34 - حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها ، فلما أكثر عليه غضب ثم قال للناس : سلوني عما شئتم ، قال رجل : من أبي ؟ قال : أبوك حذافة ، فقام آخر فقال : من أبي يا رسول الله ؟ فقال : أبوك سالم مولى شيبة ، فلما رأى عمر ما في وجهه قال : يا رسول الله إنا نتوب إلى الله عز وجل .

مطابقة الحديث للترجمة في قوله " فلما أكثر عليه غضب " .
بيان رجاله : هم خمسة قد ذكروا أعيانهم بهذه السلسلة في باب فضل من علم وعلم ، وكلهم كوفيون ، وأبو أسامة حماد بن أسامة ، وبريد بضم الباء الموحدة ابن عبد الله ، وأبو بردة بضم الباء الموحدة عامر بن أبي موسى ، وأبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري .
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري هاهنا عن أبي كريب محمد بن العلاء وفي كتاب الاعتصام في باب ما يكره من كثرة السؤال عن يوسف بن موسى ، وفي الفضائل عن أبي كريب وعبد الله بن براد ، ثلاثتهم عن أسامة عنه به .
بيان اللغات والإعراب والمعاني : قوله " عن أشياء " هو غير منصرف ، قال الخليل : إنما ترك صرفه لأن أصله فعلاء كالشعراء ، جمع على غير الواحد فنقلوا الهمزة الأولى إلى أول الكلمة فقالوا أشياء فوزنه أمعاء ، وقال الأخفش والفراء : هو أفعلاء كالأنبياء ، فحذفت الهمزة التي بين الياء والألف للتخفيف فوزنه أفعاء ، وقال الكسائي : هو أفعال كأفراخ ، وإنما تركوا صرفها لكثرة استعمالهم لها ولأنها شبهت بفعلاء ، وقال في العباب : الشيء تصغيره شييء وشييء بكسر الشين ولا تقل شويء ، والجمع أشياء غير مصروفة ، والدليل على قول الخليل أنها لا تصرف أنها تصغر على أشياء ، وأنها تجمع على أشاوي ، وأصلها أشائي قلبت الهمزة ياء فاجتمعت ثلاث يآت فحذفت الوسطى وقلبت الأخيرة ألفا فأبدلت من الأول واوا ، وحكى الأصمعي أنه سمع رجلا من فصحاء العرب يقول لخلف الأحمر : إن عندك لأشاوي مثال الصحارى ، ويجمع أيضا على أشايا وأشياوات ، ويدخل على قول الكسائي أن لا تصرف أبناء وأسماء ، وعلى قول الأخفش أن لا تجمع على أشاوي ، قوله " كرهها " جملة في محل الجر لأنها صفة الأشياء ، وإنما كره لأنه ربما كان سببا لتحريم شيء على المسلمين فتلحقهم به المشقة ، أو ربما كان في الجواب ما يكره السائل ويسوؤه أو ربما أحفوه عليه الصلاة والسلام وألحقوه المشقة والأذى ، فيكون ذلك سببا لهلاكهم ، وهذا في الأشياء التي لا ضرورة ولا حاجة إليها أو لا يتعلق بها تكليف ونحوه ، وفي غير ذلك لا تتصور الكراهة لأن السؤال حينئذ إما واجب أو مندوب لقوله تعالى : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قوله " فلما أكثر عليه " على صيغة المجهول أي فلما أكثر السؤال على النبي عليه الصلاة والسلام غضب وهو جواب لما ، وسبب غضبه تعنتهم في السؤال وتكلفهم فيما لا حاجة لهم فيه ، ولهذا قال عليه السلام : " إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء فحرم من أجل مسألته " أخرجه البخاري من حديث سعد ، قوله " سلوني " جملة من الفعل والفاعل والمفعول ، قال بعض العلماء : هذا القول [2/114] منه عليه الصلاة والسلام محمول على أنه أوحي إليه به إذ لا يعلم كل ما يسأل عنه من المغيبات إلا بإعلام الله تعالى ، وقال القاضي عياض : ظاهر الحديث أن قوله عليه السلام " سلوني " إنما كان غضبا ، قوله " عما شئتم " وفي بعض النسخ " عم شئتم " بحذف الألف ، قلت : إنه يجب حذف ألف ما الاستفهامية إذا جرت وإبقاء الفتحة دليلا عليها نحو فيم وإلام وعلام ، وعلة الحذف الفرق بين الاستفهام والخبر فلهذا حذفت في نحو فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ، فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ، لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ وثبت في لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وكما لا تحذف الألف في الخبر لا تثبت في الاستفهام ، وأما قراءة عكرمة وعيسى " عما يتساءلون " فنادرة ، وأما قول حسان رضي الله عنه :
علاما قام يشتمني لئيم
كخنزير تمرغ في رماد
فضرورة ، ويروى في دمان وهو كالرماد وزنا ومعنى ، قوله " قال رجل " هو عبد الله بن حذافة ، وقد تقدم تعريفه في باب ما يذكر من المناولة ، قوله " من أبي " جملة من المبتدأ والخبر مقول القول ، وكذلك قوله " أبوك حذافة " بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة المخففة ، فإن قلت : لم سأله عن ذلك ؟ قلت : لأنه كان ينسب إلى غير أبيه إذا لاحى أحدا فنسبه عليه الصلاة والسلام إلى أبيه ، فإن قلت : من أين عرف رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه ابنه ، قلت : إما بالوحي وهو الظاهر أو بحكم الفراسة أو بالقياس أو بالاستلحاق ، قوله " فقام إليه " أي إلى النبي عليه الصلاة والسلام آخر أي رجل آخر ، قوله " أبوك سالم " مبتدأ وخبر مقول القول ، قوله " ما في وجهه " أي من أثر الغضب ، وما موصولة والجملة في محل النصب على أنها مفعول رأى وهو من الرؤية بمعنى الإبصار ، ولهذا اقتصر على مفعول واحد ، قوله " قال : يا رسول الله " جواب لما ، قوله " إنا نتوب إلى الله " جملة وقعت مقول القول أي نتوب من الأسئلة المكروهة مما لا يرضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما قال ذلك عمر رضي الله تعالى عنه لأنه لما رأى حرصهم وقدر ما علمه الله خشي أن يكون ذلك كالتعنت له والشك في أمره ، فقال : إنا نتوب إلى الله ، وفي الحديث فهم عمر وفضل علمه فإن العالم لا يسأل إلا فيما يحتاج إليه ، وفيه كراهة السؤال للتعنت ، وفيه معجزة النبي صلى الله عليه وسلم .