‎( 51 ) باب
الغزو في البحر
1912 [1379] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ. ( يَشُكُّ أَيَّهُمَا قَالَ ). قَالَتْ: فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا. ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَنَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ : مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ. كَمَا قَالَ فِي الْأُولِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ. فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ.
وَفِي رِوَايَةٍ : يَرْكَبُونَ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ.
وَفِي أُخْرَى : قَالَ: فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بَعْدُ، فَغَزَا فِي الْبَحْرِ فَجَعَلَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ قُرِّبَتْ لَهَا بَغْلَةٌ ، فَرَكِبَتْهَا فَصَرَعَتْهَا، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا .


( 51 ) ومن باب: الغزو في البحر
قوله : ( إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدخلُ على أمِّ حرام بنت مِلْحان ) ؛ أمّ حرام هذه هي أخت أم سليم أم أنس بن مالك ، وكان اسم أم حرام : الرميصاء . وقيل : الغميصاء ، وإنما الرميصاء أمُّ سليم . وكذا ذكره البخاري .
و( الرميصاء ) : من [3/752] الرمص ، وهو القذى الذي يجتمع في مآقي العين وأهدابها .
و( الغمص ) : استرخاءٌ فيها وانكسار ، وهما اسمان لهما ، ويجوزُ أن يكون ذلك صفتين ، ولعل الغمصَ هو الذي كان غالبًا على نساء الأنصار ، وهو الذي عنى به النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- حيث قال لجابر : ( فإن في عيون الأنصار شيئا .
ودخولُ النبي -صلى الله عليه وسلم- على أم حرام ؛ لأنها كانتْ إحدى خالاته من الرَّضاعة ، كما قال ابنُ وهب . وقال غيرُه : بل كانت خالة لأبيه ، أو لجدِّه ؛ لأن أم عبد المطلب من بني النجار .
وقوله : ( وكانت تحت عُبادة بن الصامت ) ؛ ظاهرُه : أن أم حرام كانت زوجًا لِعُبادة في الوقت الذي دخل عليها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ، ورأى تلك الرؤيا ، وليس الأمرُ كذلك ، بل تزوَّجها عُبادةُ بعد ذلك بمدةٍ ، كما قاله في الرواية الأخرى : فتزوَّجها عبادةُ بَعْدُ ، فغزا في البحر . فهذا يدلُّ على تعقيب تزوجها بغزوهم ، وكان ذلك الغزو في زمان معاوية ، إمَّا وهو أميرُ الجيش ، أو أمير المؤمنين ، على ما في ذلك من الخلاف .
وفي قوله : ( أطعمته ) ؛ دليل على جواز تصرُّف المرأة في إطعام الضيف من طعام زوجها ؛ لأن الأصل في أطعمة الدَّار إنما هي مال الزوج.
وفيه دليل على خلوة الرَّجل بذات محرم ، والتبسُّط معها ، والقرب منها ، لا سيما على رواية من [3/753] روى : أنَّه -صلى الله عليه وسلم- وضع رأسه على فخذها. ويمكن أن يقال : إنه - صلى الله عليه وسلم- كان لا يستتر منه النساء ؛ لأنه كان معصومًا بخلاف غيره .
وضحكه -صلى الله عليه وسلم- حين استيقظ إنما كان فَرَحًا مما اطلع عليه من أحوال من يكون كذلك حالُه من أمته بعده .
و( ثبج البحر ) : ظهره ، كما قال في الرواية الأخرى . وأصل الثَّبج : ما يلي الكتفين .
وقوله : ( ملوكًا على الأسرة ، أو مثل الملوك على الأسرة ) ؛ هو شكّ من بعض الرواة ، وقد ورد في طريقٍ أخرى : ( كالملوك على الأسرَّة ) ، بغير شكِّ ، ويحتمل أن يكون خبرًا عن حالهم في غزوهم . ويحتملُ أن يكونَ خبرًا عن حالهم في الجنة ، كما قال تعالى في صفة أهل الجنَّة : عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ و عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ
وفيه دليل على ركوب البحر في الغزو . ويلحقُ به ما في معناه من الحج وغيره ؛ وهو مذهبُ جمهور الصحابة والعلماء ، غير أنه قد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه منع ركوبه مطلقًا . وقيل : إنما منعاه للتجارة ، وطلب الدنيا ، لا للطاعات. وكره مالك ركوبه للنساء مطلقًا ، لما يخاف عليهن من أن يُطلع منهن على عورةٍ ، أو يطلعن على عورات المتصرِّفين .
قال الأصحابُ : هذا فيما صَغُر من السُّفن ، فأمَّا ما كَبُر منهن ، بحيث يستترن بأماكن يختصصن بها ، فلا بأس .
وقولها في الثانية : ( ادع الله أن يجعلني منهم ) ؛ كأنها ظنَّتْ أن المعروضين [3/754] عليه ثانيا مساوون للأولين في الرتبة ، فسألت رتبتهم ليتضاعف لها الأجر ، ولم تشك في إجابة دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لها في المرة الأولى.
وقوله : ( أنت من الأولين ) ؛ أي : من الزمرة التي رآها أولاً . وهذا يدل : على أن المرئيين ثانيًا ليسوا الأولين ، وكانت الطائفة الأولى غزاة أصحابه في البحر .
والثانية : غزاة التابعين فيه . والله تعالى أعلم .
وقوله : ( فركبت البحر في زمن معاوية ) ؛ ظاهره : في زمان خلافة معاوية . وقال به بعض أهل التاريخ . والأشهر من أقوالهم : إن ذلك إنما كان في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وفيها كان معاوية قد غزا قبرص سنة ثمان وعشرين ، ومعه زوجته فاختة بنت قرظة من بني عبد مناف ، قاله خليفة بن خياط وغيره . وفيها ركبت أم حرام البحر مع زوجها إلى قبرص ، وبها توفيت حين صرعتها دابتها ، ودفنت بها .
وفيه دليل : على صحَّة نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وعلى صدقه ، فإنه قد وقع ما أخبر عنه من الغيب على نحو ما أخبر عنه .
[3/755] وفيه دليل : على أن من مات في طريق الجهاد من غير مشاهدته ومباشرته ؛ له من الأجر والرتبة مثل ما للمباشر. كما قدَّمناه.