باب انتقام الرب عز وجل من خلقه بالقحط إذا انتهك محارمه

أي هذا باب في بيان انتقام الله عز وجل من عباده بإيقاع القحط فيهم إذا انتهك محارم الله . الانتهاك للمبالغة في خرق محارم الشرع ، وإتيانها . وقعت هذه الترجمة هكذا في رواية الحموي وحده خالية من حديث وأثر ، قيل : كأنها كانت في رقعة مفردة أهملها الباقون . والظاهر أنه وضعها ليذكر فيها أحاديث مطابقة لها ، فعاقه عن ذلك عائق ، والله تعالى أعلم .
باب الاستسقاء في المسجد الجامع

أي هذا باب في بيان جواز الاستسقاء في المسجد الجامع ، وأشار بذلك إلى أن الخروج إلى المصلى ليس بشرط في الاستسقاء ؛ لأن المقصود في الخروج إلى الصحراء تكثير الناس ، وذلك يحصل في الجوامع . وإنما كانوا يخرجون إلى الصحراء ؛ لعدم تعدد الجوامع بخلاف هذا الزمان .
55 - حدثنا محمد ، قال : أخبرنا أبو ضمرة أنس بن عياض ، قال : حدثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر - أنه سمع أنس بن مالك يذكر أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما ، فقال : يا رسول الله ، هلكت المواشي ، وانقطعت السبل ؛ فادع الله يغيثنا ! قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، فقال : اللهم اسقنا ! اللهم اسقنا ! اللهم اسقنا ! قال أنس : ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ، ولا قزعة ، ولا شيئا ، وما بيننا [7/38] وبين سلع من بيت ، ولا دار . قال : فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ، فلما توسطت السماء انتشرت ، ثم أمطرت . قال : والله ما رأينا الشمس ستا . ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فاستقبله قائما ، فقال : يا رسول الله ، هلكت الأموال وانقطعت السبل ؛ فادع الله يمسكها ! قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، ثم قال : اللهم حوالينا ، ولا علينا ! اللهم على الآكام ، والجبال ، والآجام ، والظراب ، والأودية ، ومنابت الشجر ! قال : فانقطعت ، وخرجنا نمشي في الشمس . قال شريك : فسألت أنسا : أهو الرجل الأول ؟ قال : لا أدري .

مطابقته للترجمة في قوله : " أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب " . وفي قوله : " فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، فقال : اللهم اسقنا ! " ، ففي الأول ذكر الجامع ، وفي الثاني استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم فيه وهو على المنبر .
( ذكر رجاله ) : وهم أربعة :
الأول : محمد بن سلام البخاري البيكندي . الثاني : أبو ضمرة ، بفتح الضاد المعجمة ، وسكون الميم ، وبالراء ، وهو أنس بن عياض بكسر العين المهملة ، مر في باب التبرز في البيوت . الثالث : شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، بفتح النون ، وكسر الميم ، مر في باب القراءة على المحدث . الرابع : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار كذلك في موضع ، وفيه السماع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أنه مذكور بغير نسبة ، وفيه من هو مذكور بكنيته ، وباسمه ، وهو من الرباعيات .
( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الاستسقاء عن قتيبة ، عن إسماعيل بن جعفر ، وعن القعنبي ، وإسماعيل بن أبي أويس ، وعبد الله بن يوسف ، فرقهم ثلاثتهم عن مالك . وأخرجه مسلم في الاستسقاء عن يحيى بن يحيى ، ويحيى بن أيوب ، وقتيبة ، وعلي بن حجر ، أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر . وأخرجه أبو داود فيه عن عيسى بن حماد عن الليث ، عن سعيد . وأخرجه النسائي فيه أيضا عن عيسى بن حماد ، وعن علي بن حجر به ، وعن قتيبة ، عن مالك به .
( ذكر معناه ) : قوله : " أن رجلا " ، لم يدر اسمه ؛ قيل : روى الإمام أحمد من حديث كعب بن مرة ما يمكن أن يفسر هذا المبهم بأنه كعب المذكور . ( قلت ) : حديث كعب بن مرة رواه ابن ماجه ، وقد ذكرناه عن قريب ، فانظر فيه هل ترى ما قاله مما يمكن من حيث التركيب ؟ فإن أراد الإمكان العقلي ، فلا دخل له هاهنا ، وقيل : إنه أبو سفيان بن حرب . ( قلت ) : هذا غير صحيح ؛ لأن قوله في الحديث : " فقال : يا رسول الله " - يدل على أن السائل كان مسلما ، وأبو سفيان إذ ذاك لم يكن مسلما .
