|
باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا
أي هذا باب في بيان سؤال الناس الإمام ، فقوله : " سؤال الناس " - مصدر مضاف إلى فاعله . وقوله : " الإمام " بالنصب - مفعوله ، والاستسقاء بالنصب مفعول آخر . ( فإن قلت ) : الفعل من غير أفعال القلوب لا يجيء له مفعولان صريحان ، بل يجيء إذا كان أحدهما غير صريح ، وكيف هو هاهنا ؟ ( قلت ) : الذي قلته هو الأكثر ، وقد يجيء مطلقا . أو نقول : انتصاب الاستسقاء بنزع الخافض ، أي عن الاستسقاء ، يقال : سألته الشيء ، وسألته عن الشيء . قوله : " إذا قحطوا " على صيغة المعلوم ، بفتح القاف ، والحاء ، وبلفظ المجهول يقال : قحط المطر قحوطا إذا احتبس . وحكى الفراء قحط بالكسر ، وجاء قحط القوم على صيغة المجهول قحطا . وقال الكرماني : ما معنى المعروف إذ المطر هو المحتبس لا الناس ؟ فأجاب بأنه من باب القلب . أو إذا كان هو محتبسا عنهم ، فهم محتبسون عنه . ( قيل ) : لو أدخل البخاري حديث ابن مسعود المذكور في الباب الذي قبله لكان أنسب ، وأوضح . ( وأجيب ) بأن الذي سأل قد يكون مشركا ، وقد يكون مسلما ، وقد يكون من الفريقين ، والسائل في حديث ابن مسعود كان مشركا حينئذ ، فناسب أن يذكر في الذي بعده من يشمل الفريقين ؛ فلذلك ذكر في الترجمة ما يشملهما ، وهو لفظ الناس . 51 - حدثنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا أبو قتيبة ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه قال : سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب :
| وأبيض يستسقى الغمام بوجهه | | ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
[7/30] مناسبة هذا للترجمة تؤخذ من قوله : " يستسقى الغمام " ؛ لأن فاعله محذوف ؛ لأن تقديره : يستسقي الناس بالغمام ، واعترض بأنه لا يلزم من كون الناس فاعلا ليستسقي أن يكونوا سألوا الإمام أن يستسقي لهم ، فلا يطابق الترجمة . ويمكن أن يجاب عنه بأن معنى قول أبي طالب هذا في الحقيقة توسل إلى الله عز وجل بنبيه ؛ لأنه حضر استسقاء عبد المطلب ، والنبي صلى الله عليه وسلم معه ، فيكون استسقاء الناس الغمام في ذلك الوقت ببركة وجهه الكريم ، وإن لم يكن في الظاهر أن أحدا سأله ، وكانوا مستشفعين به ، وهو في معنى السؤال عنه . على أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ما أراد مجرد ما دل عليه شعر أبي طالب ، وإنما أشار إلى قصة وقعت في الإسلام حضرها . قوله : " حدثني عمرو بن علي " . وفي بعض النسخ حدثنا بصيغة الجمع ، وعمرو بن علي بن بحر أبو حفص الباهلي البصري الصيرفي ، وأبو قتيبة سلم ، بفتح السين المهملة ، وسكون اللام ابن قتيبة الخراساني البصري ، مات بعد المائتين . وهذا البيت من قصيدة قالها أبو طالب ، وهي قصيدة طنانة لامية من بحر الطويل ، وهي مائة بيت وعشرة أبيات : أولها قوله :
| خليلي ما أذني لأول عاذل | | بصفواء في حق ولا عند باطل | وآخرها قوله :
| ولا شك أن الله رافع أمره | | ومعليه في الدنيا ويوم التجادل | | كما قد رأى في اليوم والأمس جده | | ووالده رؤياهم غير آفل | يذكر فيها أشياء كثيرة من عداوة قريش إياه بسبب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومدحه نفسه ونسبه ، وذكر سيادته وحمايته للنبي صلى الله عليه وسلم ، والتعرض لبني أمية ، وغير ذلك . يعرفها من يقف عليها . وقد تمثل عبد الله بن عمر بالبيت المذكور ، ومعنى التمثل إنشاد شعر غيره . قوله : " وأبيض " ، بفتح الضاد ، وضمها ؛ وجه الفتح أن يكون معطوفا على قوله : " سيدا " في البيت الذي قبله ، وهو قوله :
| وما ترك قوم لا أبا لك سيدا | | يحوط الذمار غير ذرب مؤاكل | والذمار بكسر الذال المعجمة ، وهو ما لزمك حفظه مما وراءك . وتعلق به قوله : " غير ذرب " ، أراد به ذرب اللسان بالشر ، وأصله من ذرب المعدة ، وهو فسادها . والمؤاكل ، بضم الميم الذي يستأكل ، ويجوز أن يكون مفتوحا في موضع الجر برب المقدرة ، والوجه الأول أوجه . ووجه الضم الذي هو الرفع أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : وهو أبيض . قوله : " يستسقى الغمام بوجهه " - جملة وقعت صفة لأبيض ، ومحلها من الإعراب النصب ، أو الرفع على التقديرين . قوله : " ثمال اليتامى " - كلام إضافي يجوز فيه الرفع ، والنصب على التقديرين المذكورين ، والثمال بكسر الثاء المثلثة قال ابن الأنباري : معناه مطعم لليتامى . يقال : ثملهم يثملهم إذا كان يطعمهم . وفي مجمع الغرائب : يقال : هو ثمال قومه إذا كان يقوم بأمرهم ، وفي المحكم : فلان ثمال بني فلان ، أي عمادهم . وقال ابن التين : أي المطعم عند الشدة . قوله : " عصمة للأرامل " كذلك بالوجهين في الإعراب ، والأرامل جمع أرمل ، وهو الذي نفد زاده ، وقال ابن سيده : رجل أرمل وامرأة أرملة ، وهي المحتاجة ، وهي الأرملة . والأرامل ، والأراملة ، كسروه تكسير الأسماء لغلبته ، وكل جماعة من رجال ونساء ، أو رجال دون نساء ، أو نساء دون رجال أرامل بعد أن يكونوا محتاجين . وفي الجامع : قالوا : ولا يقال : رجل أرمل ؛ لأنه لا يكاد يذهب زاده بذهاب امرأته إذ لم تكن قيمة عليه بالمعيشة ، بخلاف المرأة . وقد زعم قوم أنه يقال : رجل أرمل - إذا ماتت امرأته ، قال الحطيئة :
| هذي الأرامل قد قضيت حاجتها | | فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر | قال السهيلي رحمه الله تعالى : ( فإن قيل ) : كيف قال أبو طالب : يستسقى الغمام بوجهه ، ولم يره قط استسقى ؛ إنما كان ذاك من بعد الهجرة ؟ ( وأجاب ) بما حاصله أن أبا طالب أشار إلى ما وقع في زمن عبد المطلب حيث استسقى لقريش ، والنبي صلى الله عليه وسلم معه وهو غلام . قيل : يحتمل أن يكون أبو طالب مدحه بذلك لما رأى من مخائل ذلك فيه ، وإن لم يشاهد وقوعه ، وقال ابن التين : إن في شعر أبي طالب هذا دلالة على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به بحيراء ، وغيره من شأنه . قيل : فيه نظر ؛ لأن ابن إسحاق زعم أن أبا طالب أنشأ هذا الشعر بعد البعث . ( قلت ) : في هذا النظر نظر ؛ لأنه لما علم أنه نبي بإخبار بحيراء ، وغيره أنشد هذا الشعر بناء على ما علمه من ذلك قبل أن يبعث صلى الله عليه وسلم .
|
|
|