[6/290] 18 - باب صلاة الاستسقاء ركعتين
1026 - حدثنا قتيبة ، نا سفيان ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عباد بن تميم ، عن عمه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى ، فصلى ركعتين ، وقلب رداءه .


في الحديث دليل على الصلاة للاستسقاء ، وقد تقدم - أيضا - في حديث عائشة وابن عباس .
وجمهور العلماء على أنه تشرع صلاة الاستسقاء .
وخالف فيه طائفة من علماء أهل الكوفة ، منهم : النخعي ، وهو قول أبي حنيفة ، وقالوا : إنما يستحب في الاستسقاء الدعاء والاستغفار خاصة .
وهؤلاء لم تبلغهم سنة الصلاة ، كما بلغ جمهور العلماء .
وفيه دليل على أن صلاة الاستسقاء ركعتان ، وهذا لا اختلاف فيه بين من يقول : إنه يشرع للاستسقاء صلاة .
ولكن اختلفوا : هل تصلى بتكبير كتكبير صلاة العيد ، أم بغير تكبير كسائر الصلوات ، فتستفتح بتكبيرة الإحرام ، ثم يقرأ بعدها ؟ على قولين :
أحدهما : أنها تصلى كما تصلى العيد بتكبير قبل القراءة ، وقد روي عن ابن عباس ، وعن ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن حزم ، وهو قول الشافعي وأحمد - في ظاهر مذهبه - وأبي يوسف ومحمد .
والثاني : تصلى بغير تكبير زائد ، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وأحمد - في رواية - وإسحاق وأبي ثور وأبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي .
[6/291] قال أبو إسحاق البرمكي من أصحابنا : يحتمل أن هذه الرواية عن أحمد قول قديم رجع عنه .
وحكي عن داود : إن شاء صلى بتكبير زائد ، وإن شاء صلى بتكبيرة الإحرام فقط .
واستدل من قال : يصلي بتكبير بظاهر حديث ابن عباس : " وصلى ركعتين كما يصلي في العيد " ، وقد سبق ذكره .
وقد روي عنه صريحًا بذكر التكبير ، لكن إسناده ضعيف .
خرجه الدارقطني والحاكم في " المستدرك " - وصححه - والبزار في " مسنده " وغيرهم ، من رواية محمد بن عبد العزيز الزهري ، عن أبيه ، عن طلحة بن عبد الله بن عوف ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في الاستسقاء ، كبر في الأولى سبع تكبيرات ، وقرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقرأ في الثانية هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وكبر فيها خمس تكبيرات .
ومحمد بن عبد العزيز الزهري هذا متروك الحديث لا يحتج بما يرويه .

وروى يزيد بن عياض ، حدثني أبو بكر بن عمرو بن حزم وابناه - عبد الله ومحمد - ويزيد بن عبد الله بن أسامة وابن شهاب ، كلهم يحدثه عن عبد الله بن يزيد ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى ، فذكر الحديث ، قال : ثم صلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة ، فكبر في الركعة الأولى سبعًا ، وفي الآخرة خمسًا ، يبدأ بالتكبير قبل القراءة في الركعتين كليهما .
ويزيد بن عياض جعدبة المدني ، متروك الحديث ، لا يحتج به .

وقد روي خلاف هذا ، من رواية عبد الله بن حسين بن عطاء ، عن شريك بن أبي نمر ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في الاستسقاء ، في كل ركعة [6/292] تكبيرة ، وخطب قبل الصلاة ، وقلب رداءه لما دعا .
خرّجه أبو القاسم البغوي .
وخرّجه الترمذي في " كتاب العلل " مختصرًا ، وقال : سألت البخاري عنه ، فقال : هذا خطأ ، وعبد الله بن حسين منكر الحديث ؛ روى مالك وغيره ، عن شريك ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى ، ليس فيهِ هذا .

يشير البخاري إلى حديث الاستسقاء في الجمعة ، وهذا المتن غير ذلك المتن ؛ فإن هذا فيهِ ذكر صلاة الاستسقاء والخطبة لها وقلب الرداء في الدعاء ، لكنه غير محفوظ عن شريك ، عن أنس .
ووقت صلاة الاستسقاء وقت صلاة العيد ، وقد تقدم حديث عائشة في خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - لها حين بدا حاجب الشمس ، وأنه قعد على المنبر ودعا ، ثم صلى بعد ذلك .
وذكر ابن عبد البر أن الخروج لها في أول النهار عند جماعة العلماء ، إلا أبا بكر بن حزم ؛ فإنه قالَ : الخروج إليها عندَ زوال الشمس .
وكأنه ألحقها بالجمعة .
ولا يفوت وقتها بفوات وقت العيد ، بل تصلى في جميع النهار .
قال بعض أصحابنا : إلا أنه لا تصلى في أوقات النهي بغير خلاف ، إذ لا حاجة إلى ذلك ، ووقتها متسع .
ومن أصحابنا من حكى وجهًا آخر بجواز صلاتها في وقت النهي ، إذا جوزنا فعل ذوات الأسباب فيه ، وهو ضعيف .
[6/293] وكذا قال الشافعي في " الأم " ، قال : إذا لم يصل للاستسقاء قبل الزوال يصليها بعد الظهر وقبل العصر .
ومراده : أنه لا يصلى بعد العصر في وقت النهي .
ولأصحابه في ذلك وجهان .
ومن أصحابه من قال : وقتها وقت صلاة العيد .
ومنهم من قال : أول وقتها وقت العيد ، ويمتد إلى أن يصلى العصر .
وهذا موافق لنص الشافعي كما تقدم .
ومنهم من قال : الصحيح أنها لا تختص بوقت ، بل يجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار ، إلا أوقات الكراهة - على أصح الوجهين - ؛ لأنها لا تختص بيوم ولا تختص بوقت كصلاة الإحرام والاستخارة .
وهذا مخالف لنص الشافعي ، ولما علم من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في صلاة الاستسقاء ؛ فإنهم كانوا يخرجون نهارًا لا ليلا ، وجمع الناس لصلاة الاستسقاء ليلا مما يشق عليهم ، وهو سبب لامتناع حضور أكثرهم ، فلا يكون ذَلِكَ مشروعًا بالكلية .
وهذا بخلاف صلاة الإحرام والاستخارة ، فإنه لا يشرع لهم الاجتماع ، فلا يفوت بفعلهما ليلا شيء من مصالحهما .