قوله : " وجاه المنبر " بكسر الواو ، وضمها أي مواجهه ، وقال صاحب التلويح ناقلا عن ابن التين : وجاه المنبر ، يعني : مستدبر القبلة ، ثم قال : إن كان يريد بالمستدبر المنبر فصحيح ، ولكن لا معنى لذكره . وإن كان أراد الباب ، فلا يتجه لباب يواجه المنبر أن يستدبر القبلة .
ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر من باب كان نحو دار القضاء ، وهي دار عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . وسميت دار القضاء ؛ لأنها بيعت في قضاء دينه ، فكان يقال لها : دار قضاء دين عمر . ثم لما طال ذلك قيل لها : دار القضاء . وقد صارت إلى مروان بعد ذلك ، وهو أمير المدينة ، وقال عياض : كان أمير المؤمنين أنفق من بيت المال ، وكتبه على نفسه ، وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله ، فإن عجز ماله استعان ببني عدي ، ثم بقريش . فباع عبد الله هذه الدار لمعاوية رضي الله تعالى عنه ، وقضى دينه ، وكان ثمانية وعشرين ألفا . انتهى .
وفي قوله : " ثمانية وعشرين ألفا " - غرابة ، والذي في الصحيح ، وغيره من كتب المؤرخين كان ستة وثمانين ألفا . قوله : " ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم " - جملة اسمية وقعت حالا . وقوله : " يخطب " - جملة فعلية حالية أيضا إما حال مترادفة ، أو متداخلة . قوله : " هلكت المواشي " ، هكذا هو في رواية كريمة ، وأبي ذر جميعا عن الكشميهني ، وفي رواية غيرهم " هلكت الأموال " . والمراد بالأموال المواشي أيضا لا الصامت ، وتقدم في كتاب الجمعة بلفظ " قام أعرابي ، فقال : يا رسول الله ، هلك المال وجاع العيال ! " قيل : وقد تقدم في كتاب الجمعة بلفظ " هلك الكراع " ، وهو بضم الكاف يطلق على الخيل ، وغيرها .
وفي رواية يحيى بن [7/39] سعيد الآتية " هلكت المواشي ، هلك العيال ، هلك الناس ! " ، وهو من قبيل ذكر العام بعد الخاص ، والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر . قوله : " وانقطعت السبل " ، وفي رواية الأصيلي " ، وتقطعت " بالتاء المثناة من فوق ، وتشديد الطاء ؛ فالأول من باب الانفعال ، والثاني من باب التفعل . والمراد من السبل الطرق ، وهو بضم السين ، والباء جمع سبيل . واختلف في معناه ؛ فقيل : ضعفت الإبل لقلة الكلأ أن يسافر بها ، وقيل : إنها لا تجد في سفرها من الكلأ ما يبلغها ، وقيل : إن الناس أمسكوا ما عندهم من الطعام ، ولم يجلبوه إلى الأسواق ، وقيل : نفاد ما عندهم من الطعام ، أو قلته ، فلا يجدون ما يحملونه إلى الأسواق .
ووقع في رواية قتادة الآتية عن أنس " قحط المطر " ، أي قل ، أو لم ينزل أصلا . وفي رواية ثابت الآتية عن أنس " ، واحمرت الشجر " ، واحمرارها كناية عن يبس ورقها لعدم شربها الماء ، أو لانتشاره فيصير الشجر أعوادا بغير ورق . وقال أحمد في رواية قتادة : " وانحلت الأرض " . ( فإن قلت ) : ما وجه هذا الاختلاف ؟ ( قلت ) : يحتمل أن يكون السائل قال ذلك كله ، ويحتمل أن يكون بعض الرواة روى شيئا مما قاله بالمعنى ؛ فإنها متقاربة . قوله : " فادع الله أن يغيثنا " هكذا هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية الأكثرين " فادع الله يغيثنا " ، ووجهه أن كلمة أن مقدرة قبل ، أي فهو يغيثنا ، وفيه بعد . وفي رواية إسماعيل بن جعفر الآتية للكشميهني " يغثنا " بالجزم ، وهذا هو الأوجه ؛ لأنه جواب الأمر .
