[6/317] 25 - باب إذا هبت الريح
1034 - حديثا سعيد بن أبي مريم ، أنا محمد بن جعفر ، أخبرني حميد ، أنه سمع أنس بن مالك يقول : كانت الريح الشديدة إذا هبت عرف ذَلِكَ في وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - .


إنما كانَ يظهر في وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - الخوف من اشتداد الريح ؛ لأنه كانَ يخشى أن تكون عذابا أرسل إلى أمته .
وكان شدة خوف النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته شفقة عليهم ، كما وصفة الله سبحانه وتعالى بذلك في قوله : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
ولما تلا عليهِ ابن مسعود : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا بكى .
ولما تلا قوله : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ بكى ، وقال : " اللَّهُمَّ ، أمتي ، أمتي " ، فأرسل الله جبريل يقول لهُ : " إن الله يقول : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك " .
وكان يقول : " شيبتني هود وأخواتها " .
وجاء في رواية مرسلة : " قصفن علي الأمم " .
[6/318] يشير إلى أن شيبه منها ما ذكر من هلاك الأمم قبل أمته وعذابهم .
وكان عندَ لقاء العدو يخاف على من معه من المؤمنين ، ويستغفر لهم ، كما فعل يوم بدر ، وبات تلك الليلة يصلي ويبكي ويستغفر لهم ، ويقول : " اللَّهُمَّ ، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض " .
وكل هذا من خوفه وشفقته عليهم .
وقد جاء في روايات متعددة التصريح بسبب خوفه من اشتداد الريح :
ففي " الصحيحين " من حديث سليمان بن يسار ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذَلِكَ في وجهه ، فقلت : يا رسول الله : أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا ؛ رجاء أن يكون فيهِ المطر ، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية ؟ فقالَ : " يا عائشة ، ما يؤمني أن يكون فيهِ عذاب ، قد عذب قوم بالريح ، وقد رأى قوم العذاب فقالوا : هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا " .
وخرجا أيضا من رواية ابن جريج ، عن عطاء ، عن عائشة ، قالت : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ، ودخل وخرج ، وتغير وجهه ، فإذا أمطرت السماء سري عنه ، فعرفته عائشة ذَلِكَ ، فقالَ النبي - صلى الله عليه وسلم - : " وما أدري لعله كما قالَ قوم : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ الآية " .
وزاد مسلم - في أوله - : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا عصفت الريح قالَ : " اللَّهُمَّ ، إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به " .
[6/319] وخرجه النسائي ، ولفظه : " كانَ إذا رأى ريحا " بدل : " مخيلة " .
وخرج مسلم - أيضا - من حديث جعفر بن محمد ، عن عطاء ، عن عائشة ، قالت : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كانَ يوم الريح والغيم عرف ذَلِكَ في وجهه ، فأقبل وأدبر ، فإذا مطر سر به ، وذهب عنه ذَلِكَ ، قالت عائشة : فسألته ، فقالَ : " إني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي " .
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث المقدام بن شريح ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا رأى سحابا مقبلا من أفق من الآفاق ترك ما هوَ فيهِ ، وإن كانَ في صلاته ، حتَّى يستقبله ، فيقول : " اللَّهُمَّ ، إنا نعوذ بك من شر ما أرسل " ، فإن أمطر قالَ : " اللَّهُمَّ سقيا نافعا " - مرتين أو ثلاثا - ، فإن كشفه الله ولم يمطر حمد الله على ذَلِكَ .
ولفظه لابن ماجه .
وخرجه أبو داود ، ولفظه : كانَ إذا رأى ناشئا في أفق السماء ترك العمل ، وإن كانَ في الصَّلاة ، ثُمَّ يقول : " اللَّهُمَّ ، إني أعوذ بك من شرها " .
وخرجه ابن السني ، ولفظه : كانَ إذا رأى في السماء ناشئا ، غبارا أو ريحا ، استقبله من حيث كانَ ، وإن كانَ في الصَّلاة تعوذ بالله من شره .
[6/320] وكذا خرجه ابن أبي الدنيا .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي في " اليوم والليلة " وابن ماجه وابن حبان في " صحيحه " من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : " الريح ، من روح الله ، تأتي بالرحمة ، وتأتي بالعذاب ، فإذا رأيتموها فلا تسبوها ، واسألوا الله خيرها ، واستعيذوا بالله من شرها .
وخرج الترمذي من حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تسبوا الريح ، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا : اللَّهُمَّ ، إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيهِا ، وخير ما أمرت به ، ونعوذ بك من شر هذه الريح ، وشر ما فيها ، وشر ما أمرت به " .
وقال : حسن صحيح .
وخرجه النسائي في " اليوم والليلة " مرفوعا وموقوفا على أبي بن كعب رضي الله عنه .
وفي الباب أحاديث أخر متعددة .
وروي عن ابن مسعود ، قالَ : لا تسبوا الريح ؛ فإنها بشر ونذر ولواقح ، ولكن استعيذوا بالله من شر ما أرسلت به .
وعن ابن عباس ، قالَ : لا تسبوا الريح ؛ فإنها تجيء بالرحمة ، وتجيء بالعذاب ، وقولوا : اللَّهُمَّ ، اجعلها رحمة ، ولا تجعلها عذابا .
خرجهما ابن أبي الدنيا .
وخرج - أيضا - بإسناده ، عن علي ، أنه كانَ إذا هبت الريح قالَ : اللَّهُمَّ ، [6/321] إن كنت أرسلتها رحمة فارحمني فيمن ترحم ، وإن كنت أرسلتها عذابا فعافني فيمن تعافي .
وبإسناده ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يقول إذا عصفت الريح : شدوا التكبير ؛ فإنها تذهب .
وعن عمر بن عبد العزيز أنه لما ولي هبت ريح ، فدخل عليه رجل وهو منتقع اللون ، فقال : ما لك يا أمير المؤمنين ؟ قالَ : ويحك ، وهل هلكت أمة إلا بالريح ؟