54 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي بكر أنه سمع [7/34] عباد بن تميم يحدث أباه عن عمه عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى ، فاستسقى ، فاستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين .

هذه طريقة أخرى في الحديث المذكور قبله ، أخرجه عن علي بن عبد الله بن جعفر الذي يقال له : ابن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عباد بن تميم ، إلى آخره . قوله : " عن سفيان ، عن عبد الله " ، كذا هو في رواية الحموي ، والمستملي ، أعني بلفظ " عن عبد الله " . ووقع في رواية الآخرين " قال : حدثنا سفيان ، قال عبد الله بن أبي بكر " أي قال : قال عبد الله ، وجرت عادتهم بحذف إحداهما من الخط .
قوله : " يحدث أباه " ، الضمير في قوله : " أباه " يعود على عبد الله بن أبي بكر لا على عباد . وقال الكرماني : موضع أباه أراه أي أظنه ، ثم قال : وفي بعضها أباه أي أبا عبد الله ، يعني : أبا بكر ، وقال بعضهم : ولم أر في شيء من الروايات التي اتصلت لنا . انتهى .
( قلت ) : لا يستلزم عدم رؤيته لذلك عدم رؤية غيره ، والنسخة التي اطلع عليها الكرماني أوضح ، وأظهر .
وهذا الحديث يشتمل على أحكام :
الأول : فيه خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحراء للاستسقاء ؛ لأنه أبلغ في التواضع ، وأوسع للناس . وذكر ابن حبان كان خروجه صلى الله عليه وسلم إلى المصلى للاستسقاء في شهر رمضان سنة ست من الهجرة .
الثاني : فيه مشروعية الاستسقاء . الثالث : فيه استقبال القبلة ، وتحويل الرداء ، وقد ذكرنا حكمه مستقصى .
الرابع : فيه أنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين . ويحتاج في بيان هذا إلى أمور:
الأول : فيه الدلالة على أن الخطبة فيه قبل الصلاة ، وصرح يحيى بن سعيد في باب كيف يحول ظهره : ثم صلى لنا ركعتين . وهو مقتضى حديث عائشة الذي رواه أبو داود في سننه ، عنها قالت : " شكى الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر ، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ، ووعد الناس يوما يخرجون فيه . قالت عائشة : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس ، فقعد على المنبر ، فكبر وحمد الله ، ثم قال : إنكم شكوتم جدب دياركم ، واستئخار المطر عن إبان زمانه عليكم ، وقد أمركم الله تعالى أن تدعوه ، ووعدكم أن الله يستجيب لكم . ثم قال : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ لا إله إلا الله يفعل ما يريد . اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة ، وبلاغا إلى حين ! ثم رفع يديه ، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ، ثم حول إلى الناس ظهره ، وقلب ، أو حول رداءه وهو رافع يديه . ثم أقبل على الناس ، ونزل ، فصلى ركعتين . فأنشأ الله سحابة فرعدت ، وبرقت ، ثم أمطرت بإذن الله تعالى . فلم يأت مسجده حتى سالت السيول ، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه ، فقال : أشهد أن الله على كل شيء قدير ، وأني عبد الله ورسوله " .
والمفهوم من هذا الحديث أن الخطبة قبل الصلاة ، ولكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة . والجمع بينهما أنه محمول على الجواز ، والمستحب تقديم الصلاة لأحاديث أخر .
الأمر الثاني : أن صلاة الاستسقاء ركعتان . وروى أبو داود عن ابن عباس حديثا ، وفيه " ولم يخطب خطبتكم هذه ، ولكن لم يزل في الدعاء ، والتضرع ، والتكبير . ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد " . وقال الخطابي : وفيه دلالة على أنه يكبر كما يكبر في العيدين ، وإليه ذهب الشافعي ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وعمر بن عبد العزيز ، ومكحول ، ومحمد بن جرير الطبري ، وهو رواية عن أحمد . وذهب جمهور العلماء إلى أنه يكبر فيهما كسائر الصلوات تكبيرة واحدة للافتتاح ، وهو قول مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، وإسحاق ، وأحمد في المشهور عنه ، وأبي ثور ، وأبي يوسف ، ومحمد ، وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة . وقال داود : إن شاء كبر كما يكبر في العيدين ، وإن شاء كبر تكبيرة واحدة للاستفتاح كسائر الصلوات . والجواب عن حديث ابن عباس أن المراد من قوله : " كما يصلي في العيدين " ، يعني : في العدد ، والجهر بالقراءة ، وفي كون الركعتين قبل الخطبة . ( فإن قلت ) : قد روى الحاكم في مستدركه ، والدارقطني ثم البيهقي في السنن ، عن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه " عن طلحة ، قال : أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء ، فقال : سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب رداءه ، فجعل يمينه على يساره ، ويساره على يمينه . وصلى ركعتين ، كبر في الأولى سبع تكبيرات ، وقرأ بسبح اسم ربك الأعلى ، وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية . وكبر فيها خمس تكبيرات " . قال الحاكم : صحيح الإسناد ، [7/35] ولم يخرجاه . ( قلت ) : أجيب عنه بوجهين : أحدهما : أنه ضعيف ؛ فإن محمد بن عبد العزيز قال البخاري فيه : منكر الحديث ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث ، ليس له حديث مستقيم . وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء : يروي عن الثقات المعضلات ، وينفرد بالطامات عن الأثبات حتى سقط الاحتجاج به . وقال ابن قطان في كتابه : هو أحد ثلاثة إخوة كلهم ضعفاء ، محمد ، وعبد الله ، وعمران بنو عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، وأبوهم عبد العزيز مجهول الحال . فاعتل الحديث بهما .
