‎( 9 ) باب
في البيعة على ماذا تكون
( 1709 ) [1420] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصامت قَالَ: بَايَعْنَا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا ، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأمرَ أَهْلَهُ ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ .
زاد في رواية بعد قوله " وَأَلَا نُنَازِعَ الأمرَ أَهْلَهُ " قَالَ: إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ .


[4/44] ( 9 ) ومن باب : البيعة
وهي مأخوذة من البيع ، وذلك أن المبايع للإمام يلتزم أن يقيَهُ بنفسه وماله ، فكأنّه قد بذل نفسه وماله لله تعالى ، وقد وعده الله تعالى على ذلك بالجنة ، فكأنّه قد حصلت له المعاوضة ، فصدق على ذلك اسم البيع والمبايعة والشراء ؛ كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ إلى أن قال : فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ، وعلى نحوٍ من هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لصهيب : " ربح البيع أبا يحيى " ، وكانت قريشُ تبعته لتردّه عن هجرته ، فبذل لهم ماله في تخليص نفسه ابتغاء ثواب الله تعالى ، فسمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم بيعًا ، وهذا أحسن ما قيل في المبايعة .
ثم هي واجبة على كل مسلم لقوله صلى الله عليه وسلم : " من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " ، غير أنّه مَنْ كان مِن أهل الحل والعقد والشهرة فبيعته بالقول والمباشرة باليد إن كان حاضرًا ، أو بالقول والإشهاد عليه إن كان غائبًا ، ويكفي مَنْ لا يُؤْبَهُ لَهُ ولا يُعْرَف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام ويسمع ويطيع له في السرّ والجهر ولا يعتقد خلافًا لذلك ، فإن أضمره فمات مات ميتة جاهلية ؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة .
وقوله " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة " ، هذه البيعة تسمَّى بيعة [4/45] الأمراء ، وسُمّيت بذلك لأن المقصود بها تأكيد السمع والطاعة على الأمراء ، وقد كان عُبَادَةُ بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء ، وسُمّيت بذلك لأنه لم يكن فيها ذِكْرُ حربٍ ولا قتال . وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بيعة الرِّضوان ، وسُمّيت بذلك لقول الله تعالى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وسيأتي ذِكْرُهَا .
وقوله " وعلى أَثَرةٍ علينا " ، قد تقدّم القول في تقييد " أثرة " وفي معناه ، وكأنَّ هذا القول خاصٌّ بالأنصار ، وقد ظهر أثر ذلك يوم حنين حيث آثر النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا بالفيء ولم يُعْط الأنصار شيئًا ، فجرى من الحديث ما تقدّم في كتاب الزكاة ، وهناك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " اصبروا حتى تلقوني على الحوض " ، فقالوا : سنصبر إن شاء الله . وفيه أيضًا تنبيه لهم على أن الخلافة في غيرهم ، وقد صرّح بذلك في قوله : " وعلى ألا ننازع الأمر أهله " ، وكذلك فعلوا لَمّا علموا أهلية أبي بكر للخلافة أذعنوا وسلّموا وسمعوا وأطاعوا .
وقوله " إلا أن تروا كفرًا بواحًا " ، كذا روايةُ هذه اللفظة بالواو عند كافة الرّواة ، وهي من باح الرجل بالشيء يبوح به بوحًا وبواحًا إذا أظهره ، وقال ثابت : رواه النسائي بُؤَاحًا أو بَؤُوحًا - وهي بمعناه ، إلا ما زادت من معنى [4/46] المبالغة ، وقد رواها أبو جعفر " بَرَاحًا " بالراء ، من قولهم : بَرِحَ الْخَفَاءُ ؛ أي : ظَهَرَ .
وقوله " عندكم من الله فيه برهان " ؛ أي : حجة بيّنة وأمرٌ لا شك فيه يحصل به اليقين أنه كفر ، فحينئذ يجب أن يخلع من عُقِدَتْ له البيعة على ما قدّمناه .