‎ ‎( 1821 ‎ ) ( 8 ‎ ) ‎[1398] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ قال : كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلامِي نَافِعٍ أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فَكَتَبَ إِلَيَّ : سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ جُمُعَةٍ عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسْلَمِيُّ يَقول : لا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمْ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ .
وَسَمِعْتُهُ يَقول : عُصَيْبَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَفْتَتِحُونَ الْبَيْتَ الأَبْيَضَ بَيْتَ كِسْرَى أَوْ آلِ كِسْرَى .
وَسَمِعْتُهُ يَقول : إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ ، فَاحْذَرُوهُمْ .
وَسَمِعْتُهُ يَقول : أَنَا الْفَرَطُ على الْحَوْضِ .
وَسَمِعْتُهُ يَقول : إِذَا أَعْطَى اللَّهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ .
وفي رواية : لا يَزَالُ هذا الأمر عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ .


[4/8] وقوله " لا يزال الدِّين قائمًا حتى تقوم الساعة ، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة " ، يعني بالدِّين دين الإسلام ، وهو الظاهر ، ويعني بقوله " قائمًا " أي عزيزًا ممتنعًا ، كما جاء مفسرًا في الرواية الأخرى .
وقوله " أو يكون عليكم " قَيَّدْناه على من يُوثَقُ بِتَقَيِّيدِه بالنَّصب ، وتكون " أو " بمعنى ( إلى أن ) ، كقوله :
فَقلتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنَكَ إِنَّما
نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا

وقد دلَّ على هذا الرِّواية الأخرى ، وهي قولهُ " لا يزال هذا الأمر عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش " ؛ يعني به أنه لا تزال عزَّةُ دين الإسلام قائمة إلى اثني عشر خليفة من قريش ، وقد اختلف فيهم على ثلاثة أقوال ؛
أحدها : أنهم خلفاء العَدْلِ ؛ كالخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز ، ولا بُدَّ من ظهور من يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتُهم في إظهار الحق والعدل حتى يَكْمُل ذلك العدد ، وهو أولى الأقوال عندي .
وثانيها : أنَّ هذا إخبارٌ عن الولايات الواقعة بَعْدَهُ وبَعْدَ أصحابه ، وكأنه أشار بذلك إلى مدة ولاية بني أُمَيَّة ، ويعني بالدِّين الملك والولاية ، وهو شرح الحال [4/9] في استقامة السَّلْطَنَةِ لهم لا على طريق المدح .
وقد يقال الدِّينُ على الْمُلْكِ ؛ كما قال :
لَئِنْ حَلَلْتَ بِجوٍّ من بني أسدٍ
في دِينِ عمرٍو وحَالتْ بيننا فَدَكُ

وقيل ذلك في قوله تعالى : مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ
ثم عدّد هذا القائل ملوكهم فقال : أَوَّلُهم يزيدُ بنُ معاوية ، ثم أتبعه معاويةُ بن يزيد - وقال : ولم يذكر ابن الزبير لأنه صحابي ، ولا مروان لأنه غاصب لابن الزبير - ثم عبد الملك ، ثم الوليد ، ثم سليمان ، ثم عمر بن عبد العزيز ، ثم يزيد بن عبد الملك ، ثم هشام بن عبد الملك ، ثم الوليد بن يزيد ، ثم يزيد بن الوليد ، ثم إبراهيم بن الوليد ، ثم مروان بن محمد . فهؤلاء اثنا عشر ، ثم خرجت الخلافة منهم إلى بني العباس .
وثالثها : أن هذا خبر عن اثني عشر خليفة من قريش يجتمعون في زمان واحد في آفاق مختلفة كما قد وقع ، فقد كان بالأندلس منهم في عصر واحد بعد أربعمائة وثلاثين سنة ثلاثة كلهم يَدَّعيها ويَلَقَّب بها ، ومعهم صاحبُ مصر وخليفة بغداد ، فكذلك يجوز أن يجتمع الاثنا عشر خليفة في العصر الواحد ، وقد دلّ على هذا قوله صلى الله عليه وسلم " سيكون خلفاء فتكثر " ، وكلٌّ محتمل ، والأول أولاها لبُعْده عن الاعتراض .
[4/10] وقوله " عُصَيْبَةٌ من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض بيت كسرى " ، العُصَيْبَة تصغير العِصابة ، وهي الجماعة من الناس ، قيل : أقلهم أربعون . ويحتمل أن يكون هذا التصغير للمفتتحين لقلة من يباشر فتح البيت - أعني بيتَ كسرى - فإنه يروى أن سعد بن أبي وقاص خاض دجلة - وهي مطلع إلى دار كسرى - فما بلغ الماء إلى حزام الفرس ، وما ذهب للمسلمين شيء ، ووجدوا قبابًا مملوءة سلالاً فيها آنية الذهب والفضة ، ووجدوا كافورا كثيرا فظنوه ملحًا فعجنوا به فوجدوا مرارته ، وكان في بيوت كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار - ثلاث مرات .
ويحتمل أن يكون تصغيرهم بالنسبة إلى عدوهم ، ويحتمل أن يكون تصغيرهم على جهة التعظيم ، كما قالوا :
دُوَيْهِيَّة تَصْفَّرُ منها الأنامل

ووصف بيت كسرى بالأبيض لأنه كان مبنيًا بالجص ومزخرفًا بالفضة ، والله تعالى أعلم .
وقوله " إن بين يدي السَّاعة كذابين " ، هذا يفسّره الحديث الآخر الذي قال فيه " لا تقوم السَّاعة حتى يخرج ثلاثون كذّابون كلهم يزعم أنه نبي ، وأنا خاتم النبيين " .
[4/11] وقوله " إذا أعطى الله أحدكم خيرًا فليبدأ بنفسه وأهل بيته " ، " خيرًا " يعني به مالاً ، وهذا كما قال في الحديث الآخر " ابدأ بمن تعول " ، وكقوله في حديث آخر " إذا أنعم الله على عبد نعمة أحبَّ أن يرى أثر نعمته عليه " .
ومعنى هذا الأمر الابتداء بالأهم فالأهم والأولى فالأولى ، وقد بينّا هذا المعنى في كتاب الزكاة .
وقوله " أنا الفرط على الحوض " بفتح الراء ، وهو المتقدّم إلى الماء ليهيئه ويصلحه ، وهو الفارط أيضًا .
والفَرْطُ - بسكون الراء - السَّبْق والتقدّم .