ثم اعلم أن لفظ يغيثنا ، بضم الياء في جميع النسخ ، واللهم أغثنا ! بالألف - من باب أغاث يغيث إغاثة ، من مزيد الثلاثي ، والمشهور في كتب اللغة أنه يقال في المطر : غاث الله الناس ، والأرض يغيثهم ، بفتح الياء . قال عياض : قال بعضهم : هذا المذكور في الحديث من الإغاثة بمعنى المعونة ، وليس من طلب الغيث . إنما يقال في طلب الغيث : اللهم غثنا . قال أبو الفهل : ويحتمل أن يكون من طلب الغيث ، أي هب لنا غيثا ، أو ارزقنا غيثا كما يقال : سقاه ، وأسقاه ، أي جعل له سقيا على لغة من فرق بينهما .
وقيل : يحتمل أن يكون معنى قوله : " اللهم أغثنا " أي فرج عنا ، وأدركنا ، فعلى هذا يجوز ما وقع في عامة النسخ . وقال أبو المعاني في المنتهى : يقال : أغاثه الله يغيثه ، والغياث ما أغاثك الله به ، اسم من أغاث ، واستغاثني ، فأغثته . وقال القزاز : غاثه يغوثه غوثا ، وأغاثه يغيثه إغاثة ، فأميت غاث ، واستعمل أغاث . ويقول الواقع في بلية : اللهم أغثني ! أي فرج عني . وقال الفراء : الغيث ، والغوث متقاربان في المعنى ، والأصل .
وفي كتاب النبات لأبي حنيفة : وقد غيثت الأرض ، فهي مغيثة ، ومغيوثة ، وقال أبو الحسن اللحياني : أرض مغيثة ، ومغيوثة أي مسقية . ومغيرة ، ومغيورة ، والاسم الغيرة ، والغيث ، وقال الفراء : الغيث يغورنا ، ويغيرنا ، وقد غارنا الله بخير : أغاثنا .
قوله : "فرفع يديه " ، وفي رواية النسائي عن شريك " فرفع يديه حذاء وجهه " ، وتقدم في الجمعة بلفظ " فمد يديه ودعا " . وزاد في رواية قتادة في الأدب " ، فنظر إلى السماء " . قوله : " فقال : اللهم اسقنا ! ثلاث مرات " ، ووقع في هذه الرواية " اللهم اسقنا ! ثلاث مرات " ، ووقع في رواية ثابت الآتية عن أنس " اللهم اسقنا ! مرتين " . قوله : " فلا والله " بالفاء في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره " ، ولا والله " بالواو ، وفي رواية ثابت الآتية " ، وايم الله " . والتقدير : فلا نرى والله ، فحذف الفعل منه لدلالة المذكور عليه . قوله : " من سحاب " أي من سحاب مجتمع . " ، ولا قزعة " أي من سحاب متفرق ، وهو بفتح القاف ، والزاي ، والعين المهملة . وفي التلويح : القزعة مثال شجرة : قطعة من السحاب رقيقة كأنها ظل ، إذا مرت من تحت السحاب الكثير . وقال أبو حاتم : القزع السحاب المتفرق ، وقال يعقوب عن الباهلي : يقال : ما على السحاب قزعة ، أي شيء من غيم . ذكره في الموعب ، وفي تهذيب الأزهري : كل شيء متفرق ، فهو قزع . وفي المحكم : أكثر ما يكون ذلك في الخريف . قوله : " ولا شيئا " بالنصب - تقديره : أي ولا نرى شيئا من الكدورة التي تكون مظنة للمطر . قوله : " وبين سلع " ، بفتح السين المهملة ، وسكون اللام ، وفي آخره عين مهملة ، وهو جبل معروف بالمدينة . ووقع عند ابن سهل ، بفتح اللام ، وسكونها ، وقيل : بغين معجمة . وكله خطأ ، وفي المحكم ، والجامع : سلع موضع ، وقيل : جبل . وقال البكري : هو جبل متصل بالمدينة . وزعم الهروي أن سلعا معرفة ، لا يجوز إدخال اللام عليه . ( قلت ) : وفي دلائل النبوة للبيهقي ، وكتاب أبي نعيم الأصبهاني ، وأبي سعيد الواعظ ، والإكليل للحاكم " فطلعت سحابة من وراء السلع " . قوله : " من بيت ، ولا دار " أي تحجبنا عن رؤيته ، وأراد بذلك أن السحاب كان مفقودا لا مستترا ببيت ، ولا غيره . ووقع في رواية ثابت في علامات النبوة " ، وإن السماء لفي مثل الزجاجة " أي لشدة صفائها ، وذلك أيضا مشعر بعدم السحاب أصلا . قوله : " فطلعت " أي ظهرت من ورائه أي من وراء سلع . قوله : " مثل [7/40] الترس " أي مستديرة ، والتشبيه في الاستدارة لا في القدر ، يدل عليه ما وقع في رواية أبي عوانة " ، فنشأت سحابة مثل رجل الطائر ، وأنا أنظر إليها " ، فهذا يشعر