قال البخاري - رحمه الله - :
1038 - نا إسماعيل ، حدثني مالك ، عن صالح بن كيسان ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن زيد بن خالد الجهني ، أنه قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل ، فلما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل على الناس ، فقال : " هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال : بنوء كذا وكذا ، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب "
.

قوله : " على إثر سماء " ، أي : مطر كان من الليل .
[6/336] والعرب تسمي المطر سماء ؛ لنزوله من السماء ، كما قال بعضهم :
إذا نزل السماء بأرض قوم
رعيناه وإن كانوا غضابا
وقوله صلى الله عليه وسلم : " هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ " وفي بعض الروايات : " الليلة " ، وهي تدل على أن الله تعالى يتكلم بمشيئته واختياره .
كما قال الإمام أحمد : لم يزل الله متكلما إذا شاء .
وقوله : " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فمن قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، ومن قال : بنوء كذا وكذا ، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب " .
يعني : أن من أضاف نعمة الغيث وإنزاله إلى الأرض إلى الله عز وجل وفضله ورحمته ، فهو مؤمن بالله حقا ، ومن أضافه إلى الأنواء كما كانت الجاهلية تعتاده ، فهو كافر بالله ، مؤمن بالكوكب .
قال ابن عبد البر : النوء في كلام العرب : واحد أنواء النجوم ، وبعضهم يجعله الطالع ، وأكثرهم يجعله الساقط ، وقد تسمى منازل القمر كلها أنواء ، وهي ثمانية وعشرون .
وقال الخطابي : النوء واحد الأنواء ، وهي الكواكب الثمانية والعشرون التي هي منازل القمر ، كانوا يزعمون أن القمر إذا نزل ببعض تلك الكواكب مطروا ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - سقوط المطر من فعل الله دون غيره ، وأبطل قولهم . انتهى .
وقال غيره : هذه الثمانية وعشرون منزلا تطلع كل ثلاثة عشر يوما منزل صلاة الغداة بالمشرق ، فإذا طلع رقيبه من المغرب ؛ فسميت أنواء لهذا المعنى .
[6/337] وهو من الأضداد ، يقال : ناء إذا طلع ، وناء إذا غرب ، وناء فلان إذا قرب ، وناء إذا بعد .
وقد أجرى الله العادة بمجيء المطر عند طلوع كل منزل منها ، كما أجرى العادة بمجيء الحر في الصيف ، والبرد في الشتاء .
فإضافة نزول الغيث إلى الأنواء ، إن اعتقد أن الأنواء هي الفاعلة لذلك ، المدبرة له دون الله عز وجل ، فقد كفر بالله ، وأشرك به كفرا ينقله عن ملة الإسلام ، ويصير بذلك مرتدا ، حكمه حكم المرتدين عن الإسلام ، إن كان قبل ذلك مسلما .
وإن لم يعتقد ذلك ، فظاهر الحديث يدل على أنه كفر نعمة الله .
وقد سبق عن ابن عباس ، أنه جعله كفرا بنعمة الله عز وجل .
وقد ذكرنا في " كتاب : الإيمان " أن الكفر كفران : كفر ينقل عن الملة ، وكفر دون ذلك ، لا ينقل عن الملة ، وقد بوب البخاري عليه هنالك .
فإضافة النعم إلى غير المنعم بها بالقول كفر للمنعم في نعمه ، وإن كان الاعتقاد يخالف ذلك .
والأحاديث والآثار متظاهرة بذلك .
وفي " صحيح مسلم " ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ألم تروا إلى ما قال ربكم ؟ قال : ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين ، يقولون : الكوكب وبالكوكب " .
وروي من وجه آخر ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله عز وجل ليبيت القوم بالنعمة ، ثم يصبحون وأكثرهم بها كافر ، يقولون : مطرنا [6/338] بنوء كذا وكذا " .
وروى أبو سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لو أمسك الله القطر عن الناس سبع سنين ، ثم أرسله ، كفرت طائفة منهم ، فقالوا : هذا من نوء المجدح " .
وروى أبو الدرداء ، قال : مطرنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجل يقول : مطرنا بنوء كذا وكذا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قلما أنعم الله على قوم نعمة ، إلا أصبح كثير منهم بها كافرين " .
وفي " صحيح مسلم " ، عن أبي مالك الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أربع في أمتي من أمر الجاهلية ، لا يتركونهن : الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة " .
وخرج البخاري في " صحيحه " ، من رواية ابن عيينة ، عن عبيد الله : سمع ابن عباس يقول : " خلال من خلال الجاهلية : الطعن في الأنساب ، والنياحة " ، ونسي الثالثة ، قال سفيان : ويقولون : إنها " الاستسقاء بالأنواء " .
