« باب خطبة الإمام في الكسوف »

أي هذا باب في بيان خطبة الإمام في كسوف الشمس .
وقالت عائشة ، وأسماء : خطب النبي صلى الله عليه وسلم .

أي خطب في الكسوف . أما تعليق عائشة فقد أخرجه في باب الصدقة في الكسوف ، وقد مضى عن قريب . وفيه : وقد تجلت الشمس وخطب الناس . وأما تعليق أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أخت عائشة لأبيها فسيأتي بعد أحد عشر بابا في باب قول الإمام في خطبة الكسوف أما بعد .
85 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ح. وَحَدَّثَنِي [7/74] أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قال : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ ، فَكَبَّرَ ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ ، وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ، هِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ أَدْنَى مِنْ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. ثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ ، وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ ، ثُمَّ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ. »

مطابقته للترجمة في قوله « ثم قام فأثنى على الله بما هو أهله » ؛ لأن القيام والثناء على الله فيه هو الخطبة .
ذكر رجاله ، وهم تسعة ؛ لأنه رواه من طريقين :
الأول : يحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير بضم الباء الموحدة أبو زكريا المخزومي المصري .
الثاني : الليث بن سعد المصري .
الثالث : عقيل ، بضم العين ابن خالد المصري .
الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .
الخامس : أحمد بن صالح أبو جعفر المصري .
السادس : عنبسة ، بفتح العين المهملة ، وسكون النون ، وفتح الباء الموحدة بعدها سين مهملة مفتوحة ، ابن خالد بن يزيد الأيلي ، مات سنة سبع وتسعين ومائة .
السابع : يونس بن يزيد بن مسكان أبو يزيد الأيلي ، مات سنة بضع وخمسين ومائة .
الثامن : عروة بن الزبير .
التاسع : عائشة رضي الله تعالى عنها .
ذكر لطائف إسناده :
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد كذلك في ثلاثة مواضع . وفيه العنعنة في أربعة مواضع . وفيه القول في خمسة مواضع . وفيه أن أحمد بن صالح من أفراد البخاري . وفيه أن رواته مصريون ما خلا ابن شهاب وعروة ، فإنهما مدنيان . وفيه رواية الشخص عن عمه ، وهو عنبسة عن يونس .
ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره :
أخرجه البخاري أيضا في الصلاة ، عن محمد بن مقاتل ، عن عبد الله بن المبارك .
وأخرجه مسلم في الكسوف ، عن حرملة بن يحيى ، وأبي الطاهر بن السرح ، ومحمد بن سلمة ، ثلاثتهم عن ابن وهب ، عن يونس به .
وأخرجه أبو داود فيه ، عن أبي الطاهر ، وابن سلمة به .
وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن سلمة .
وأخرجه ابن ماجه فيه ، عن أبي الطاهر به .
ذكر معناه :
قوله « فصف الناس » برفع الناس ؛ لأنه فاعل صف ، يقال صف القوم إذا صاروا صفا ، ويجوز نصب الناس ، والفاعل محذوف ، أي فصف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الناس وراءه .
قوله « ثم قال : في الركعة الأخيرة » أي فعل ، وهو إطلاق القول على الفعل ، والعرب تفعل هذا كثيرا .
قوله « ثم قام فأثنى على الله تعالى » يعني قام لأجل الخطبة فخطب .
قوله « فافزعوا » بفتح الزاي أي التجئوا ، وتوجهوا إليها ، أو استعينوا بها على دفع الأمر الحادث ، من باب فزع بالكسر يفزع بالفتح فزعا ، والفزع في الأصل الخوف ، فوضع موضع الإغاثة والنصر ؛ لأن من شأنه الإغاثة والدفع .
قوله « إلى الصلاة » قال بعضهم : أي المعهودة الحاصلة ، وهي التي تقدم فعلها منه صلى الله تعالى عليه وسلم قبل الخطبة ، ولم يصب من استدل به على مطلق الصلاة .
قلت : الذي استدل به على مطلق الصلاة هو المسيب ؛ لأن المذكور هو الصلاة ، فإذا ذكرت مطلقة ينصرف إلى الصلاة المعهودة فيما بينهم التي يصلونها على الصفة المعهودة ، ولا تذهب أذهان الناس إلا إلى ذلك ، والعجب من غير المصيب يرد كلام المصيب .
ذكر ما يستنبط منه ، وقد مر أكثر ذلك :
فيه فعل صلاة الكسوف في المسجد دون الصحراء ، وإن كان يجوز فعلها في الصحراء ، ولعل كونها في المسجد هاهنا لخوف الفوت بالانجلاء ، وقال القدوري : كان أبو حنيفة يرى صلاة الكسوف في المسجد ، والأفضل في الجامع ، وفي « شرح الطحاوي » : صلاة الكسوف في المسجد الجامع ، أو في مصلى العيد .
وعند مالك تصلى فيه دون [7/75] الصحراء ، وقال ابن حبيب : هو مخير ، وحكي عن أصبغ ، وصوب بعض أهل العلم المسجد في المصر الكبير للمشقة وخوف الفوت دون الصغير . وفيه الخطبة ، وقد مر الكلام فيها مستقصى . وفيه تقديم الإمام على المأموم ، وهو من قوله : فصف الناس وراءه . وفيه المبادرة إلى المأمور به والمسارعة إلى فعله . وفيه الالتجاء إلى الله تعالى عند المخاوف بالدعاء ، والاستغفار ؛ لأنه سبب لمحو ما فرط منه من العصيان . وفيه أن الذنوب سبب لوقوع البلايا والعقوبات العاجلة والآجلة .