بأنها كانت صغيرة . وفي رواية ثابت " ، فهاجت ريح أنشأت سحابا ، ثم اجتمع " . وفي رواية قتادة في الأدب " ، فنشأ السحاب بعضه إلى بعض " ، وفي رواية إسحاق الآتية " حتى ثار السحاب أمثال الجبال " أي لكثرته . وفيه " ثم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته " . وهذا يدل على أن السقف وكف لكونه كان من جريد النخل . قوله : " فلما توسطت السماء " أي بلغت إلى وسط السماء ، وهي على هيئة مستديرة ، ثم انتشرت . قوله : " ثم أمطرت " - قد مضى الكلام فيه في باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة . قوله : " ما رأينا الشمس سبتا " ، بفتح السين المهملة ، وسكون الباء الموحدة ، وأراد به اليوم الذي بعد الجمعة ، ولكن المراد به الأسبوع . وهو من تسمية الشيء باسم بعضه ، كما يقال : جمعة ، وهكذا وقع في رواية الأكثرين . ( فإن قلت ) : كيف عبر أنس بالسبت ؟ ( قلت ) : لأنه كان من الأنصار ، وكانوا قد جاوروا اليهود ، فأخذوا بكثير من اصطلاحهم . وإنما سموا الأسبوع سبتا ؛ لأنه أعظم الأيام عندهم كما أن الجمعة أعظم الأيام عند المسلمين . ووقع في رواية الداودي ستا بكسر السين ، وتشديد التاء المثناة من فوق ، وأراد به ستة أيام . قال النووي : وهو تصحيف . ورد عليه بأن الداودي لم ينفرد به ، فقد وقع في رواية الحموي ، والمستملي كذا ، يعني : ستا ، وكذا رواه سعيد بن منصور ، عن الدراوردي عن شريك ، ووافقه أحمد من رواية ثابت ، عن أنس . ( فإن قلت ) : وجه التصحيف أنه مستبعد لرواية إسماعيل بن جعفر الآتية سبعا - ( قلت ) : لا استبعاد في ذلك ؛ لأن من روى سبعا أضاف إلى السبت يوما ملفقا من الجمعتين ، ووقع في رواية إسحاق الآتية " فمطرنا يومنا ذلك ، ومن الغد ، ومن بعد الغد ، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى " ، ووقع في رواية مالك ، عن شريك " فمطرنا من جمعة إلى جمعة " . وفي رواية قتادة الآتية " فمطرنا فما كدنا نصل إلى منازلنا " أي من كثرة المطر .
وقد تقدم في كتاب الجمعة من وجه آخر " فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا " . ولمسلم في رواية ثابت " ، فأمطرنا حتى رأيت الرجل تهمه نفسه أن يأتي أهله " ، ولابن خزيمة في رواية حميد " حتى أهم الشباب القريب الدار الرجوع إلى أهله " ، وللبخاري في الأدب من طريق قتادة " حتى سالت مثاعب المدينة " المثاعب جمع مثعب بالثاء المثلثة ، وفي آخره باء موحدة : مسيل الماء . قوله : " ثم دخل رجل من ذلك الباب " - الظاهر أن هذا غير ذاك الرجل الأول ؛ لأن النكرة إذا أعيدت نكرة تكون غيره . وفي رواية إسحاق ، عن أنس " ، فقام ذلك الرجل ، أو غيره " ، وهذا يقتضي أن يكون هذا هو الرجل الأول ، ولكنه شك فيه بقوله : " أو غيره " أي أو غير ذلك الرجل ، وسيأتي في رواية يحيى بن سعيد " ، فأتى الرجل ، فقال : يا رسول الله " ، وهذا يقتضي أن هذا هو الأول . وفي رواية أبي عوانة من طريق حفص عن أنس بلفظ " فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى " ، وهذا أيضا كذلك . قوله : " ورسول الله قائم " - جملة اسمية حالية . قوله : " فاستقبله قائما " ، انتصاب قائما على أنه حال من الضمير المرفوع الذي في استقبل لا من الضمير المنصوب . قوله : " هلكت الأموال ، وانقطعت السبل " ، يعني : بسبب كثرة المياه ؛ لأنه انقطع المرعى ، فهلكت المواشي من عدم الرعي ، أو لعدم ما يكنها من المطر . ويدل على ذلك قوله في رواية سعيد ، عن شريك أخرجها النسائي " من كثرة الماء " . وفي رواية حميد عند ابن خزيمة " ، واحتبس الركبان " ، وفي رواية مالك ، عن شريك " تهدمت البيوت " . وفي رواية إسحاق الآتية " هدم البناء ، وغرق المال " . قوله : " فادع الله أن يمسكها " ، هذه