وروي عن ابن عباس - مرفوعا - من وجه آخر ضعيف
.
وخرج ابن حبان في " صحيحه " معناه من حديث أبي هريرة مرفوعا .
وروى ابن عيينة ، عن إسماعيل بن أمية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا في بعض أسفاره يقول : مطرنا ببعض عثانين الأسد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [6/339] " كذبت ، بل هو سقي الله عز وجل ، ورزقه " .
وذكر مالك ، أنه بلغه عن أبي هريرة ، أنه كان يقول : مطرنا بنوء الفتح ، ثم يتلو هذه الآية : مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا
وذكر الشافعي ، أنه بلغه ، أن عمر سمع شيخا يقول - وقد مطر الناس - : أجاد ما أقرى المجدح الليلة ، فأنكر ذلك عمر عليه .
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن سلم العلوي ، قال : كنا عند أنس ، فقال رجل : إنها لمخيلة للمطر ، فقال أنس : إنها لربها لمطيعة .
يشير أنس إلى أنه لا يضاف المطر إلى السحاب ، بل إلى أمر الله ومشيئته .
وذكر ابن عبد البر ، عن الحسن ، أنه سمع رجلا يقول : طلع سهيل ، وبرد الليل ، فكره ذلك ، وقال : إن سهيلا لم يأت قط بحر ولا برد .
قال : وكره مالك أن يقول الرجل للغيم والسحابة : ما أخلقها للمطر .
قال : وهذا يدل على أن القوم احتاطوا ، فمنعوا الناس من الكلام بما فيه أدنى متعلق من كلام الجاهلية في قولهم : مطرنا بنوء كذا وكذا . انتهى .
واختلف الناس في قول القائل : " مطرنا بنوء كذا وكذا " من غير اعتقاد أهل الجاهلية : هل هو مكروه ، أو محرم ؟
فقالت طائفة : هو محرم ، وهو قول أكثر أصحابنا ، والنصوص تدل عليه ، كما تقدم .
[6/340] وقال طائفة : هو مكروه ، وهو قول الشافعي وأصحابه ، وبعض أصحابنا .
فأما إن قال : " مطرنا في نوء كذا وكذا " ، ففيه لأصحابنا وجهان :
أحدهما : أنه يجوز ، كقوله : " في وقت كذا وكذا " ، وهو قول القاضي أبي يعلى وغيره .
وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال للعباس - رضي الله عنه - وهو يستسقي : يا عباس ، كم بقي من نوء الثريا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إن أهل العلم بها يزعمون أنها تعترض بالأفق بعد وقوعها سبعا ، فما مضت تلك السبع حتى أغيث الناس .
رواه ابن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن ابن المسيب ، قال : حدثني من لا أتهم ، عن عمر ، فذكره .
والوجه الثاني : أنه يكره ، إلا أن يقول مع ذلك : " برحمة الله عز وجل " ، وهو قول أبي الحسن الآمدي من أصحابنا .
واستدل للأول بما ذكر مالك في " الموطأ " ، أنه بلغه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " إذا نشأت بحريتها فشاءمت ، فتلك عين غديقة " .
وهذا من البلاغات لمالك التي قيل : إنه لا يعرف إسنادها .
وقد ذكره الشافعي ، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، قال : " إذا نشأت بحرية ، ثم استحالت شامية ، فهو أمطر لها " .
قال ابن عبد البر : ابن أبي يحيى مطعون عليه متروك .
[6/341] وإسحاق ، هو ابن أبي فروة ضعيف - أيضا - متروك .
وهذا لا يحتج به أحد من أهل العلم
.
قلت : وقد خرجه ابن أبي الدنيا من طريق الواقدي ، نا عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة ، سمعت عوف بن الحارث ، سمعت عائشة تقول : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إذا أنشأت السحابة بحرية ، ثم تشاءمت ، فتلك عين " أو قال : " عام غديقة " .
يعني : مطرا كثيرا .
والواقدي : متروك أيضا .

والمعنى : أن السحابة إذا طلعت بالمدينة من جهة البحر ، ثم أخذت إلى ناحية الشام ، جاءت بمطر كثير ، وهو الغدق .
قال تعالى : لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا
وقيده ابن عبد البر : " غديقة " بضم الغين بالتصغير .
ومن هذا المعنى : قول الله عز وجل فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا وفسره علي بن أبي طالب وابن عباس ومن بعدهما بالسحاب .
قال مجاهد : تحمل المطر .