116 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : [7/117] سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ ، قُلْتُ : أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ : أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا .

مطابقته للترجمة ظاهرة .
ذكر رجاله ، وهم أربعة :
الأول : أبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمر المنقري المقعد .
الثاني : عبد الوارث بن سعيد أبو عبيدة .
الثالث : يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي ، مات سنة ست وثلاثين ومائة .
الرابع : أنس بن مالك .
ذكر لطائف إسناده :
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع . وفيه أن رجاله كلهم بصريون . وفيه أنه من رباعيات البخاري .
ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره :
أخرجه البخاري في المغازي ، عن أبي نعيم ، وقبيصة ، كلاهما عن سفيان الثوري .
وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي كريب ، وعن عبيد الله بن معاذ ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير .
وأخرجه أبو داود فيه ، عن موسى بن إسماعيل ، ومسلم بن إبراهيم ، كلاهما عن وهيب .
وأخرجه الترمذي فيه ، عن أحمد بن منيع .
وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة ، وعن حميد بن مسعدة ، وفي الحج عن زياد بن أيوب .
وأخرجه ابن ماجه في الصلاة ، عن نصر بن علي الجهضمي ، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى .
ذكر معناه :
قوله « خرجنا من المدينة » وفي رواية شعبة ، عن يحيى بن إسحاق عند مسلم : إلى الحج .
قوله « من المدينة إلى مكة » دخل مكة يوم الأحد صبيحة رابعة ذي الحجة ، وبات بالمحصب ليلة الأربعاء ، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة رضي الله تعالى عنها ، وخرج من مكة صبيحتها ، وهو الرابع عشر .
قوله « فكان يصلي ركعتين ركعتين » أي الظهر ، والعصر ، والعشاء ، والفجر إلا المغرب ، فإنه يصليها ثلاثا على حالها ، وروى البيهقي من طريق علي بن عاصم ، عن يحيى بن أبي إسحاق ، عن أنس : إلا المغرب .
قوله « قلت » قائله يحيى .
قوله « أقمتم بمكة شيئا » همزة الاستفهام فيه محذوفة أي أأقمتم .
قوله « عشرا » أي عشرة أيام ، وإنما حذفت التاء من العشر مع أن اليوم مذكر ؛ لأن المميز إذا لم يكن مذكورا جاز في العدد التذكير والتأنيث ، قالوا : معناه أنه أقام بمكة وحواليها لا في مكة فقط ، إذ كان ذلك في حجة الوداع ، ولهذا قلنا : إن حديث أنس لا يعارض حديث ابن عباس ؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة ، وخرج من مكة صبيح الرابع عشر ، فتكون مدة إقامته بمكة وحواليها عشرة أيام بلياليها كما قال أنس ، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء ؛ لأنه خرج منها في اليوم الثامن فصلى الظهر بمنى .
وقال ابن رشيد : أراد البخاري أن يبين أن حديث أنس داخل في حديث ابن عباس ؛ لأن إقامته عشرة داخلة في إقامته تسع عشرة ، وأراد من ذلك أن الأخذ بالزائد متعين ، ولا يتهيأ له ذلك لاختلاف القضيتين ، وإنما يجيء ما قاله لو كانت القضيتان متحدتين ، فافهم .
ذكر ما يستنبط منه :
احتج به الشافعي رحمه الله أن المسافر إذا أقام ببلدة أربعة أيام قصر ؛ لأن إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة كانت أربعة أيام كما ذكرنا ، وبه قال مالك ، وأحمد ، وأبو ثور . وقال الرافعي ، والنووي : الأصح أن المراد بالأربعة غير يوم الدخول ، ويوم الخروج ، وعن الشافعي في قوله : إذا أقام أكثر من أربعة أيام كان مقيما ، وإن لم ينو الإقامة . وقال الطحاوي : ما قاله الشافعي خلاف الإجماع ؛ لأنه لم ينقل عن أحد قبله بأن يصير مقيما بنية أربعة أيام .
وعند أصحابنا : إن نوى أقل من خمسة عشر يوما قصر صلاته ؛ لأن المدة خمسة عشر يوما كمدة الطهر ، لما روى عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قالا : إذا قدمت بلدة ، وأنت مسافر ، وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوما فأكمل الصلاة بها ، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها . رواه الطحاوي .
وروى ابن أبي شيبة في « مصنفه » : حدثنا وكيع ، حدثنا عمر بن ذر ، عن مجاهد : أن ابن عمر كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يوما أتم الصلاة .
وروى هشيم ، عن داود بن أبي هند ، عن ابن المسيب أنه قال : إذا أقام المسافر خمس عشرة ليلة أتم الصلاة ، وما كان دون ذلك فليقصر . ثم اعلم أنا قلنا إنما يصير مقيما بنية الإقامة إذا سار ثلاثة أيام ، فأما إذا لم يسر ثلاثة أيام ، فعزم على الرجوع أو نوى الإقامة يصير مقيما ، وإن كان في المفازة . كذا ذكره فخر الإسلام .
وفي « المجتبى » : لا يبطل السفر إلا بنية الإقامة ، أو دخول الوطن ، أو الرجوع إليه قبل الثلاث . وبه قال الشافعي في الأظهر .
ونية الإقامة إنما تؤثر بخمس شرائط : أحدها : ترك السير حتى لو نوى الإقامة وهو يسير لم يصح ، وثانيها : صلاحية الموضع ، [7/118] حتى لو نوى الإقامة في بر أو بحر أو جزيرة لم يصح ، واتحاد الموضع والمدة والاستقلال بالرأي حتى لو نوى من كان تبعا لغيره كالجندي ، والزوجة ، والرقيق ، والأجير ، والتلميذ مع أستاذه ، والغريم المفلس مع صاحب الدين - لا تصح نيته إلا إذا نوى متبوعه ، ولو نوى المتبوع الإقامة ، ولم يعلم بها التابع ، فهو مسافر كالوكيل إذا عزل ، وهو الأصح ، وعن بعض أصحابنا : يصيرون مقيمين ، ويعيدون ما أدوا في مدة عدم العلم .