رواية الكشميهني . وفي رواية غيره " فادع الله يمسكها " - بدون كلمة أن ، ويجوز فيه الرفع ، والنصب ، والجزم ؛ أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف ، وأما النصب فبكلمة أن المقدرة ، وأما الجزم فعلى أنه جواب الأمر ، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى الأمطار التي يدل عليه قوله : " ثم أمطرت " ، أو إلى السحابة . ووقع في رواية سعيد ، عن شريك " أن يمسك عنا الماء " ، وفي رواية أحمد من طريق ثابت " أن يرفعها عنا " ، وفي رواية قتادة في الأدب " فادع ربك أن يحبسها عنا فضحك " ، وفي رواية ثابت " فتبسم " ، وزاد حميد " لسرعة ملال ابن آدم " . قوله : " حوالينا " . وفي رواية مسلم " حولنا " ، وكلاهما صحيح ، والحول ، والحوال بمعنى الجانب . والذي في رواية البخاري تثنية حوال ، وهو ظرف يتعلق بمحذوف تقديره : اللهم أنزل ، أو أمطر حوالينا ، ولا تنزل علينا ! ( فإن قلت ) : إذا أمطرت حول المدينة ، فالطريق تكون ممتنعة ، وإذن لم يزل شكواهم - ( قلت ) : أراد بقوله : " حوالينا " الآكام ، والظراب ، وشبههما كما في الحديث ، فتبقى الطريق على هذا مسلوكة كما سألوا . وأيضا أخرج الطرق بقوله : [7/41] " ، ولا علينا " . وقال الطيبي : في إدخال الواو هاهنا معنى لطيف ، وذلك أنه لو أسقطها لكان مستسقيا للآكام ، وما معها فقط ، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودا لعينه ، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر ، فليست الواو مخلصة للعطف ، ولكنها للتعليل . وهو كقولهم : تجوع الحرة ، ولا تأكل بثدييها ؛ فإن الجوع ليس مقصودا لعينه ، ولكن لكونه مانعا من الرضاع بأجرة ؛ إذ كانوا يكرهون ذلك . قوله : " على الآكام " - فيه بيان للمراد بقوله : " حوالينا " . روي " الإكام " بكسر الهمزة ، وفتحها ممدودة ، وهو جمع أكمة ، بفتحات . قال ابن البرقي : هو التراب المجتمع ، وقال الداودي : أكبر من الكدية ، وقال القزاز : هي التي من حجر واحد ، وقال الخطابي : هي الهضبة الضخمة ، وقيل : الجبل الصغير ، وقيل : ما ارتفع من الأرض . قوله : " والظراب " بكسر الظاء المعجمة ، وفي آخره باء موحدة ، جمع ظرب بسكون الراء ، قاله القزاز ، وقال : هو جبل منبسط على الأرض ، وقيل : بكسر الراء . ويقال : ظراب وظرب كما يقال : كتاب ، وكتب ، ويقال : ظرب بتسكين الراء . قالوا : أصل الظراب ما كان من الحجارة أصله ثابت في جبل ، أو أرض حزنة ، وكان أصله الثاني محدودا . وإذا كانت خلقة الجبل كذلك سمي ظربا ، وفي المحكم : الظرب كل ما كان نتأ من الحجارة وحد طرفه ، وقيل : هو الجبل الصغير . وفي المنتهى للبرمكي : الظراب الروابي الصغار دون الجبل ، وفي الغريبين : الأظرب جمع ظرب . قوله : " والأودية " - جمع ، واد ، وفي رواية مالك " بطون الأودية " ، والمراد بها ما يتحصل فيه الماء لينتفع به . قالوا : ولم يسمع أفعلة جمع فاعل إلا أودية جمع واد ، وزاد مالك في روايته " ، ورؤوس الجبال " . قوله : " ومنابت الشجر " أراد بالشجر المرعى ، ومنابته التي تنبت الزرع والكلأ . قوله : " فانقطعت " أي السماء ، ويروى " ، فأقلعت " ، ويروى " ، فانقلعت " ، والكل بمعنى واحد . وفي رواية مالك " ، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب " أي خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه . وفي رواية سعيد ، عن شريك " فما هو إلا أن تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك تمزق السحاب حتى ما نرى منه شيئا " . والمراد بقوله : " ما نرى شيئا " أي في المدينة . ولمسلم من رواية حفص " فلقد رأيت السحاب يتمزق كأنه الملا حين يطوى " ، والملا ، بضم مقصور ، وقد يمد جمع ملاءة ، وهو ثوب معروف .