والثاني : أنه معارض بحديث رواه الطبراني في الأوسط بإسناده " عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : استسقى فخطب قبل الصلاة ، واستقبل القبلة وحول رداءه . ثم نزل ، فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرة " .

الأمر الثالث : في أن وقت صلاة الاستسقاء كوقت صلاة العيدين ، كما دل عليه حديث ابن عباس . وقد اختلف في ذلك ؛ فذهب مالك ، والشافعي ، وأبو ثور إلى أنه يخرج لها كالخروج إلى صلاة العيدين ، وحكى ابن المنذر ، وابن عبد البر عن الشافعي هذا . ونقل ابن الصباغ في الشامل وصاحب جمع الجوامع عن نص الشافعي أنها لا تختص بوقت ، وبه قطع المتولي ، والماوردي ، وابن الصباغ ، وصححه الرافعي في المحرر . ونقل النووي القطع به عن الأكثرين ، وأنه صححه المحققون . وأما وقتها كوقت العيد ، فقال إمام الحرمين : إنه لم يرو لغير الشيخ أبي علي . ( قلت ) : لم ينفرد به الشيخ أبو علي ، بل قاله أيضا الشيخ أبو حامد ، والمحاملي البغوي في التهذيب .
الأمر الرابع : في أنه يقرأ في صلاة الاستسقاء بعد الفاتحة ما يقرأ في العيدين إما سورة ( ق ) واقتربت ، أو سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى والغاشية ، وهو قول الشافعي استدلالا بما في حديث ابن عباس المذكور " فصلى ركعتين كما يصلي في العيدين " . وقال الشافعي في الأم : ويصلي ركعتين لا يخالف صلاة العيد بشيء ، ونأمره أن يقرأ فيها ما يقرأ في صلاة العيد . قال : وما قرأ به مع أم القرآن أجزأه ، وإن اقتصر على أم القرآن في كل ركعة أجزأه . وصدر الرافعي كلامه بأنه يقرأ في الأولى ( ق ) ، وفي الثانية اقتربت ، ثم حكى عن بعض الأصحاب أنه يقرأ في الأولى ( ق ) ، وفي الثانية إنا أرسلنا نوحا . وعند أصحابنا ليس في صلاة ، أي صلاة كانت ، قراءة مؤقتة . وذكر في البدائع ، والتحفة : الأفضل أن يقرأ فيهما سبح اسم ربك الأعلى في الأولى ، وفي الثانية هل أتاك حديث الغاشية .
الأمر الخامس : أنه يجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء ؛ لما روى الترمذي من حديث " عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي ، فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما " الحديث . وعن أبي يوسف : أحسن ما سمعنا فيه أن يصلي الإمام ركعتين جاهرا بالقراءة ، مستقبلا للقبلة بوجهه ، قائما على الأرض دون المنبر ، متكئا على قوس ، يخطب بعد الصلاة خطبتين . وعن أبي يوسف خطبة واحدة ؛ لأن المقصود منها الدعاء ، فلا يقطعها بالجلسة . وعند محمد : يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة ، وبه قال الشافعي .
ثم اعلم أن أبا حنيفة قال : ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة ، فإن صلى الناس وحدانا جاز ، إنما الاستسقاء الدعاء ، والاستغفار ؛ لقوله تعالى : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا علق نزول الغيث بالاستغفار لا بالصلاة ، فكان الأصل فيه الدعاء ، والتضرع دون الصلاة .
