|
باب التناوب في العلم
أي هذا باب في بيان التناوب في العلم ، والتناوب تفاعل من ناب لي ينوب نوبا ومنابا أي قام مقامي ، ومعناه أن تتناوب جماعة لوقت معروف يأتون بالنوبة . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول الرحلة في طلب العلم وهي لا تكون إلا من شدة الحرص في طلب العلم ، وفي التناوب أيضا هذا المعنى لأنهم لا يتناوبون إلا لطلب العلم والتباعث عليه شدة حرصهم . 31 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري . ح قال أبو عبد الله : وقال ابن وهب : أخبرنا يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ، عن عبد الله بن عباس ، عن عمر قال : كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد ، وهي من عوالي المدينة ، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينزل يوما وأنزل يوما ، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك ، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فضرب بابي ضربا شديدا ، فقال : أثم هو ؟ ففزعت فخرجت إليه ، فقال : قد حدث أمر عظيم ، قال : فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي ، فقلت : طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : لا أدري ، ثم دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت وأنا قائم : أطلقت نساءك ؟ قال : لا ، فقلت : الله أكبر .
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة وهي في قوله " كنا نتناوب النزول " . بيان رجاله : وهم تسعة ؛ لأنه أخرجهم من طريقين ، الأولى : عن أبي اليمان الحكم بن نافع ، عن شعيب بن أبي جمرة ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور بالمثلثة القرشي النوفلي التابعي الثقة ، روى له الجماعة ، وقد اشترك معه في اسمه واسم أبيه في الرواية عن ابن عباس ، وفي رواية الزهري عنهما عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني ؛ لكن روايته عن ابن عباس كثيرة في الصحيحين ، وليس لابن أبي ثور عن ابن عباس غير هذا الحديث . الطريق الثانية من التعليقات حيث قال : قال أبو عبد الله : أراد به البخاري نفسه ، قال ابن وهب أي عبد الله بن وهب المصري ، أخبرنا يونس وهو ابن يزيد الأيلي ، عن ابن شهاب وهو الزهري ، وهذا التعليق وصله ابن حبان في صحيحه عن ابن قتيبة ، عن حرملة ، عن عبد الله بن وهب بسنده ، وليس في روايته قول عمر رضي الله تعالى عنه : " كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول " وهو المقصود من هذا الباب ، وإنما وقع ذلك في رواية شعيب وحده عن الزهري ، نص على ذلك الذهلي والدارقطني والحاكم وآخرون ، فإن قلت : لم ذكر هاهنا رواية يونس ؟ قلت : لينبه أن الحديث كله من أفراد شعيب . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة ، ومنها أن فيه رواية التابعي عن التابعي ، ومنها [2/104] أن فيه رواية الصحابي عن الصحابي ، ومنها أنه ذكر في الموصول الزهري وفي التعليق ابن شهاب تنبيها على قوة محافظة ما سمعه من الشيوخ ، ومنها أن فيه كلمة " ح " مهملة إشارة إلى تحويل الإسناد . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في النكاح عن أبي اليمان ، كما أخرجه هاهنا عنه به ، وفي المظالم عن يحيى بن بكير عن ليث عن عقيل عن الزهري به ، وأخرجه مسلم في الطلاق عن إسحاق بن إبراهيم وابن عمر ، كلاهما عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري به ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق بطوله ، وأخرجه النسائي في الصوم عن عمرو بن منصور عن الحكم بن نافع به ، وعن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد عن عمه يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان عن الزهري به ، وفي عشرة النساء عن محمد بن عبد الأعلى عن محمد بن ثور عن معمر به . بيان اللغات ، قوله " من الأنصار " جمع ناصر أو نصير وهم عبارة عن الصحابة الذين آووا ونصروا رسول الله عليه السلام من أهل المدينة رضي الله عنهم ، وهو اسم إسلامي سمى الله تعالى به الأوس والخزرج ولم يكونوا يدعون الأنصار قبل نصرتهم رسول الله عليه السلام ولا قبل نزول القرآن بذلك ، قوله " في بني أمية بن زيد " أي في هذه القبيلة ومواضعهم ، يعني في ناحية بني أمية ، سميت البقعة باسم من نزلها ، قوله " من عوالي المدينة " هو جمع عالية ، وعوالي المدينة عبارة عن قرى بقرب مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام من فوقها من جهة الشرق ، وأقرب العوالي إلى المدينة على ميلين أو ثلاثة أميال وأربعة ، وأبعدها ثمانية ، وفي الصحاح : العالية ما فوق نجد إلى أرض تهامة وإلى أرض مكة وهي الحجاز وما والاها ، والنسبة إليها عالي ، ويقال أيضا علوي على غير قياس ، ويقال عالى الرجل وأعلى إذا أتى عالية نجد ، قوله " ففزعت " بكسر الزاي أي خفت لأن الضرب الشديد كان على خلاف العادة . بيان الإعراب : قوله " وجار " بالرفع لأنه عطف على الضمير المنفصل المرفوع ، أعني قوله " أنا " وإنما أظهر أنا لصحة العطف حتى لا يلزم عطف الاسم على الفعل ، هذا قول