وفي رواية قتادة عند البخاري " فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينا وشمالا يمطرون " أي أهل النواحي ، ولا يمطرون أهل المدينة . وله في الأدب " فجعل الله السحاب يتصدع عن المدينة " ، وزاد فيه " يريهم الله كرامة نبيه ، وإجابة دعوته " . وله في رواية ثابت ، عن أنس " فتكشطت " أي تكشفت " فجعلت تمطر حول المدينة ، ولا تمطر بالمدينة قطرة . فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل " .
وفي مسند أحمد من هذا الوجه " فتقور ما فوق رءوسنا من السحاب حتى كأنا في إكليل " ، وهو بكسر الهمزة التاج . وفي رواية إسحاق ، عن أنس " فما يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا تفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة " ، والجوبة ، بفتح الجيم ، وسكون الواو ، وفتح الباء الموحدة هي الحفرة المستديرة الواسعة ، والمراد بها هاهنا الفرجة في السحاب . وقال الخطابي : الجوبة هنا الترس . وضبط بعضهم الجونة بالنون ، ثم ، فسره بالشمس إذا ظهرت في خلل السحاب . وقال عياض : فقد صحف من قال بالنون .
وفي رواية إسحاق من الزيادة أيضا " وسال الوادي ، وادي قناة شهرا " ، وقد فسرنا هذا في كتاب الجمعة في باب الاستسقاء في الخطبة في الجمعة ، وأكثر ما ذكرنا هنا ذكرناه هناك ، وإن كان مكررا ؛ لزيادة الإيضاح ، ولسرعة وقوف الطالب للمعاني . قوله : " فسألت أنسا " أهو الرجل الأول ؟ قال : لا أدري " ، وفي موضع آخر " ، فأتى الرجل ، فقال : يا رسول الله "، وفي لفظ " جاء رجل ، فقال : ادع الله يغثنا ، ثم جاء ، فقال " . وفي لفظ في الأول " قام أعرابي ". ثم قال في آخره : " فقام ذلك الأعرابي " . قال ابن التين : لعل أنسا تذكر بعد ، أو نسي بعد ذكره إن كان هذا الحديث قبل قوله : " لا أدري أهو الأول ؟ أم لا ؟ "
( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة ، وفيه القيام للخطبة ، وأنها لا تنقطع بالكلام ، ولا تقطع بالمطر ، وفيه قيام الواحد بأمر الجماعة ، وفيه سؤال الدعاء من أهل الخير ، ومن يرجى منه القبول ، وإجابتهم لذلك ، وفيه تكرار الدعاء ثلاثا ، وفيه إدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة ، والدعاء على المنبر ، وفيه لا تحويل ، ولا استقبال ، وفيه الاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء ، وفيه امتثال الصحابة بمجرد الإشارة . وفيه الأدب في الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقا لاحتمال الاحتياج إلى استمراره ، فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر ، وإبقاء النفع . وفيه أن الدعاء بدفع الضرر لا ينافي [7/42] التوكل ، وفيه اليمين لتأكيد الكلام ، وفيه أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل ، وإن كان مقام الأفضل التفويض . وقال ابن بطال : استدل به على الاكتفاء بدعاء الإمام في الاستسقاء . قيل : فيه نظر ؛ لأنه جاء في رواية يحيى بن سعيد " ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون " ، وفيه حجة واضحة لأبي حنيفة أن الاستسقاء دعاء ، واستغفار ، ولا صلاة فيه . قيل : مجرد الدعاء لا ينافي مشروعية الصلاة فيه . ( قلت ) : أبو حنيفة لم يقل : إن الصلاة فيه غير مشروعة ، بل يقول : إنها ليست بسنة ، وما ورد في أحاديث الصلاة ، فلبيان الجواز ، وقد مر الكلام فيه مستوفى .