ويشهد لذلك أحاديث : منها الحديث المذكور ؛ لأنه لم يذكر فيه الصلاة . ومنها حديث أنس على ما يأتي في الباب الآتي . ومنها حديث كعب بن مرة ، رواه ابن ماجه من رواية شرحبيل بن السمط أنه قال لكعب : يا كعب بن مرة " حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واحذر ! قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، استسق الله عز وجل ! فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : اسقنا غيثا مريعا طبقا ، عاجلا غير رائث ، نافعا غير ضار ! قال : فاجتمعوا حتى أجيبوا . قال : فأتوه ، فشكوا إليه المطر ، فقال : يا رسول الله ، تهدمت البيوت ، فقال رسول الله : اللهم حوالينا ، ولا علينا ! قال : فجعل السحاب يتقطع يمينا وشمالا " .
ومنها حديث جابر ، رواه أبو داود من رواية يزيد الفقير " عن جابر بن عبد الله قال : أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بواك ، فقال : اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا ، نافعا غير ضار ، عاجلا غير آجل ! قال : فأطبقت عليهم السماء " . انتهى . قوله : " بواك " - جمع باكية . وقال الخطابي : بواكي ، بضم الياء آخر الحروف ، قال : معناه التحامل . قوله : " مريعا " ، بفتح [7/36] الميم ، وكسر الراء ، أي مخصبا ناجعا ، من مرع الوادي مراعة . ويروى ، بضم الميم من أمرع المكان إذا أخصب ، ويروى بالباء الموحدة من أربع الغيث إذا أنبت الربيع ، ويروى بالتاء المثناة من فوق أي ينبت الله فيه ما ترتع فيه المواشي .
ومنها حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه ، رواه الطبراني من رواية عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد ، عن القاسم " عن أبي أمامة قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ضحى ، فكبر ثلاث تكبيرات ، ثم قال : اللهم اسقنا ! ثلاثا . اللهم ارزقنا سمنا ولبنا ، وشحما ولحما ، وما نرى في السماء سحابا ، فثارت ريح وغبرة ، ثم اجتمع سحاب ، فصبت السماء . فصاح أهل الأسواق ، وثاروا إلى سقائف المسجد وإلى بيوتهم " الحديث .
ومنها حديث عبد الله بن جراد ، رواه البيهقي في سننه من رواية يعلى قال : " حدثنا عبد الله بن جراد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استسقى قال : اللهم غيثا مغيثا مريئا ، توسع به لعبادك ، تغزر به الضرع ، وتحيي به الزرع " .
ومنها حديث عبد الله بن عمر ، رواه أبو داود من رواية عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استسقى قال : اللهم اسق عبادك ، وبهائمك ، وانشر رحمتك ، وأحي بلدك الميت " .
ومنها حديث عمير مولى آبي اللحم ، رواه أبو داود من رواية ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم " عن عمير مولى آبي اللحم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي عند أحجار الزيت " . ومنها حديث أبي الدرداء ، رواه البزار ، والطبراني عنه " قال : قحط المطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألنا نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يستسقي لنا ، فاستسقى " الحديث .
ومنها حديث أبي لبابة ، رواه الطبراني في الصغير من رواية عبد الله بن حرملة عن سعيد بن المسيب ، عن أبي لبابة بن عبد المنذر قال : " استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو لبابة بن عبد المنذر : إن التمر في المرابد يا رسول الله ، فقال : اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا ، ويسد مثقب مربده بإزاره ، وما نرى في السماء سحابا ، فأمطرت فاجتمعوا إلى أبي لبابة ، فقالوا : إنها لن تقلع حتى تقوم عريانا ، وتسد مثقب مربدك بإزارك ، ففعل ، فأصحت .
ومنها حديث ابن عباس ، رواه أبو عوانة أنه قال : " جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع ، ولا يخطر لهم فحل ! فصعد المنبر ، فحمد الله ، ثم قال : اللهم اسقنا ! " الحديث .
ومنها حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه ، رواه أبو عوانة أيضا " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل واديا لا ماء فيه ، وسبقه المشركون إلى الماء ، فقال بعض المنافقين : لو كان نبيا لاستسقى لقومه ! فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فبسط يديه ، وقال : اللهم جللنا سحابا كثيفا قصيفا دلوتا مخلوفا زبرحاء ، تمطرنا منه رذاذا قطقطا سجلا بعاقا يا ذا الجلال والإكرام ! فما رد يديه من دعائه حتى أظلتنا السحاب التي وصف " . وعنده أيضا " عن عامر بن خارجة بن سعد ، عن جده " أن قوما شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قحط المطر ، فقال : اجثوا على الركب ، ثم قولوا : يا رب يا رب ! قال : ففعلوا ، فسقوا حتى أحبوا أن ينكشف عنهم " .