البصرية ، وعند الكوفية يجوز من غير إعادة الضمير ، ويجوز فيه النصب على معنى المعية ، قوله " لي " جار ومجرور في محل الرفع أو النصب على الوصفية لجار ، قوله " من الأنصار " كلمة من بيانية ، قوله " في بني أمية " في محل نصب لأنه خبر كان أي مستقرين فيها أو نازلين أو كائنين ونحو ذلك ، قوله " وهو " مبتدأ ، وخبره قوله " من عوالي المدينة " قوله " نتناوب " جملة في محل النصب على أنها خبر كان ، والنزول بالنصب على أنه مفعول نتناوب ، قوله " ينزل " جملة في محل الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أي جاري ينزل يوما وهو نصب على الظرفية ، قوله " وأنزل " عطف على ينزل ، قوله " فإذا " للظرفية لكنه تضمن معنى الشرط ، وقوله " جئته " جوابه ، قوله " من الوحي " بيان للخبر ، قوله " وإذا نزل " أي جاري ، قوله " الأنصاري " بالرفع صفة لقوله " صاحبي " وهو مرفوع لأنه فاعل نزل ، فإن قلت : الجمع إذا أريد النسبة إليه يرد إلى المفرد ثم ينسب إليه ، قلت : الأنصاري هاهنا صار علما لهم فهو كالمفرد فلهذا نسب إليه بدون الرد ، قوله " فضرب بابي " عطف على مقدر أي فسمع اعتزال الرسول عليه الصلاة والسلام عن زوجاته فرجع إلى العوالي فجاء إلى بابي فضرب ، ومثل هذه الفاء تسمى بالفاء الفصيحة ، وقد ذكرناها غير مرة ، قوله " أثم " هو بفتح الثاء المثلثة وتشديد الميم وهو اسم يشار به إلى المكان البعيد نحو قوله تعالى : وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وهو ظرف لا يتصرف فلذلك غلط من أعربه مفعولا لرأيت في قوله تعالى : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا ولا يتقدمه حرف التنبيه ولا يتأخر عنه كاف الخطاب ، قوله " ففزعت " الفاء فيه للتعليل أي لأجل الضرب الشديد فزعت ، والفاء في فخرجت للعطف ويحتمل السببية لأن فزعه كان سببا لخروجه ، والفاء في فقال للعطف ، قوله " قد حدث أمر عظيم " جملة وقعت مقول القول ، قوله " فدخلت " أي قال عمر رضي الله عنه : دخلت ، ويفهم من ظاهر الكلام أن دخلت من كلام الأنصاري وليس كذلك ، وإنما الداخل هو عمر رضي الله عنه ، وإنما وقع هذا من الاختصار ، وإلا ففي أصل الحديث بعد قوله " أمر عظيم طلق رسول الله عليه السلام نساءه " قلت : قد كنت أظن أن هذا كائن حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي ثم نزلت فدخلت على حفصة ، أراد أم المؤمنين بنته رضي الله عنهما ، وفي رواية الكشميهني " قد حدث أمر عظيم فدخلت " بالفاء ، فإن قلت : ما هذه الفاء ؟ قلت : الفاء الفصيحة تفصح عن المقدر ؛ لأن التقدير : نزلت من العوالي فجئت إلى المدينة فدخلت ، قوله " فإذا " للمفاجأة وهي مبتدأ وتبكي خبره ، قوله " طلقكن " وفي رواية " أطلقكن " بهمزة الاستفهام ، قوله [2/105] " قالت " أي حفصة " لا أدري " أي لا أعلم ، ومفعوله محذوف ، قوله " وأنا قائم " جملة اسمية وقعت حالا ، قوله " طلقت " أي أطلقت والهمزة محذوفة منه . بيان المعاني : قوله " وجار لي من الأنصار " هذا الجار هو عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه ، قوله " ينزل يوما " أي ينزل صاحبي يوما من العوالي إلى المدينة وإلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعلم العلم من الشرائع ونحوها ، قوله " يوم نوبته " أي يوما من أيام نوبته ، قوله " ففزعت " إنما كان فزع عمر رضي الله عنه بسبب ما يجيء في كتاب التفسير مبسوطا ، قال عمر رضي الله عنه " كنا نتخوف ملكا من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا وقد امتلأت صدورنا منه ، فتوهمت لعله جاء إلى المدينة فخفت لذلك " قوله " أمر عظيم " أراد به اعتزال الرسول عليه الصلاة والسلام عن أزواجه الطاهرات رضي الله عنهن ، فإن قلت : ما العظمة فيه ؟ قلت : كونه مظنة الطلاق وهو عظيم لا سيما بالنسبة إلى عمر رضي الله تعالى عنه ، فإن بنته إحدى زوجاته ، قوله " الله أكبر " وقع في موقع التعجب ، فإن قلت : ما ذاك التعجب ؟ قلت : كأن الأنصاري ظن اعتزاله عليه الصلاة والسلام عن نسائه طلاقا أو ناشئا عن الطلاق ، فالخبر لعمر رضي الله تعالى عنه بالطلاق بحسب ظنه ، ولهذا سأل عمر رضي الله عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام عن الطلاق ، فلما رأى عمر أن صاحبه لم يصب في ظنه تعجب منه بلفظ الله أكبر . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه الحرص على طلب العلم ، الثاني : فيه أن لطالب العلم أن ينظر في معيشته وما يستعين به على طلب العلم ، الثالث : فيه قبول خبر الواحد والعمل بمراسيل الصحابة ، الرابع : فيه أن الصحابة رضي الله عنهم كان يخبر بعضهم بعضا بما يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام ويقولون : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ويجعلون ذلك كالمسند إذ ليس في الصحابة من يكذب ولا غير ثقة ، الخامس : فيه جواز ضرب الباب ودقه ، السادس : فيه جواز دخول الآباء على البنات بغير إذن أزواجهن والتفتيش عن الأحوال سيما عما يتعلق بالمزاوجة ، السابع : فيه السؤال قائما ، الثامن : فيه التناوب في العلم والاشتغال به .
|