطلع عليه الرجال من الرضاع وغيره تقبل ، ومما نقل عن مالك من شهادة الواحدة على الشياع ، قلت : روي عن الحسن وإسحاق أيضا نحو مذهب أحمد ، وكذا قال الإصطخري : [2/103] وإنما يثبت بالنساء المتمحضات ، وقال أصحابنا : يثبت الرضاع بما يثبت به المال وهو شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، ولا تقبل شهادة النساء المنفردات لأن ثبوت الحرمة من لوازم الملك في باب النكاح ، ثم الملك لا يزول بشهادة النساء المنفردات فلا تثبت الحرمة ، وعند الشافعي تثبت بشهادة أربع نسوة ، وعند مالك بامرأتين ، وعند أحمد بمرضعة ، وقال التيمي : معنى الحديث الأخذ بالوثيقة في باب الفروج ، وليس قول المرأة الواحدة شهادة تجوز بها الحكم في أصل من الأصول ، وفي " كيف وقد قيل " الاحتراز من الشبهة ، ومعنى " فارقها " طلقها ، فإن قلت : النكاح ما انعقد صحيحا على تقدير ثبوت الرضاع ، والمفارقة كانت حاصلة ، فما معنى فارقها ؟ قلت : إما أن يراد بها المفارقة الصورية ، أو يراد الطلاق في مثل هذه الحالة هو الوظيفة ليحل للغير نكاحها قطعا .
|