ومنها حديث الشفا ، رواه الطبراني في الكبير من رواية خالد بن إلياس عن أبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة عن الشفاء بنت خلف " أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى يوم الجمعة في المسجد ، ورفع يديه ، وقال : استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، وحول رداءه " . وخالد بن إلياس ضعيف .
ومن حديث الواقدي عن مشايخه قال : " قدم وفد بني مرة بن قيس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فشكوا إليه السنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اسقهم الغيث " الحديث . وقال الواقدي : ولما قدم وفد سلامان سنة عشر ، فشكوا إليه الجدب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه : اللهم اسقهم الغيث في دارهم ! " الحديث . وفي دلائل النبوة للبيهقي " عن أبي وجرة : أتى وفد فزارة بعد تبوك ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم السنة ، فصعد المنبر ورفع يديه . وكان لا يرفع يديه إلا في الاستسقاء ، قال : فوالله ما رأوا الشمس سبتا . فقام الرجل الذي سأل الاستسقاء ، فقال : يا رسول الله ، هلكت الأموال ، وانقطعت السبل ! " الحديث .
وفي سنن سعيد بن منصور بسند جيد إلى الشعبي قال : " خرج عمر رضي الله تعالى عنه يستسقي ، فلم يزد على الاستغفار . فقالوا : ما رأيناك استسقيت ، فقال : لقد طلبت الغيث بمجاريح السماء الذي يستنزل به المطر ، ثم قرأ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ الآية . وفي مراسيل أبي داود من حديث شريك " عن عطاء بن يسار أن رجلا من ألد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، أجدبنا وهلكنا ، فادع الله ! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحديث .
فهذه الأحاديث ، والآثار كلها تشهد لأبي حنيفة أن الاستسقاء استغفار ودعاء ، وأجيب عن الأحاديث التي فيها الصلاة أنه صلى الله عليه وسلم فعلها مرة وتركها أخرى ، وذا لا يدل على السنة ، وإنما يدل على الجواز .
[7/37] قال أبو عبد الله : كان ابن عيينة يقول : هو صاحب الأذان ولكنه وهم ؛ لأن هذا عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري .

أبو عبد الله هو البخاري نفسه . قوله : " كان ابن عيينة " أي سفيان بن عيينة يقول : هو أي راوي حديث الاستسقاء صاحب الأذان ، هذا يحتمل أن يكون تعليقا ، ويحتمل أن يكون البخاري سمع ذلك من شيخه علي بن عبد الله المذكور . وعلى كلا التقديرين وهم ابن عيينة في قوله في عبد الله بن زيد المذكور في الحديث أنه صاحب الأذان ، يعني : الذي أري النداء ، وهو عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج . وراوي حديث الاستسقاء هو عبد الله بن عاصم بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن ، وهو معنى قوله ؛ لأن هذا أي راوي حديث الاستسقاء عبد الله بن زيد بن عاصم . ولم يذكر البخاري مقابله حيث لم يقل : وذاك عبد الله بن زيد بن عبد ربه . كأنه اكتفى بالذي ذكره .
وقد اتفق كلاهما في الاسم ، واسم الأب ، والنسبة إلى الأنصار ، ثم إلى الخزرج ، والصحبة ، والرواية . وافترقا في الجد ، والبطن الذي من الخزرج ؛ لأن حفيد عاصم بن مازن وحفيد عبد ربه من بلحارث بن الخزرج . قوله : " المازني الأنصاري " ، وفي بعض النسخ : عبد الله بن زيد بن عاصم مازن الأنصاري ، واحترز به عن مازن تميم ، وغيره . والموازن كثيرة : مازن في قيس غيلان ، وهو مازن بن المنصور بن الحارث بن حفصة بن قيس غيلان . وفي قيس غيلان أيضا مازن بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن قيس غيلان ، ومازن في فزارة ، وهو مازن بن فزارة . ومازن في ضبة ، وهو مازن بن كعب بن ربيعة بن ثعلبة بن سعد بن ضبة ، ومازن في مدحج ، وهو مازن بن ربيعة بن زيد بن صعب بن سعد العشيرة بن مدحج . ومازن في الأنصار ، وهو مازن بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج ، ومازن في تميم ، وهو مازن بن مالك بن عمرو بن تميم ، ومازن في شيبان ، وهو مازن بن ذهل بن ثعلبة بن شيبان . ومازن في هذيل ، وهو مازن بن معاوية بن تميم بن سعد بن هذيل ، ومازن في الأزد ، وهو مازن بن الأزد . وقال الرشاطي : مازن في القبائل كثير ، وقال ابن دريد : المازن بيض النمل . ووقع في مسند الطيالسي ، وغيره مثل ما قال سفيان بن عيينة ، وهو غلط .